يشهد ملف الصفقات العمومية بجماعة الفقيه بن صالح، الذي يعود إلى فترة تسيير الوزير السابق محمد مبديع، منعطفًا جديدًا مع تواصل مرافعات الدفاع، حيث اختار دفاع المتهم رشيد.م، رئيس مصلحة الصفقات، نهج مقاربة قانونية ترتكز أساسًا على الدفع بالتقادم والطعن في قيام الأفعال المنسوبة إلى موكله. وأبرز المحامي النقيب عبابو من هيئة المحامين بفاس، خلال مرافعته اليوم الجمعة 10 ابريل الجاري، أن جزءًا مهمًا من الصفقات موضوع التحقيق يعود إلى سنوات بعيدة، بعضها مؤرخ بسنة 2006، في حين لم يتم تحريك المتابعة إلا سنة 2023، معتبراً أن هذا الفارق الزمني الكبير يُسقط الدعوى العمومية بموجب مقتضيات القانون الجنائي، التي تنص على التقادم بعد مرور آجال محددة، معتبرا أن مرور أزيد من 17 سنة على بعض الوقائع يجعل الاستمرار في متابعتها اليوم فاقدًا لأي أساس قانوني سليم.
وفي معرض رده على ما ورد في تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية، شدد الدفاع على أن صفقة منحت لتجمع يضم مكتب الدراسات "بيكترا" تمت وفق المساطر المعمول بها، موضحًا أن تحديد مبلغ الضمان المالي يدخل ضمن صلاحيات رئيس الجماعة، ولا يمكن نسبه إلى المتهم، داحضا ما تم تداوله بشأن إقصاء شركة "فابيت"، مؤكدًا أن هذه الأخيرة لم تُنهِ تعاقدها مع "بيكترا"، وهو ما يعني، بحسبه، أن وضعيتها القانونية داخل التجمع ظلت قائمة ولم يطلها أي خرق.
وفي ما يخص مزاعم حصول المتهم على مبلغ 20 ألف درهم، اعتبر عبابو أن هذه الادعاءات تفتقر لأي دليل مادي أو سند قانوني، مشيرًا إلى أن المعطيات الواردة في الملف لا تثبت إرساء أي صفقة عمومية على الطرف الذي يُفترض أنه قدم تلك المنفعة، ما ينفي شبهة الاستفادة غير المشروعة.
وتوقف الدفاع كذلك عند صفقة تعود لسنة 2016، موضحًا أن حضور موكله جلسة فتح الأظرفة تم بصفته عضوًا في اللجنة المختصة، استنادًا إلى قرار تنظيمي صادر عن وزارة الداخلية سنة 2015، وهو ما يضفي على مشاركته طابعًا قانونيًا صرفًا.
أما بخصوص التهم المرتبطة بالمشاركة في اختلاس أموال عمومية، فقد شدد الدفاع على غياب الأركان التكوينية للجريمة، سواء من حيث الفعل المادي أو القصد الجنائي الخاص، مؤكدًا أن الملف لا يتضمن أدلة مباشرة أو غير مباشرة تثبت تورط المتهم، مبرزا أن محاضر البحث وتقرير المفتشية العامة لا تتضمن أي إشارة إلى تسلم موكله لمبالغ مالية، معتبراً أن غياب الأثر المالي المباشر يقوض فرضية الاستفادة غير المشروعة من المال العام.
وبخصوص شبهة استغلال المال العام، أوضح النقيب عبابو أن الاعتمادات تُصرف وفق وثائق تحدد وجهتها، ولا يمكن الجزم بتحويلها لمنفعة أخرى دون إثبات مادي، مضيفا أن موكله، بعد نيل الصفقة، التزم بتعاقده مع الجهة صاحبة المشروع لتوفير سلع تدخل ضمن نطاق الاتفاق، مبرزًا أن هذه المقتنيات لم تكن مرتبطة بموقع محدد، وأن تتبع تنفيذ المشروع يظل من اختصاص صاحب المشروع نفسه.
وفي ما يتعلق بتهمة تبديد المال العام، شدد الدفاع على غياب الركن المعنوي والقصد الجنائي الخاص، متسائلًا عن أساس قيام هذه الجريمة في ظل صفقة أُبرمت وفق الشروط القانونية. واعتبر أن تسليم الأموال في إطار تعاقد قانوني لا يمكن اعتباره قرينة على وجود شبهة، خاصة وأن أوجه صرفها تم تبريرها.
وتطرق الدفاع إلى مسألة المحرر التجاري، موضحًا أنه يخضع لضوابط قانونية واضحة، وأن صفته تندرج ضمن الأعمال التجارية العادية، متسائلًا عن مبرر الحديث عن التزوير ما دام المحرر مستوفيًا لشروطه الشكلية والقانونية.
وعاد المحامي عبابو للتأكيد على الدفع بالتقادم بخصوص بعض الأفعال التي تعود إلى سنتي 2014 و2015، معتبراً أن متابعتها في الوقت الراهن تفتقر للسند القانوني، ما يجعلها غير قابلة للترتيب القضائي، مستندا إلى المسار المهني للمتهم، مبرزًا خلو سجله من أي مخالفات جسيمة طيلة سنوات اشتغاله في تدبير الصفقات العمومية، معتبراً أن ذلك يعزز قرينة البراءة ويضعف فرضية ارتكاب أفعال جنائية.
وفي ختام مرافعته، التمس الدفاع من المحكمة الحكم ببراءة موكله من كافة التهم، وعلى رأسها جريمة المشاركة في اختلاس أموال عمومية، مع التصريح بعدم مؤاخذته بخصوص الصفقات الثلاث موضوع المتابعة، وإثارة الدفع بعدم الاختصاص، مع تمتيعه بأقصى ظروف التخفيف.