وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    في أول ظهور له مع "أسود الأطلس".. محمد وهبي يحلل تعادل المغرب والإكوادور بمدريد    رأسية العيناوي تمنح "أسود الأطلس" تعادلا متأخرا أمام "إلتري كولور"    المنتخب المغربي يتعادل مع الإكوادور في أول مباراة تحت قيادة محمد وهبي    الاتحاد الدولي للملاكمة يرحّب بالقرار الأولمبي لتحقيق عدالة منافسات السيدات    هدف متأخر يمنح أسود الأطلس تعادلاً ثميناً أمام الإكوادور    الإشادة بالجرائم توقف ثلاثينيا بطنجة    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    أربعة أشهر حبسا لمتهم رفض أداء نفقة طليقته بالحسيمة    بنك المغرب يضخ 160,2 مليار درهم في السوق النقدية خلال أسبوع    "الطاقة الذرية" تنادي بضبط النفس    تداولات حمراء في بورصة الدار البيضاء    المشجعون المغاربة يخلقون أجواء حماسية في مدريد قبيل المباراة الودية لأسود الأطلس أمام منتخب الإكوادور    جمعية حقوقية : فقدان جنين بعد رفض تقديم الإسعاف لسيدة حامل بمستشفى الناظور    توقيف مبحوث عنه في الاتجار الدولي بالمخدرات بمنطقة واد لاو قرب تطوان    ماذا بقي من المنتدى الوطني للمدرس؟    ولد الرشيد يتباحث مع وزير كوستاريكي    نادي المحامين بالمغرب يفند ادعاءات الاتحاد السنغالي ويهدد بوضع الكأس تحت الحجز القضائي    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    الخطوط الملكية المغربية تدشن خطا مباشرا بين بروكسل وتطوان    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    نعي شهيد الواجب الوطني ضابط الأمن رشيد رزوق    تصعيد إيراني وتحركات أميركية مترددة    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم        "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس    الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات        هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«علبة الأسماء» للكاتب والمبدع محمد الأشعري : رواية الإشكاليات
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 27 - 03 - 2015

تعد رواية علبة الأسماء للكاتب المغربي محمد الأشعري من الروايات المغربية التي استطاعت أن تجسد الخطاب الروائي الجديد من كل الجوانب السردية التي تؤسس لهذا الخطاب،وهي البصمة الأدبية الإبداعية الثالثة في عالم السرد ،حيث تضاف إلى البصمتين السابقتين بصمة جنوب الروح وبصمة القوس والفراشة ،وهي كلها بصمات نوعية جديدة أسهمت في رفع قيمة السرد العربي عامة والسرد المغربي خاصة. وقد عودنا الكاتب أن يجعل الأدب المغربي شعرا وسردا ذا مكانة فنية عالية تفرض الذات الإبداعية المغربية بصفتها صوتا أدبيا وثقافيا يشارك باعتراف الجميع في تأسيس الخطاب الأدبي العربي المعاصر منذ سنوات السبعين من القرن الماضي.ولعل فوز روايته القوس والفراشة بجائزة البوكر العربية دليل على تميز كتاباته السردية إلى جانب الكتابة الشعرية ،فمحمد الأشعري من المبدعين العرب الذين استطاعوا تشكيل رؤيتهم الفنية المنزاحة عن السائد والمألوف ،والقائمة أساسا على مفهوم التجريب بصفته رحلة تكون وسيرورة متكاملة من الحلقات الإشكالية والأطر المحددة لمرتكزات التأسيس الروائي والبحث الفني عن التجذر في التاريخ والمجتمع والثقافة والسياسة ومجموع العناصر التي تصنع منظومة القيم المرجعية لقطر المغرب. وتناقش دلاليا وجماليا كل الإشكاليات المغربية والعربية المرتبطة بالإنسان في علاقته بمجتمعه وحضارته وفكره وذوقه ومستقبله،تلك العلاقة التي تتراوح بين الماضي والحاضر والمستقبل على المستويات جميعها،كما تحدد مفهوم الكتابة الأدبية المعاصرة المنفتحة على المرجعيات المتعددة والموظفة توظيفا معاصرا مختلفا عن التوظيف الجمالي السابق.فرواية علبة الأسماء يتشكل خطابها من تعددية اللغة والرؤية والمحكي والواقع
والعلاقات والخطابات لتضعنا أمام مجموعة من تحولات القيم والعلائق التي رافقت الإنسان المغربي سنوات السبعين و الثمانين من المدينة إلى السجن ومن السجن إلى المدينة حكيا وحياة.كما جعلت الكاتب الحالم والمواطن الواعي والسجين المشاكس والسياسي المحنك والفقيه المهادن والفنان الموهوب والموظف المتعب بقضايا الناس يعبرون عن تجربة الإنسان المغربي وما عرفته من إجهاز على القيم الإنسانية في صراع غير متكافئ بين سلطة طامعة في الحكم وبين شعب يبتغي التحليق مثل الطفل مصطفى في الرواية»علبة الأسماء».
تنطلق كتابة الرواية من مفهوم الوعي المديني «والمقصود به هو فكر المدينة التي تعيش تحولاتها بواسطة عمليات التحديث الذي يدخل دائما في حوار إشكالي بين الماضي والحاضر، وهو الحوار الذي يفضي إلى تغيير علاقات الثقافة وأدوات إنتاج المعرفة في المجتمع،الأمر الذي يؤدي إلىنتاج رؤية مدنية واعدة لعالم صاعد ترمز إليه المدينة المتحولة وتجسد ملامحه.ويلزم عن ذلك تصور المدينة بوصفها وعاء سياسيا واجتماعيا وثقافيا وإبداعيا لتعدد الأجناس والأعراق والطبقات والمعتقدات والثقافات وأنواع الإبداع المختلفة.وتصبح صورها في أذهان ساكنيها تأكيدا لدورها في صياغة هذه الأذهان وصياغة وعيها انطلاقا من تباين الأذهان المتأثرة بالأمكنة والحغرافيات .ولذلك يصل الوعي المديني بين نواتج التغير في التركيب السكاني والتخطيط العمراني والتشكيل المعماري،كما يصل بينها وغيرها من مظاهر التغير الإيكولوجي المرتبط بعمليات تحديث المدينة،تلك العمليات التي سرعان ما يتولد منها نزوع حداثي يغدو سمة للوعي المديني وعلامة عليه.كما يؤكد ذلك الناقد جابر عصفور. وهي المدينة التي تحمل ثقافة متعددة الخطابات والفنون،نتيجة اختلاف العقليات والأذواق والأفكار، كل هذا يتأتى من المرجعيات التاريخية
والإثنوغرافية والسوسيولوجية التي تخضع للثوابت أحيانا،وللتحولات أحيانا أخرى، فعلبة المدينة بقدامتها وحداثتها التي تتخذ جزءا كبيرا من فضاء الرواية،تحدد مستويات الوعي عند الشخصيات التي تشكل هذا الفضاء،وهي الشخصيات المشكلة للحياة المدنية بكل مراتبها الاجتماعية والأجناسية والعرقية الأصيلة والدخيلة،مثل ريتشارد الانجليزي وثريا بركاش وعدنان البوهالي وعماد وسيدي محمد بيدرو وشيمرات و بديعة ،ويتمظهر الوعي في الإحساس الجمعي بنتائج العيش المتمدن الذي يتشكل من القلق والهدوء،من الألم والفرح،من الضحك والبكاء،من الهزل والجد،من الخير والشر،من القسوة والليونة،من الجسد والروح ،وكذلك يتمظهر في ثقافة الناس المقيمين بالمدينة،هؤلاء الناس الذين يعيشون في تناقض اجتماعي طبقي ، الذين يشكلون الذاكرة الموريسكية عبر علبة العائلات ذات الأصول الأندلسية ،التي تتشبث بثقافتها وعاداتها وفنونها، ويوجد ذلك في القسم الأول من الرواية المعنون ب»الطفل الذي تبع النوارس «،وأولئك الناس الذين يوجد السجن في ذواتهم وواقعهم وعاشوا مرارته وقساوته وأُلْفَته ،الذين يسعون إلى التعبير عن عذابات ومعاناة السجن المغربي سياسيا ونفسيا واجتماعيا وفكريا في نموذج سجن لعلو من خلال القسم الثاني من الرواية المعنون ب»الكورال».وفي نفوس الشخصيات المسجونة الرئيسة منها والعابرة مثل ثريا وخديجة ومالك ولهبيل وطارق والبودالي والخرموزي وآخرين،وكل هؤلاء يشيرون إلى مسألة عميقة متعلقة بالسجناء المغاربة بكل مراتبهم وتياراتهم وأفكارهم وهي المسالة التي تلتقي مع قول الكاتب المناضل ناظم حكمت بلسان أحد شخصيات روايته الحياة جميلة يا صاحبي»عندما قال لقد أدركونا يا منور فنحن الاثنين في السجن أنا داخل الجدران وأنت خارجها ولكن ما هو أسوأ من ذلك أن نحمل هذا السجن في أنفسنا»،وهذا يلتقي مع ما قاله السارد في حديثه عن أبَّا عُمَر»طور أبا عمر نظرية تقول بان الشخص الوحيد الذي يطل حيا في هذا القبر،هو الشخص الذي تسكنه فكرة الهرب،لأن الهرب هو روح السجين»(ص108).
من أبعاد الرواية ليس كل من يعيش في المدينة ،إنه هادئ وغير متعب،بل للمدينة أسئلتها المتعبة التي لا يستطيع المواطن الذي يقطنها أن يجد أجوبة مقنعة للحياة المتمدنة،كل علبة تفضي إلى علبة أخرى،وكل سؤال يؤدي إلى سؤال آخر،كما عند شخصية رحمة في حديثها مع أبا عمر وبلسان السارد» فتسأل وهي ترضعه ،وتسأل وهي تنظفه،وتسأل وهي تداعبه،وتفرح بابتسامتها الأولى ،ثم بضحكته الناشئة.تسأل محتارة ساخرة منكرة أو فقط متظاهرة بأنها لا تعرف،أو تعرف ،ولكن ليس على وجه اليقين،أو متيقنة ولكنها لا تريد أن تقول «(الرواية ص112) ، فعلبة الأسماء علبة الأسئلة الكبرى وعلبة المدينة صورة للماضي المفقود و «للحداثة المعطوبة» بإشكالياتها ولانهائية أسئلتها وأجوبتها.حيث تتقاطع مشاهد الأزقة والساحات والمقاهي والحوانيت والمنازل والوجوه والروائح والأصوات بمدينة الرباط لتشكل فضاء خصوصيا وإيقاعا خاصا هو نفسه جوهر المدينة الرباطية المؤسس على الجمالية والقبح في الوقت نفسه،ويتأتى ذلك من خلال جوهر العلاقة اليومية مع المدينة،,إن شئنا معنى المدينة المغربية في نموذج الرباط ،الذي يشكل الفضاء المديني لا بوصفه فضاء يمكن رسم حدوده الطبوغرافية كما هي في الواقع الفعلي وإنما بوصفه عالما من القيم والأفكار التي تمكن من الحديث عن سرد للمدينة ممتلك لأشكال معينة من الكتابة والتخييل. وليس غريبا أن تكون مدينة الرباط مرآة للحياة المغربية العامة،ففيها تقع الأحداث الحاسمة المؤثرة،وعلى صفحتها تنعكس كذلك-أول ما تنعكس الأحداث الخارجية.وقد مر المغرب خلال سنوات الثمانين من القرن الماضي بأحداث كثيرة ملأت حياة المدينة بالحركة وغيرت من وجهها السياسي والاجتماعي ،فأتيح للروائي بذلك نوع من الارتباط بها،عبر تفاعله مع التغيرات السياسية والسوسيوثقافية التي شهدتها مدينة الرباط ،وهي المدينة العاصمة التي ينشغل بها السياسي والمثقف والمتدين والمؤرخ ،لأنها مدينة المتناقضات والإشكاليات المجتمعية التي يعيش فيها الجمال إلى جانب القبح والعكس صحيح.فعلبة المدينة تبين أن رواية محمد الأشعري نص سردي منفتح على الثنائيات الوجودية والحضارية والإنسانية والنفسية والجمالية والفكرية،ثنائيات تتسم بالضدية أحيانا،وبالانسجامية أحيانا أخرى.فهي رواية الإشكاليات .
أبدع الكاتب علبة الأسماء ليؤكد مسيرة كتابته السردية المتوكئة على الكتابة بالألم والأمل وبالتخييل والواقع وبالصراع بين سلطة السياسة وسلطة المخزن وبتجربة الحياة والموت غير المتشابهة في الواقع والحلم والأفق،وبالمتناقضات الاجتماعية المستنبطة من المجتمع المغربي وبالإشكاليات الفلسفية والإيديولوجية الموجودة عند المثقف والسياسي والفقيه والمواطن العادي.
إن علبة الأسماء رواية مغربية كتبت بمخيلة المبدعين والفنانين باختلاف أذواقهم وثقافتهم وهي التي تشكل المخيلة البشرية الإبداعية الخلاقة،مخيلة المبدع السارد،والرسام شخصية هدى ،والموسيقي الأندلسي بيدرو والغيواني شخصية السجين بصوت الكورال ،والمعماري ريتشارد، ،والروائي محمد الأشعري،وغيرهم،وهي النخب المبدعة من البشر،التي تعيش وتعمل وتحس وتدرك وتفهم وتفكر،وتناضل وتنتقد،وتتخيل في ظل هوية وجودها الفردية والمجتمعية في العالم القريب والبعيد.لكنها،وعبر مخيلتها الإبداعية،تعيد إنتاج علاقاتها مع العالم على نحو مبدع وخلاق،وهو الإنتاج الذي ،يؤدي في نهاية المطاف،إلى ولادة نصوص إبداعية متخيلة لا تتعالى على الواقع إلا من اجل مفارقته شطر إعادة خلقه وإيجاده من خلال أجناس أدبية وأعمال تشكيلية أو مجسمات معمارية.وهذا ما استطاعت الرواية أن تحققه.
لقد استعار الكاتب محمد الأشعري الواقعة التاريخية في تخيل الحكاية الروائية وأعاد تشخيص الوقائع عبر تمثل انعكاساتها على الإنسان والمجتمع.ولعل قصدية الاستعارة في ظرفية أو مرحلة بعينيها ،تعني محاولة فهم الواقع والتفكير في وجوده بأفق متخيل اجتماعي وتاريخي قادر على المحاورة والانتقاد. فالرواية تبني هويتها الأدبية وتحتفظ بها بسبب علاقتها الحميمة بالتاريخ السياسي المعاصر.حيث تحتضن أزمنة وأمكنة متميزة،وترسم أشكالا من الصراع تدور فيهما،ويكون الصراع المرسوم،الذي ميزته الأزمنة والأمكنة ،مرآة لمجتمع مغربي محدد وصورة له.انطلاقا من تجربة سياسية و اجتماعية تنتمي للمجتمع المغربي الذي له تاريخ وهوية وثقافة.فارتباط علبة الأسماء بتحولات المجتمع المغربي الواضح الخصوصية كان سببا مباشرا في إقامة علاقة حميمة بين الرواية والتاريخ،الأمر الذي جعل المعرفة الأدبية التي أنتجتها الكتابة الروائية معرفة موضوعية تلتقي مع المعرفة التاريخية وتتباين عنها في الوقت نفسه،وفي هذا اللقاء بين شكلين من المعرفة تجلت الكتابة الروائية كشكل متميز من البحث التاريخي،يبحث فيه السارد/الكاتب عن هويته وعن هوية المجتمع المغربي الذي ينتمي إليه،حيث يقوم البحث عن الهوية الذاتية أو الجماعية،وعن مسألة الحاضر والماضي،وعن مقارنة الأزمنة المتعددة التي نسجت حاضرا معينا. فمن أبعاد النص الروائي نجد ما يأتي:
-الإشارة إلى أشكال التسلط التي يعيشها الإنسان المغربي :الحلم بالسلطة.
المغرب محكوم بدرجات سلطته.
-التحكم عبر التسلط إسهام في استقرار البلد.
-القدرة على الانخراط في الحياة بالرغم من شراسة المكان.على حد تعبير الروائي محمد الأشعري.
-الرواية خرجت عن المعتاد في الحياة السياسية،حيث كل الروائيين الذين كتبوا عن تجاربهم السياسية أعطوا اهتماما للشخصيات السياسية التي رافقتهم،لكن السارد في رواية علبة الأسماء تحدث عن سجناء الحق العام بصفتهم يحملون الحقائق أكثر من السجناء السياسيين. -من أبعاد الرواية كذلك لابد من التفريق جماليا بين الكتابة السياسية المباشرة،وبين الكتابة الروائية التي تمتاح عوالمها من السياسة،فأنت تكتب عن الاعتقال ،لا يعني اعتقال جمالية السردي القائم على مكونات فنية لا يوجد إلا بها.رواية محمد الأشعري استطاعت التفريق ولم تتأثر بالظاهرة الأدبية الجديدة في السرد المغربي ،المتمحورة على بنية هيمنة السيرة السجنية السياسية المباشرة،بل قام الكاتب بتوظيف التجربة السياسية السجنية توظيفا انتقائيا وجمعيا ،وبارز ذلك من توازن الأدوار داخل علبة الأسماء بين الشخصيات المسجونة المتراوحة بين السجين السياسي وسجين الحق العام.
-ترمز الرواية إلى صوت الهوية المغربية المتميز بالتعدد في إطار الوحدة،فشخصيات الرواية ولغاتها وأفكارها وأجناسها وأعراقها من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه تحمل هذه الخصوصية وتؤكدها ، فهناك المغربي العربي والمغربي الأمازيغي والمغربي اليهودي والمغربي الأندلسي والمغربي الموريسكي،كلهم يلتقون في واقعهم ويختلفون في انتمائهم القبلي أو العرقي .شيمرات والفقيه أمزميز وثريا ومالك وعماد وبديعة ولهبيل ،كلهم بشكلون الصوت الهوياتي المغربي المتميز،بالرغم من اختلاف جنسهم وعرقهم وثقافتهم ولغتهم.
- تتأسس اللغة السردية في علبة الأسماء على المفهوم الباختيني للرواية القائل إنها ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت،حيث يعثر المحلل على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد أحيانا،على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة.
- تناقش الرواية الأحداث السياسية التي عانى منها المواطن المغربي بكل أطيافه سنوات السبعين والثمانين المسماة بسنوات الجمر والرصاص،والجمر في الرواية هو الاعتقال والظلم والتعذيب والقهر،بينما الرصاص يتجلى في أفعال المخزن والسلطة والأوامر التي تؤدي إلى الاستشهاد والقتل والموت السريع والبطيء.
ومن المواضيع الجديدة التي تتحدث عنها الرواية تستحق البحث والدراسة مستقبلا بجرأة تخترق السائد والمألوف هناك موضوع الجسد الحاضر بقوة في الرواية،من خلال إرادة الجسد في أن يكون ويتصير ويتمظهر ويتموضع في فضاء العالم لكي يصل نشيده ونداؤه إلى الوجود،أو إيصال صوته إلى الآخرين,حيث يخطو الجسد بكينونته نحو الآخر لكي يحقق وجوده،وتراه يكرس التواصل قصد استجابة الآخر له بالتمنع أو الرضا،وبإزاحة الغموض عن موجودية الأشياء والكائنات أو حتى بإثارة سؤال»الآخر/المتلقي»عن الجسد،أو إثارة الأخير لأسئلته.فلا وجود للجسد إلا ب»الآخر»الذي من دونه سيبقى الجسد كينونة افتراضية تعيش كمونها في خبايا ودياجير عالم دامس الظلام،عالم غير مرئي،سواء كان هذا»الآخر»شيئا تكوينيا يدخل في بناء الجسد أم بؤرة تلق يأمل بأسرها خطاب الجسد،والممتمثل أساسا في جسد ثريا وباقي أدواره بين شخصيات الرواية الأحرار منهم والسجناء.
وفي الختام،يقال إن النص الناجح هو النص الذي ينتج لنا قراء عديدين بإشكالياته وبأطروحاته وبجمالياته وبآفاقه،وهذا ما حققته رواية علبة الأسماء للكاتب العربي المتمكن العميق الأستاذ محمد الأشعري،فهنيئا لك أيها المبدع المثقف بهذه التجربة الروائية التي تجعلنا دوما ننتظر كتابتك الممتعة والمفيدة.
-ألقيت هذه الشهادة النقدية بمناسبة حفل توقيع رواية «علبة الأسماء»للكاتب والمبدع محمد الأشعري، المنظم من لدن مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ،بتعاون مع فرع وجدة لاتحاد كتاب المغرب ،يوم السبت7فبراير2015 بوجدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.