منذ توليها تدبير الشأن العام، تتزايد مؤشرات التوتر بين الحكومة وشرائح واسعة من المجتمع. فبدل أن تكون الحكومة أداةً للتوفيق بين المصالح وحماية الحقوق، أصبحت – في نظر كثيرين – طرفًا في الصراع، تتخذ قرارات تفتقر إلى التوافق وتُعمّق فجوة الثقة بينها وبين المواطنين. رفض المحامون مشروع قانون الحكومة لم يكن موقفًا فئويًا ضيقًا، بل تعبيرًا عن تخوف عميق من المساس بمبادئ أساسية تقوم عليها دولة القانون، وعلى رأسها ضمانات المحاكمة العادلة واستقلالية المهنة. فحين يعارض المحامي نصًا تشريعيًا، فهو في الجوهر يدافع عن حق المواطن في عدالة منصفة. غير أن تجاهل هذا الرفض، وعدم فتح حوار جاد مع الهيئات المهنية، يطرح تساؤلات حقيقية حول منطق التشريع المعتمد. وفي السياق نفسه، اختار الصحافيون مسارًا دستوريًا راقيًا، عبر تعبئة عريضة لإحالة القانون على المحكمة الدستورية، في خطوة تعكس وعيًا بدور الدستور كضامن للحقوق والحريات. هذا الخيار لم يأت من فراغ، بل نتيجة مخاوف مشروعة من قوانين قد تُضيّق هامش حرية التعبير وتُضعف الوظيفة الرقابية للصحافة، بما يضر بحق المجتمع في المعلومة. أما العدول، الذين عُرفوا تاريخيًا بالتحفظ والابتعاد عن الاحتجاج، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين لتنظيم وقفات أمام البرلمان دفاعًا عن كرامتهم المهنية واستقرارهم الاجتماعي. وهو ما يكشف أن القرارات الحكومية لم تُراعِ خصوصية المهنة ولا آثارها الواقعية على العاملين بها. ويبقى الفلاحون الخاسر الأكبر من السياسات الحكومية الأخيرة. فقد ذاقوا مرارة قرارات مرتبطة بالدعم، والمياه، وتنظيم الأسواق، تكبدوا بسببها خسائر فادحة وصلت حد فقدان ثروات راكموها عبر سنوات من العمل الشاق. وفي بلد تُعد فيه الفلاحة ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، يبدو أن الحكومة اختارت تحميل الفلاح كلفة الاختلالات بدل حمايته ومواكبته. ويزداد هذا الإحساس بالانحياز حين نستحضر ما جاء به تعديل قانون السير، وخاصة التعديل الذي تقدمت به إحدى فرق الأغلبية، والذي اعتبره كثيرون خطوة صريحة في صالح شركات التأمين وعلى حساب ضحايا حوادث السير وأسرهم. فبدل تعزيز حماية الضحايا وضمان إنصافهم وجبر ضررهم، جاء التعديل ليُضيّق من حقوقهم ويُخفف الأعباء عن شركات التأمين، في مشهد يعكس اختلال ميزان التشريع وتقديم منطق الربح على الاعتبارات الإنسانية. كل هذه الأمثلة تغذي قناعة متنامية بأن الحكومة لا تُشرّع انطلاقًا من المصلحة العامة، بل تُفصّل القوانين على مقاس لوبيات اقتصادية ومالية محدودة، رغم أنها لا تمثل سوى أقلية عددية داخل المجتمع. غير أن قوة هذه اللوبيات لا تكمن في عددها، بل في نفوذها؛ فهي تمتلك المال، وتتحكم في شبكات مصالح محلية، وتستفيد من ضعف المشاركة الانتخابية، ما يجعلها قادرة على التأثير في نتائج الاستحقاقات، وترجيح الكفة في دوائر انتخابية محددة. ففي سياق يعزف فيه كثير من المواطنين عن التصويت، تتحول الأقلية المنظمة إلى قوة حاسمة، ويصبح التشريع أداة لتبادل المصالح: قوانين تخدم فئات نافذة اليوم، مقابل دعم سياسي وانتخابي غدًا. وهكذا، يُختزل الاختيار الديمقراطي في حسابات ضيقة، ويُفرغ التمثيل السياسي من مضمونه الاجتماعي. وحين تتقاطع احتجاجات المحامين، والصحافيين، والعدول، والفلاحين، وتُهمَّش في المقابل حقوق ضحايا حوادث السير، فإننا لسنا أمام مطالب متفرقة أو سوء تواصل عابر، بل أمام أزمة ثقة عميقة. أزمة تعكس إحساسًا عامًا بأن صوت المواطن لم يعد حاضرًا في صناعة القرار، وأن منطق اللوبيات بات يتقدم على منطق الإنصاف والتشاركية. ويبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: مع من تقف هذه الحكومة فعلًا؟ هل تقف مع الأغلبية التي تتحمل تبعات القرارات وتدفع ثمنها اجتماعيًا وإنسانيًا، أم مع أقلية نافذة تُمنح الأولوية لأنها تُعد رهانًا انتخابيًا وضامنًا للاستمرار؟ إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يضعف الثقة في السياسة نفسها. والحل لا يكمن في تمرير القوانين بالقوة العددية، بل في العودة إلى روح الدستور، واحترام المؤسسات الوسيطة، وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار انتخابي.