جدل الساعة القانونية يعود للواجهة... حملة مدنية تعلن عريضة شعبية وتلوّح ب"التصويت المشروط"    ماذا ‬لو ‬أجاز ‬الكونجرس ‬الأمريكي ‬قانون ‬تصنيف ‬البوليساريو ‬منظمة ‬إرهابية ‬لعام ‬2026 ‬؟    ثورة صامتة في التواصل بالمغرب : تراجع المكالمات الهاتفية لصالح التطبيقات الرقمية    نقابة نقل البضائع تطالب بصرف دعم مالي جديد لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات    المغرب يطلق برنامجاً جديداً للمناطق الصناعية الإيكولوجية لتعزيز الصناعة المستدامة    الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط يرفعان أسعار تذاكر الطيران في العالم    إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني وقائد قوات "الباسيج" في غارة جوية    إسرائيل تعلن قتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وقائد قوات الباسيج    إيران ترفض وساطات لوقف التصعيد        المنتخب النسوي الايراني.. من الرياضة إلى السياسة واللجوء باستراليا    أربيلوا: الطموح مفتاح ريال مدريد للانتصار على مانشستر سيتي    طنجة تستضيف بطولة كأس العالم الأولمبية للرماية        عودة الأمطار والثلوج إلى المغرب مع طقس غير مستقر خلال الأسبوع    "مكافحة توحل السدود" محور اتفاقية شراكة بين وزارة التجهيز والماء ووكالة المياه والغابات    أمن بني ملال يوقف عصابة متورطة في محاولة قتل شرطي        ارتفاع مفاجئ في أسعار المحروقات يثير جدلاً سياسياً ونقابياً.. ومطالب بحماية القدرة الشرائية    مجلس المنافسة يحذر من بطء الترخيص للأدوية ويدعو لتسريع وصولها إلى المرضى        مقتل شخص بسقوط شظايا في أبوظبي        إسرائيل تعلن مقتل المسؤول الإيراني البارز علي لاريجاني    نيمار خارج حسابات البرازيل في وديتي فرنسا وكرواتيا    أحكام ابتدائية بالسمارة تقضي بسنة سجناً نافذاً في حق كاتب فرع فدرالية اليسار وشهرين لثمانية آخرين على خلفية وقفة احتجاجية        كيوسك الثلاثاء | إطلاق برنامج إدماج لدعم 30 ألف من الشباب غير الحاصلين على شهادات    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    هجمات إيرانية جديدة على الإمارات والعراق وإسرائيل تقصف طهران وبيروت        لكريني: الدول العربية مطالبة باستثمار الإمكانيات في التكتل أمام التحديات    نزار بركة يقود لقاء تواصليا بشفشاون لتعزيز التعبئة الحزبية استعدادا للاستحقاقات البرلمانية المقبلة    التنسيق النقابي بالحسيمة يقرر التصعيد احتجاجاً على اختلالات التدبير وتدهور العرض الصحي    تعليق جميع الرحلات الجوية بمطار برلين يوم الأربعاء بسبب إضراب    إرسموكن: جمعية بورجيلات للتنمية والتعاون تحتفي بليلة القدر المباركة بفقرات دينية متنوعة    أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر    نيران صديقة بأغلبية جماعة تطوان تخلق ترشيحات وهمية لإسقاط "تحالف البكوري"    تقديم "حدائق درب مولاي الشريف"    المنتخبون واحتقار المسرح    حصري: الثقافة المغربية تحل ضيف شرف على معرض الكتاب في المكسيك    فيلم "معركة تلو الأخرى" لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوسكار لعام 2026    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    اليمين المتطرف يتقدم في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية وسط مفاجآت حزب "فرنسا الأبية"    إيران تؤكد الاستعداد للمضي في الحرب    تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وأخيرا، «بنكيران» يدخل عالم المصطلحات السياسية !!
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 22 - 09 - 2016

ب«ابتكاره» مصطلح «التحكم»، نجح «بنكيران» في شغل جزء من الطبقة السياسية إلى جانب جزء مهم من الجسم الصحفي الذي وجد فيه مادة مغرية ومثيرة للفضول الشخصي والسياسي.
لقد أطلق المصطلح المذكور الكثير من الألسنة (لم يعد ممكنا، على الأقل فيما يخصني، استعمال فعل أسال، بفعل التطور التكنولوجي الذي ألغى المداد والقلم من ممارسة الكتابة)، منها المؤيدة ومنها المنتقدة. ويمكن اعتبار هذا المصطلح بديلا عن تلك التعابير «البلاغية» التي تمتح من عالم الحيوانات وعالم الجن. فبعد التماسيح والعفاريت وغيرهما من مخلوقات الله غير المنتسبة لآدم، تمكن «بنكيران»، في آخر ولايته الحكومية، من نحت مصطلح التحكم الذي يمكن اعتباره مصطلحا سياسيا، يستحق أن يجد مكانه في القاموس السياسي المغربي.
وقد تطلب الأمر أكثر من أربع سنوات. ولا غرابة في ذلك؛ فالفقر في المصطلحات السياسية يوازيه، على أرض الواقع، الفقر المدقع في المنجزات الحكومية؛ ذلك أن حصيلة حكومة بنكيران هي حصيلة كارثية بامتياز. ولمن يشك في ذلك، عليه بتقارير المؤسسات الرسمية الوطنية والمؤسسات الدولية ذات المصداقية.
وقد وجد «بنكيران» في مصطلح التحكم ما يخدم، من جهة، التوجه الذي سار عليه منذ أن وطأت قدماه مقر رئاسة الحكومة- وهو توجه قائم على التشكي والمظلومية واصطناع التآمر والنقاش الهامشي...؛ ومن جهة أخرى، يخدم الرغبة في إخفاء النزعة الاستبدادية والتسلطية المستحكمة فيه وفي حزبه؛ وذلك برمي التهمة على جهة أخرى بهدف إبعادها عنه.
شخصيا، لا أريد نفي تهمة التحكم عن الجهة التي يقصدها «بنكيران»، إلى أن يثبت العكس. لكني لا أريد، أيضا، أن أكون ساذجا أو مغفلا (ولا أريد ذلك لمن ينتمون للتيار الحداثي والتيار الليبرالي وكل المؤمنين بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وضرورة صيانة المكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية وغيرها) فأصدق بأنه يواجه التحكم ويحاربه من أجل حماية الاختيار الديمقراطي وتعزيزه. ف»بنكيران» لا يريد غير الاستبداد، سواء كان بواسطة الصناديق أو بواسطة الشارع. وما محاولاته ابتزاز الدولة وتهديدها بإحداث الفتنة في البلاد إلا دليلا على نزعته الاستبدادية؛ تلك النزعة التي تتغذى من الفكر الإخواني (فكر جماعة الإخوان المسلمين).
وأخطر ما في الأمر، هو تستر هذا التوجه في جلباب التدين وقناع الورع والتقوى (وقد بدأت الأقنعة تسقط تباعا عن المسؤولين الحكوميين والحزبيين والمنتخبين والدعاة والوعاظ وغيرهم، بسبب الحشيش والجنس والخمر واستغلال النفوذ وتبذير المال العام والزبونية والمحسوبية، الخ) لكون أصحابه يعلمون جيدا مدى تشبث الشعب المغربي بالدين الإسلامي الحنيف. لذلك، تراهم لا يتوانون عن توظيف الدين والتدين وما يرتبط بهما من عمل، ظاهره إحساني وباطنه حزبي يستغل الحاجة والفقر والبؤس... لأهداف انتخابية.
لذلك، أرى، شخصيا، أن التحكم الذي يسعى إليه «بنكيران» هو أخطر من تحكم حزب الأصلة والمعاصرة. غير أنه من السهل فهم (وتفهم؟) موقف العدالة والتنمية، خاصة وأن «البام» قد جعل من بين أهدافه مواجهة الاتجاه المحافظ الذي يمثله حزب بنكيران في المشهد السياسي وفي مؤسسات الدولة والمجتمع.
وبما أنهما وجهان لعملة واحدة، فإن صراعهما يشبه إلى حد كبير صراع الضرات. ومعروف أن «الضرة مرة ولو كانت دُرَّة». وقد يكون المتتبع قد لاحظ عنف خطابها تجاه بعضهما البعض ولاحظ تبادل التهم الثقيلة بينهما. ولا شك أنه لم يفته، أيضا، أن لاحظ إصرارهما على الفوز بأي ثمن. وهذا ما يفسر، من جهة، تهافت العدالة والتنمية على بعض السلفيين المتشددين وتزكيتهم وكلاء لوائح الحزب في الانتخابات المقبلة، ناهيك عن التهديد والوعيد في حالة عدم الفوز بالمرتبة الأولى؛ ومن جهة أخرى، بحث الأصالة والمعاصرة عن مرشحين قادرين على الفوز بالمقاعد بغض النظر عن الجوانب الأخرى.
لكن ما يبعث على السخرية ويشي ببؤس الخطاب والواقع السياسيين بالمغرب، هو أن تجد أمناء عامين لأحزاب سياسية يتبنون مصطلح التحكم ويرددونه بشكل ببغاوي ينم عن كسل فكري وعن اختيار انتهازي واضح. ويقدم لنا الحاج «نبيل بن عبد الله»، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، و»البروفيسور» (ياحسراه !) «نجيب الوزاني»، الأمين العام لحزب العهد الديمقراطي، نموذجين للعبث الذي يطبع المشهد السياسي المغربي.
فالسيد «الوزاني» لم يتبنَّ المصطلح فقط، بل قبل الترشح باسم العدالة والتنمية من أجل محاربة التحكم حسب زعمه، وفي الحسيمة فقط. وقد ترشح في عقر دار العدو اللدود ل»بنكيران»، إلياس العمري، رغم أن هذا الأخير ليس له حق الترشح بسبب حالة التنافي.
وقد اعتبر «الوزاني» تزكيته على دائرة الحسيمة من قبل حزب بنكيران «تشريفا» له؛ مما يعني أن الوزاني، كأمين عام لحزب، قبل أن يكون مجرد «كومبارس» وأداة في صراع سياسي بين خصمين، هما وجهان لعملة واحدة.
شخصيا، لا يهني «الوزاني» كثيرا لكونه، سياسيا، ليس أكثر من صنيعة الترحال السياسي. وهو، هنا، يمارسه بصيغة أخرى لا بد لها من مسوغ قانوني كون دستور فاتح يوليوز 2011 وقانون الأحزاب قد وضعا حدا للترحال السياسي الذي كان يشوه الحياة السياسية والحزبية ببلادنا. ثم إن حزب العهد الديمقراطي لا يزيد عن كونه رقما من بين العديد من الأرقام التي لا قيمة لها في المشهد السياسي، إلا ما كان من تضخيم عدد الأحزاب وإفساد مفهوم التعددية.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للسيد «بن عبد الله» الذي يمثل حزبا تاريخيا، قام على اختيار إيديولوجي واضح يضعه في الصف الحداثي وفي منظومة اليسار. لكنه، الآن، يعتبر الحليف الأساسي لحزب العدالة والتنمية المحافظ والمتبني لليبرالية المتوحشة التي تطحن الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود؛ الشيء الذي يتناقض والاختيار الإيديولوجي والفكري والاقتصادي والاجتماعي الذي قام عليه الحزب الشيوعي المغربي (التقدم والاشتراكية حاليا).
ويبدو، من خلال استقراء الواقع، أن الانتهازية قد أصبحت أقوى من التاريخ ومن الحداثة ومن الوفاق الإيديولوجي... فرغم أن الحصيلة كارثية، إلا أن الدفاع عن الباطل يظل هو القاعدة، ليس فقط عند العدالة والتنمية؛ بل وأيضا عند أصحاب شعار «المعقول». ومن فرط تحمس «بن عبد الله» لمصطلح التحكم، بمنطق «بنكيران»، طبعا (أي لتبرير الفشل والتغطية على الحصيلة الهزيلة، بل الكارثية)، فقد تسبب في خروج الديوان الملكي عن صمته وإصدار بيان ناري حول تصريحاته الأخيرة لبعض المنابر الإعلامية، يتهم فيها مباشرة المستشار الملكي، السيد «فؤاد عالي الهمة»، بالتحكم (فهل هو أكل الثوم بفم الحليف؟ ممكن جدا، ولا غرابة في ذلك؛ فتجار الدين يتقنون هذا الأمر).
فقد كان المنطق يقتضي دفع الحليف إلى البحث عن آليات قانونية وإجرائية تعزز البناء الديمقراطي وتحد من فعالية آليات الغش التي يستخدمها التحكم، بغض النظر عن الجهة المقصودة بهذا المصطلح. غير أن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية قد انخرط في جوقة الدفاع عن صنف آخر من التحكم؛ وهو ذاك الذي سيضمن له ولحزبه الاحتفاظ بموقعه في الحكومة المقبلة.
وبما أن حزب العدالة والتنمية لا يمكن له أن ينفي عنه تهمة التحكم والاستبداد- وإلا لكان، بدل تهديد الدولة والمجتمع، عمل، من موقعه، على إيجاد ما يكفي من الآليات لتعزيز البناء الديمقراطي وإرسائه على قاعدة الشفافية والنزاهة- فإن كل الكلام عن التحكم وغيره ما هو إلا للاستهلاك وذر الرماد في العيون للتغطية على النزعة التحكمية للوجه الآخر من العملة.
خلاصة القول، فإذا كان «بنكيران» قد دخل عالم المصطلحات السياسية بفضل المصطلح اليتيم (حسب علمي المتواضع وتتبعي النسبي للخطاب السياسي ببلادنا) موضوع هذا المقال- ما عدا إن أردنا أن ندخل، في القاموس السياسي، ألفاظه السوقية من قبيل «ديالي كبير عليك» أو تلك التي ظهرها إطراء وباطنها تنقيص وتبخيس لدور المرأة في المجالات الحيوية من قبيل «الترية» (الثريا) في الدار- فإنه لن يستطيع أن يستغفل وينسيهم في الوجه الآخر للعملة إلا السذج وأصحاب المصالح الضيقة والمنخدعين (لضعف ثقافتهم الدينية وسطحيتها) بالخطاب الديني المدغدغ للعواطف. وتلك سلعة يبرع تجار الدين في ترويجها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.