تعيش أوربا هذه الآونة ظروفا صعبة وتواجه دولها تحديات كبيرة لم تعرفها القارة العجوز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحولت القارة الأوربية التي كانت تعيش الرفاه والرغد فجأة إلى منطقة مهددة على كل المستويات الديمغرافية والاقتصادية والسياسية والأمنية.. وهذا الوضع المقلق يرخي بظلاله على حاضر القارة ومستقبلها ويقوض فرص حفاظها على مكانتها الدولية. لقد أدى تصدع العلاقات الأمريكية الأوربية التي كانت متميزة إلى الأمس القريب إلى إنتاج واقع جديد لم يألفه الأوربيون، أربكهم من جهة، وخلق أمامهم واقعا يصعب التعامل معه في ظل وجود علاقات متوترة مع أمريكا/ترمب وحلف عسكري مرتبك. هذا التصدع الجيوسياسي بدأت تداعياته تطال كل مناحي الحياة بأوربا، ويمكن اعتبار الموقف الجديد للولايات المتحدة من الحرب الروسية الأوكرانية وما يقع بجزيرة جرينلاند أوضح تجلٍّ لهذا التصدع. لقد وجدت دول أوربا الأعضاء في حلف الناتو نفسها ضعيفة بسبب اتكالها على الولاياتالمتحدة لعقود طويلة، وكان ما تخصصه للدفاع من ميزانياتها ضعيفا مقارنة مع ما تخصصه الدول الكبرى كالولاياتالمتحدةالأمريكية والصين وروسيا والهند، وظل الإنفاق الدفاعي محور نزاع بين ترامب ودول أوروبا سواء في ولايته الأولى أو الثانية.. ويعيش الناتو أحلك أيامه بسبب عدم رغبة أمريكا في استمراره أو على الأقل استمراره بدونها في ظل المخاوف المتنامية من تمدد الصراع في أوكرانيا إلى مناطق أخرى بالقارة. إن التحول العميق الذي خلفته الانتخابات الأمريكية بصعود ترمب قلب كل الحسابات وأعاد أوربا في صراعها مع روسيا إلى المربع الأول، وهو ما جعل الارتباك سيد الموقف في علاقات دول أوربا ببعضها أو مع الولاياتالمتحدةالأمريكيةوروسيا؛فألمانيا التي تمثل أيقونة أوربا ومحركها الاقتصادي تعيش أزمة خانقة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية في ظل ارتفاع نسبة البطالة وارتفاع تكلفة المعيشة وارتفاع نسبة العجز في الموازنة العامة والارتفاع الصاروخي لتكلفة الطاقة وانكماش القطاع الصناعي وتراجع الصادرات بالإضافة إلى إفلاس أكثر من 24 ألف شركة ألمانية.. ومن هذا المنطلق بدأت ألمانيا تتلمس طريق الخلاص من هذه الأزمة التي تتجه بالدولة نحو الانهيار، فبدأ سياسيوها في الحديث عن تصحيح الوضع مع روسيا وهناك من ينحو في اتجاه الاحتماء بأمريكا.. وكل دول أوربا تعيش أوضاعا شبيهة بما تعيشه ألمانيا، لكن فرنسا تعيش أزمة من نوع خاص تهدد بتعطيل الدولة الفرنسية لأن تفاعلات هذه الأزمة طالت كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهناك من يطلق على هذه الأزمة بالقنبلة الموقوتة. فإذا كانت فرنساوألمانيا اللتان توصفان بمحرك التكتل في الأدبيات الأوربية تعيشان أزمة خانقة، فمن الطبيعي جدا أن تعبر الأزمة إلى كل أطراف القارة وإن بدرجات متفاوتة مهددة الاتحاد الأوربي، وهذا ما سيؤدي بالضرورة إلى فقدان الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية التي ميزت أوربا لعقود طويلة؛ وهو ما سيكون له انعكاس مباشر على الحياة السياسية بأوربا حيث سيجد خطاب اليمين المتطرف الآذان الصاغية وستشهد بنية القارة العجوز تصدعا عموديا وأفقيا في كل بنيات الدولة والمجتمع. ينضاف الواقع المرير لأوربا إلى التحديات التي ستتفاقم خاصة ما يتعلق بالأمن الأوربي والعلاقات الدولية المتوترة مع روسياوالولاياتالمتحدةالأمريكية معا، بالإضافة إلى المشاكل البنيوية التي يعرفها الاقتصاد الأوربي المنهك. ولم يعد لدول أوربا من فرص للنجاة من هذه الأزمة إلا تعزيز التعاون فيما ببنها وزيادة الإنفاق العسكري وتنويع مصادر الطاقة، بالإضافة إلى إعادة النظر في علاقاتها مع القوى الكبرى في العالم للحفاظ على مصالحها. لكن وبالنظر لفداحة الأزمة التي تعيشها دول أوربا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وأمام التحولات العالمية الراهنة، وبناء على تخلي الولاياتالمتحدةالأمريكية عنها، ونظرا لما يتهددها من انقسام داخلي متعدد الأوجه، ونظرا لاتكالها على و.م.أ فيما يخص الدفاع العسكري وما تتطلبه إعادة بناء قوة أوربية … كل هذا في نظري يؤشر على أن أوربا لن تعود كما كانت ولم يعد باستطاعتها الحفاظ على دورها كقوة توازن واستقرار في النظام الدولي.