تطوان ليست مدينة عادية في الخريطة الوطنية، بل تحظى بمكانة رمزية خاصة بصفتها العاصمة الصيفية للمملكة، وسبق أن احتضنت احتفالات عيد العرش، بما تحمله هذه المحطات من دلالات واضحة على الاهتمام الملكي بالمدينةوبإقليمها. هذه الرمزية ليست بروتوكولًا شكليًا، بل توجيهًا سياسيًا يفترض أن ينعكس في اختيارات تنموية ملموسة. وفي الوقت نفسه، تحتل تطوان موقعًا استراتيجيًا داخل جهة طنجةتطوانالحسيمة، وهي جهة دينامية يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، بينما يضم إقليمتطوان أزيد من 610 آلاف نسمة بطابع حضري قوي. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في استمرار تعثر مشاريع مهيكلة أُعلن عنها منذ سنوات، وفي مقدمتها مشروع رياضي كبير أُطلق بتدشين ملكي سنة 2015، دون أن يتحول إلى إنجاز فعلي، ما يحوّل التأخر من إشكال مالي-تقني إلى سؤال مسؤولية سياسية. تطوان داخل الجهة... ثقل حضري يقابله ضعف في الإنجاز تشكل تطوان كتلة حضرية ذات وزن ديمغرافي واجتماعي واضح، حيث يعيش أكثر من 70% من ساكنة الإقليم في الوسط الحضري، مع ضغط متزايد على النقل والخدمات والبنيات الرياضية والثقافية. هذا المعطى كان يفترض أن يضع المدينة في صلب أولويات الاستثمار الجهوي. غير أن الواقع يُظهر تناقضًا مقلقًا: جهة تُصادق على مشاريع بمليارات الدراهم وتحقق مؤشرات نمو إيجابية، بينما لا تستفيد مدينة مركزية مثل تطوان من المشاريع المؤسسة القادرة على تغيير موقعها في الخريطة الاقتصادية والرياضية. وهكذا تتحول الجهوية من أداة للإنصاف إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق داخل الجهة نفسها. تعثر المشاريع المهيكلة... الرياضة والنقل كوعود مؤجلة يظل تعثر المشروع الرياضي الكبير لكرة القدم أبرز مثال على هذا الخلل. فبعد الإعلان سنة 2015 عن ملعب بطاقة تفوق 40 ألف متفرج، لم يتجاوز التقدم حدود الوعود، دون اعتماد حتى حل مرحلي واقعي كملعب متوسط بسعة 25 ألف متفرج. وتزداد المفارقة حدة ونحن نعيش تنظيم كأس إفريقيا للأمم ببلادنا، حيث سارعت مدن أخرى إلى تسريع أوراش التأهيل والاستثمار في بنياتها الرياضية والطرقية، بينما بقيت تطوان خارج هذا النفس الوطني، رغم رمزيتها ومؤهلاتها، وكأنها غير معنية بزمن الاستحقاقات الكبرى التي يفترض أن تكون لحظة إدماج لا إقصاء وتسريع لا تأجيل. ولا يختلف الوضع في ما يتعلق بالبنيات الطرقية والسككية، إذ ظل مشروع الطريق السيار طنجة–تطوان والربط السككي بين المدينتين حبيس الدراسات والتأجيل، رغم قصر المسافة والضغط اليومي على التنقل. القانون المالي 2026... ما لا يُموَّل لا يُنجز يكشف القانون المالي لسنة 2026 بوضوح طبيعة هذا التعثر، إذ لم يُخصص أي اعتماد لإنجاز الطريق السيار أو الخط السككي بين طنجةوتطوان، كما لم تُبرمج أي ميزانية لبناء المركب الرياضي. هذا الغياب لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس قرارًا سياسيًا بإخراج هذه المشاريع من أولويات 2026، ما يعني عمليًا ترحيل النقاش حولها إلى ميزانية 2027. وفي التدبير العمومي، ما لا يُموَّل لا يُنجز. سؤال الحكامة... فعالية أجهزة الدولة يقابله تعثر المؤسسات المنتخبة تبرز هنا مفارقة الحكامة: دينامية واضحة تقودها السلطات الإقليمية والجهوية في تنزيل التوجيهات الملكية المتعلقة بتقليص التفاوتات المجالية، مقابل عجز المجالس المنتخبة، المنتمية للأغلبية الحكومية، عن تحويل التفويض الانتخابي إلى إنجازات كبرى. ويتعمق هذا الخلل مع ملف البطالة، التي بلغت وطنيًا 13,3% سنة 2024، مع نسب أعلى في صفوف الشباب، ما يُغذي الهجرة القسرية والاحتقان الاجتماعي. في المقابل، تتوفر تطوان على إمكانيات عملية عبر تأهيل المناطق الصناعية، وتطوير مناطق الأنشطة الاقتصادية داخل الجماعات المكوِّنة لتطوان الكبرى، وربطها بالمنظومة الاقتصادية لقطب طنجة. الخلاصة تطوان اليوم أمام مفترق طرق: إما استمرار التأجيل، أو حسم سياسي يعيد لها موقعها الطبيعي داخل الجهة. ومع غياب التمويل في قانون مالية 2026، يتأكد ترحيل الرهان إلى ميزانية 2027. وإذا لم يتم تدارك هذا الوضع، فإن تطوان مهددة بالبقاء خارج دينامية التنمية الوطنية، ونحن على أبواب كأس العالم 2030. فالعرس الكروي العالمي ليس حدثًا رياضيًا فقط، بل اختبار حقيقي للعدالة المجالية، وتطوان لا تحتاج مزيدًا من الوعود، بل جرأة في القرار قبل أن يفوتها موعد التاريخ. (*)الكاتب الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتطوان