ينعقد معرض بيروت للكتاب كل شهر يناير من كل سنة. و المعرض الكتاب هو عيد القراء قبل أن يكون عيد الكتّاب. القارئ هو من يبني رمزية و واقعية هذا الحدث الذي تترسّخ علاقاته بنواح عديدة من حياتنا. و أعود للمرة الثانية للحديث عن معرض الدارالبيضاء الذي يعرف باسم «المعرض الدولي للنشر والكتاب». لكنني سأتحدث عن معرض بيروت للكتاب ومنه أعود إلى معرض الدارالبيضاء. ولي ذكريات عن معرض بيروت. فانا لم أزره ولو مرة واحدة، لكنني استدعيت من طرف بعض الصحف البيروتية للحديث عن المعرض، وغالبا ما كانت الأسئلة مفتوحة، لكن محورها المحرك هو معرض بيروت للكتاب و أثره في خيال الكاتب المغربي. فأنت حتى إن لم تزر المعرض فقد قرأت عنه في الصحافة، أو تعرف صديقا شارك فيه، أو دور نشر مغربية تدعى إليه. إذن المعرض موجود في خيالك، في جسدك، و سيبقى في ذاكرتك على شكل انطباعات. أذكر أن صديقي الشاعر و المسؤول عن القسم الثقافي في جريدة «الأخبار» البيرويتة بيار أبي صعب قد طلب مني السنة الماضية أن اكتب عن معرض بيروت، قلت له كيف أكتب عنه و أنا لم أزره، فأقنعني بأنه يمكن أن أكتب عنه ما يشبه الآثار و التوقعات و التخيلات، وهذا فعلا شيء ممكن، خصوصا في المجال الثاقفي. ونفس الشيء كان قد حدثني بخصوصه قبل سنوات»إسكندر حبش»، الشاعر و الصحفي في جريدة «السفير» البيروتية. و قد تكرر الطلب من الشاعر عبده وازن في جريدة «الحياة». وطلب اللبنانيين ان تكتب عن معرضهم، أو عن مدينتهم التي تلعب في خيالنا جميعا، و لها صورة المدينة القديسة، الطروادية التي تهدم وتبنى، فتبدو في صورة أحلى من الأول. إذن لا يمكن إلا أن تكتب انطباعات من بعيد، أنت المغربي التي تحكمك علاقة معينة بالمشرق العربي، أو بالمشرق الشامي. وكنت فعلا أقرأ انطباعاتي منشورة جني انطباعات أخرى، جلها تقدير لما يقوم به المعرض اللبناني من أدوار هي في النهاية تهم القارئ و الكاتب و الناشر و الثقافة الوطنية. و أؤكد أن الأصدقاء اللبنانيين يطلبون منا الكتابة قبل أسبوع من انطلاق المعرض. فيكون لذلك فعل اقتصادي هام، هو بمثابة الإعلان الجيد عن التظاهرة قبل انطلاقها، و الإعلان الجيد يكون له طبعا نتائج جيدة، من حيث إقبال الناس و القراء الذين يقرؤون شيئا طيّبا عن هذا الموعد السنوي. وبعد ذلك تأتي التغطيات و المتابعات و الحوارات التي يقوم بها على نفس الوتيرة الصحف المكتوبة والتلفزيون والراديو. لنقارن هذا الوضع بما هو قائم في المغرب. فباستثناء بعض الصحف، التلفزيون غائب، اللهم تلك الدقائق القليلة وتلك التعليقات البائسة. أما القناة الثانية فتغطي أنشطة المعرض، و باقي الأنشطة الثقافية، كما لو أنها مرغمة على تغطيتها. ويبدو ذلك واضحا من الصحفيين المبتدئين الذين يكلفون بالمتابعة، فهم لا يعرفون الكتّاب ولا المحاور ولا دور النشر. و الصحافة المكتوبة دخلت نفق الشتائم و التشهير. و هنا أذكر أن أحد الصحفيين كان يقوم بإشهار مواد عدد الغد من الجريدة قائلا:» قراو عدد غدّا من الجريدة راحنا داخلين في المعرض و في جائزة المغرب للكتاب». هذا هدم وليس بناء، عوض تأسيس لثقافة تواجه أخطار المستقبل. فما تكتبه الصحافة طيلة مدة المعرض ينفر القارئ، ويبعد الآباء الذين يريدون اصطحاب أبنائهم، و الأدهى من ذلك يبخس جهدا كبيرا يبذل. إن الجهل هو سبب رواج تلك الأفكار الحمقاء و الخبيثة لنقارن إذن بين الصحفيين في بيروت وبين الصحفيين في الدارالبيضاء أو الرباط. هذا هو الدرس الكبير.