بقلم : ذ ياسين الحُسني (أستاذ التعليم الإعدادي). تشهد الساحة التعليمية بمدينة طنجة خلال شهر أبريل الجاري طفرة مقلقة في منسوب العنف المدرسي، بلغت حد الاعتداءات الجسدية واللفظية السافرة على الأطر التربوية. هذه الظاهرة التي لم تعد تقتصر على "شغب المراهقة" المعتاد، أصبحت تطرح تساؤلات حارقة حول الأسباب الكامنة وراء هذا "الاستنفار" العدواني لدى التلاميذ في هذا الوقت بالذات، وعن السبل الكفيلة بحماية كرامة المدرس وحرمة المؤسسة. أولا: تشخيص الأسباب.. لماذا أبريل؟ لا يمكن عزل ما يحدث في المؤسسات التعليمية بطنجة عن تداخل عوامل معقدة تجعل من شهر أبريل "فتيلا" قابلا للاشتعال. 1- العامل البيولوجي والمناخي: تشير الدراسات السيكو-تربوية إلى أن التغيرات الفصلية في الربيع تؤدي إلى زيادة النشاط الهرموني لدى المراهقين، مما يرفع من مستوى الطاقة الحركية والميل نحو التمرد وتفريغ الشحنات الزائدة بشكل عدواني. 2- التعب التراكمي ونهاية النفس الدراسي: يصل التلاميذ في هذه الفترة إلى مرحلة "الإرهاق الذهني" بعد شهور من التحصيل، ومع اقتراب نهاية السنة، يضعف الوازع الانضباطي لدى الفئات التي تعاني من تعثر دراسي، فيتحول الإحباط إلى عنف تجاه "السلطة التربوية". 3- تآكل هيبة المؤسسة: ساهم غياب الدعم الإداري الكافي في بعض المؤسسات، والاكتظاظ داخل الفصول، في جعل المدرس وحيدا في مواجهة "جيوش" من التلاميذ في الممرات والساحات، مما يشجع البعض على التجرؤ عليه. 4- محاولة بعض التلاميذ فرض سلطة موازية داخل القسم وفي الساحة، في مواجهة سلطة الأستاذ والإدارة، وكأننا أمام صراع غير معلن على من يحدد قواعد الفضاء المدرسي. وحين تتقابل سلطة الضبط التربوي مع هذه النزعة إلى الانفلات، ينشأ توتر قد يتحول في بعض الحالات إلى عنف، في مشهد يكشف عن خلل عميق في توازن العلاقة بين الحرية والانضباط داخل المدرسة. ثانيا: النتائج.. كلفة باهظة تربويا ونفسيا. إن استمرار هذا الوضع لا يمر دون عواقب وخيمة، منها: 1- تدهور السلامة النفسية للمدرسين: يعيش الأستاذ حالة من "الاحتراق النفسي" (Burnout) والتوتر الدائم، مما يؤثر على جودة أدائه داخل القسم. 2- تسميم مناخ التعلم: الشغب في الممرات والساحات يشتت تركيز التلاميذ الراغبين في الدراسة ويحول المؤسسة من فضاء للتربية إلى "حلبة" للتصادم. 3- التطبيع مع العنف: أخطر النتائج هي أن يصبح الاعتداء على الأستاذ والإداري "حدثا عاديا" أو وسيلة لنيل "البطولة الوهمية" وسط الأقران، مما يهدد بانهيار المنظومة القيمية برمتها. ثالثا: مقترحات للمعالجة.. نحو حلول جذرية. لإيقاف هذا المد، لا يكفي الاكتفاء ببيانات الاستنكار، بل يجب تفعيل مقاربة مندمجة: 1- تفعيل الصرامة القانونية: لا بد من تطبيق مقتضيات النظام الداخلي للمؤسسات والمذكرات الوزارية المنظمة للانضباط المدرسي دون "محاباة" أو تهاون، ليعلم الجميع أن حرمة الأستاذ خط أحمر. 2- تعزيز الأمن المدرسي: ضرورة تكثيف الدوريات الأمنية في محيط المؤسسات التعليمية بطنجة، خاصة في أوقات الذروة، للحد من ظواهر النف والسب من وراء الأسوار والتجمهرات المشبوهة. 3- إحياء الوساطة التربوية: تفعيل دور الأندية التربوية والمصاحبة النفسية لتفريغ طاقات التلاميذ في أنشطة موازية (رياضية، فنية...) بدلا من توجيهها نحو العنف، وهذا ما يتطلب تخصيص فضاءات داخل المؤسسات (قاعات الأنشطة، مكتبات، قاعات متعددة الوسائط، ملاعب...) 4- المسؤولية المشتركة للأسرة: لا يمكن للمدرسة أن تنجح وحدها؛ على الأسر المغربية أن تعيد الاعتبار لصورة المعلم في ذهنية أبنائها، وتراقب سلوكياتهم خارج أسوار المنزل. إن ما يحدث اليوم في بعض مؤسساتنا بطنجة هو جرس إنذار للجميع. إن حماية الأستاذ ليست دفاعاً عن فئة مهنية فحسب، بل هي دفاع عن آخر معاقل التربية في المجتمع. فهل ننتظر كارثة أكبر لنتحرك؟