في بداية كلمتي، بشأن تأبينِ الراحلِ العزيزِ محمد رقيد، أعبِّرُ عن خالص شكري وامتناني للأستاذات والأساتذة الأعزاء في شعبة اللغة العربية وآدابها، وفي مختبر البحث في الثقافات والعلوم والآداب بعين الشق، وذلك نظير حسهم الإنسانيِّ العالي وفاءً وإخلاصاً لفقيدنا الجميل سي محمد رقيد. عرفتُ سي محمد رقيد، في نهايات ثمانينيات القرن الماضي، وعلى وجهِ التحديدِ، في عام 1987، من خلال الصديق الكبير والمبدع الجميل سي أحمد بوزفور، ومن ذلك الوقت سالتْ مياهٌ عذبةٌ في تربةِ علاقتنا، ونشأَ غرامٌ متبادلٌ لا يوصفُ… عرفتُ سي محمد رقيد فيضاً لا ينضبُ من المحبَّةِ والسَّخاءِ، وعرفتُهُ بحراً لا نهائياً من العلمِ والأدبِ والتواضُعِ. عرفتُهُ باسمَ المحيّا، بلْ ضاحكاً ملْءَ الفمِ والوجهِ، كما عرفتُهُ ساخراً من العالمِ وتداعياتِهِ، وناقداً لاذعاً في مواقفِهِ وآرائِهِ، لكنني عرفتُ، أيضاً، بشكلٍ حدْسيٍّ، أن ما يصدُر عنهُ من خصالِ التواضعِِ والشغفِ والابتسامِ، يُخْفي وراءَهُ تلك السريرةَ المجروحَةَ التي لا تعبر سوى بنقيضِها وضدّيدِها؛ حزيناً ومبتسماً، شقياً ومتفائلاً في الوقتِ ذاتِهِ. سريرةٌ لا تتوجعُ أمام العالمِ، بل هيَ وجَعٌ… سريرةٌ لا تصرخُ أمام العالمِ، بل هي صرخةٌ. من يرى الراحلَ من مسافةٍ بعيدةٍ، ومن سطوحِ الحياةِ، يراهُ سائراً سعيداً صلباً قوياً، لكن سي محمد، وفي أعماق الأعماقِ، يسيرُ نحو ألمِهِ وحزنِهِ وتيْهِهِ وهشاشتِهِ، مثلَنا جميعاً، إن لم نقلْ إنه يسيرُ على صراطٍ، بخفةٍ وعبورٍ… يسيرُ على جراحِنا وآلامِنا الجماعيَّةِ والفرديَّةِ، ليوقظَ شُعْلَتَنا الأخيرةَ. ولتقريبِ نفسي وغيري من أثرِ راحلنا العزيز سي محمد رقيد، صُغتُ شهادتي في ثلاثِ لوْحاتٍ: اللوحة الأولى: سي محمد كائنُ الخِفَّةِ والظِّلِّ اللوحة الثانيةُ: سي محمد كائنُ القلقِ الأبدِيِّ اللوحةُ الثالثةُ: طُرْفاتُ سي محمد اللوحة الأولى: سي محمد كائنُ الخِفَّةِ والظِّلِّ سي محمد رقيد كائنٌ بأفُقٍ شخصيٍّ جُوَّانِيٍّ، داخليٍّ، صوفيٍّ… سي محمد رقيد بعيدٌ كلَّ البُعْدِ عنِ البرمجيّاتِ المتعاليةِ والصّاخبةِ واستعاراتِها القَبَلِيَّةِ أوِ الجماعيَّةِ أوِ الميتافيزيقيَّةِ أوِ الإيديولوجيَّةِ. سي محمد مُغايِرٌ لكلِّ التَّنْميطاتِ الثقافيَّةِ الموروثَةِ أو المبتَدَعَةِ. سي محمد، كما أحبَبْتُهُ وانتميتُ إلى جيلهِ الحزينِ، إنسانُ الخفَّةِ والظِّلِّ، لا يريدُ أنْ يُشْبِهَ أحداً، أو يسيرَ على خُطى أحدٍ، أو يُكَرِّرَ أحداً، أو يُماثِلَ أحداً… يَحْيَا مِنْ سوءِ الحظِّ وَحُسْنِهِ، ومِنْ زيف العالمِ وصِدْقِهِ، ومِنْ ذهابِهِ ومجيئِهِ، ومِنْ وداعِهِ ولقائِهِ، ومِنْ تشظِّيهِ ووَحدَتِهِ. يعيشُ، بكبرياءٍ، تناقضات العالمِ دون فقدانِ توازُنِهِ. يسيرُ سي محمد، بخفةٍ لا متناهيةٍ، في تَيْهِهِ وضَلالِهِ، وَيَنْمو في دينامياتهِ المتحوِّلَةِ باستمرارٍ نحو نهاياتٍ غيرِ متوقَّعَةٍ، ويُناضِلُ في صراعاتٍ غيرِ محسومةٍ… سي محمد الإنسانُ الخفيفُ فراشةُ الفراشاتِ، لا عُمْرَ لهُ، ولا حدودَ لهُ… جمالُهُ في خِفَّتِهِ وزوالِهِ وانقضائِهِ. لا أبديَّةَ في العمرِ، ولا إطلاقيَّةَ في الوعْدِ بالبقاءِ في الحياة والخلودِ فيها… الإنسانُ عبورٌ في العبورِ ذاتِهِ… عبورٌ بأجنحَةٍ منْ ريحٍ… ونحن، أيضاً، مثل سي محمد قَبْضُ ريحٍ. اللوحة الثانيةُ: كائنُ القلقِ الأبدِيِّ هذا الأُفُقُ الإنسانيُّ الذي اكتشفناه في سي محمد وعشناهُ معهُ، هو أفقُ كينونةِ القلقِ الأبديِّ، وأفُقُ الاختيارِ النّافرِ والتّيْهِ. الأفقُ الذي يَتعاضَدُ مع القلقِ والرغبةِ في التخلُّصِ من الثَّباتِ على القيمِ التقليديَّةِ العموديَّةِ، ومنها قيمُ الانتماء الزائفِ، والوطنية المغشوشةِ، والوفاء للأشخاصِ، وليس الإخلاصَ إلى القيمِ والمسؤوليةِ والواجبِ.. هذهِ القيمُ الفاسدةُ السائدةُ، اليومَ، ادّعاءٌ ونزوعٍ مُغرضٍ نحو تحريرِ الإنسانِ بلا حُرِّيَّةٍ، لأنها عبودياتٌ جديدةٌ، في الأساسٍ، مغلَّفةٌ بالحقوقِ والانتماءِ. لا حرِّيَّةَ سوى في الانتماءِ الصغير لإنسانيتنا الحزينةِ والصادقةِ… لأنَّ شعاراتِ الحريَّةِ المبتذلةِ والزائفةِ شعاراتٌ لا إنسانيَّةٌ.. شعاراتٌ كُبرى ومتعاليةٌ على حدود التجربةِ الإنسانيَّةِ الصّغيرة والحائرةِ… ومن الدروسِ الأساسية في الحياة والمعرفة التي تعلمناها في جيلنا الحزين، ومعنا سي محمد، أننا بناتُ وأبناء المغايرةِ والانتهاءِ. ندركُ في اللحظاتِ الحاسمةِ من الحياةِ، ودون خوفٍ أو توجُّسٍ، أن الفردَ ليس إلهاً ولا صَنَماً… لكي يُنتج الأسطورةَ الكُبرى.. ما، قد يستطيعُهُ الواحدُ منا، إنٍ استطاع ذلك، أنْ يعيشَ بلا أَثَرٍ، مُتَخَفِّفاً من أيِّ خطابٍ أوْ وَعْظٍ… أنْ يعيشَ مُفارِقاً لذاتِهِ ولوجودِهِ ولكينونَتِهِ، لأنَّهُ ببساطةٍ كائنٌ المغايرةِ والغموضِ والالتباسِ والتَّناقُضِ والأَضْدادِ.. وما يستطيعُهُ عملُنا الفرديُّ والجماعيُّ، إن أمكننا ذلكَ، هو أن نُقاومَ، بمرونةٍ وسخريةٍ، خرابَ العالم وتفاهتَهُ. لا يمكنُنا مقاربةُ الملتبسِ والغامضِ والمتوتِّرِ بفكرٍ واضحٍ ومقتنعٍ وثابتٍ… ولا يمكنُ أنْ يعيشَ الفردُ الحرُّ، الذي نريدُهُ ونسعى إليهٍ، حياةً صلبةً ثابتةً مطمئنَّةً. حرِّيَّتُنا تستدعي حياةً سائلةً فوضويّةً، وربما، هي حياة أعمقَ إنسانيةً وأكثرَ تحقيقاً للحرية الفردية… هي الحياة في انفصالٍ وليسَت في اتِّصالٍ، حياةٌ في انتهاءٍ وبلا خلودٍ، حتى يُسمح لذواتنا التعيسةِ بتذوُّقِ مساحاتٍ أخرى من الحياة، وباكتشاف قاراتٍ جديدةٍ في التعبيرِ العاطفيِّ والعقليِّ والجسديِّ… ليسَ هناك بيانٌ جاهزٌ ولا إعلانُ نوايا، ولا خريطةٌ زمنية محددةٌ سلفاً، وليسَ هناك برنامجُ حياةٍ، لنطمئنَّ إلى الحياةِ… كلُّ شيءٍ مفتوحٌ على المغايرةِ والانتهاءِ… ريحٌ على ريحٍ… اللوحةُ الثالثةُ: طُرْفاتُ سي محمد الخالدة: لا يمكنني التفكيرُ في سي محمد رقيد أو نقشُ بعضِ ملامحِ سيرتِهِ، أو تعدادُ مناقبِهِ دون الوقوف على بعض طُرْفاتِهِ الخالدةِ. أكتفي، اليوم، بذكر ثلاثِ طُرْفاتٍ، رغم أن عددَها لا يحصى ولا يعدُّ، مثل سيرتِهِ المفتوحةِ واللانهائية التي لن تغيب عنا، ولو غاب سي محمد عن الناظر، فالقلبُ والعقلُ والجسدُ يَحْفَلون بصورِهِ وبِبَصْماتِهِ. الطرفة الأولى: الأمُّ الطيبَةُ الراحلَةُ كان سي محمد يزورُ أُمَّهُ كل أسبوع، بانتظامٍ والتزامٍ، ودون أن يُخلِفَ الموعدَ كيفما كانت الظروفُ. ذات يوم سألتْهُ الأمُّ: جئتَ بالفواكهِ جميعِها يا ابني ما عدا فاكهةٍ واحدةٍ. جئتَ بالتفاح، فأين «النَّفَّاحْ»؟ اضطرب سي محمد، ولم يعرفْ كيف يجيب. يا أمي لقد أحضرتُ كلَّ شيءِ، ويمكنكِ التأكُّدُ. لكنكَ لم تُحضِرِ «النّفّاح». لم يكنْ معجمُ سي محمد يعرف هذا «النّفاح». بحثَ في ذاكرته ولم يجدْ إحالة عليه… اضطربَ مرةً أخرى. اكتشفتِ الأم دوْختهُ، ورسمتْ له بيديْها الفاكهةَ. أدركَ سي محمد، حينها، أن «النَّفّاح» هو الإجاص، «بوعويد» يا أصدقاء. قرر سي محمد، منذُ تلك اللحظة، أن يبحثَ في اللغة المغربية، ويكتشف خباياها واستعاراتها. لهذا تجدُ سي محمد، في كلِّ مناسبةٍ، لا يتوقف عن إبهارك بكلمات مغربية غابرةٍ ودالَّةٍ، ويفتخر باكتشافها وتوطين تداولها بيننا في اللقاءات الخاصة والعامة. كانتِ الأمُّ، إذن، مدرسةَ سي محمد الخالصةَ. لروحيهما السلام والسكينة. الطرفة الثانية: أحمد ولد قدور كنا في سمرٍ خاصٍّ صُحبةَ بعض الأصدقاء الأعزاءِ، وألهبَ أمسيتَنا الفنانُ الراحلً ولد قدور. كنا عشرة أو أكثر بقليل، ومنهم أصدقاء تعرفونهم؛ الراحل سي محمد رقيد، والعزيز سي أحمد بوزفور، والمصطفى جباري، وعبد المجيد جحفة، وعز الدين صبري، وعبد القادر كنكاي، ومحمد أبو النصر، وغيرهم من الأصدقاء. جلسَ سي محمد بجانب الفنان ولد قدور، فرحاً سعيداً، لأنه كان معجباً جداً بأغانيه وأشعاره، ومنها جمل شعرية بعينها، مثل: «مابقاو عندي ركابي لدوك العكابي»، و»بغيت الكرموس من الكاليتوس»، و»حب المخزن كيمحن»… جلس سي محمد منتشياً بالجمل الشعرية ومدندنا، وكأنه المساعدُ الفنِّيُّ لولد قدور في تلك الجلسة. كان أمامها طابق من الفواكه، ومنها «السويهلة» على شكل قطعٍ، وكان سي محمد يعشق «السويهلة»، وكان يقول عنها الفاكهة التي لا تتعبك في التناول، إذ كان يعتبر نفسهُ عدوَّ الفواكهِ، مثل فقيدنا الكبيرِ مولاي علي القرشي. حين يتوقف ولد قدور عن أداء أغنية ما، كان سي محمد يحاورُه ويسألُهُ عن كلماتٍ وجملٍ ومقاطعَ، وكان ولد قدور يجيبُ بسلاسة ومحبة. التفتَ ولد قدور نحو سي محمد، وقال: الغناءُ مرحباً والجلوس بجانبي مرحبا وأكثر، ولكن السويهلة لا. فأين تعلمت هذه المهارة في التهام السويهلة. غرق الجميع في بحر من الضحك، وعلِمنا أن الوحيد الذي أفحم سي محمد لم يكن سوى ولد قدور، أما نحن، فلم نكن نقدر على إفحامه أو محاججته أو مسايرة مرحه. لمن تركتنا يا سي محمد… الطُّرْفةُ الثالثةُ: الدراجةُ الهوائيَّةُ اشترى سي محمد دراجةً هوائيةً، وكان يركبُها ليلتحق بنا في كل مساء، بمقهى «السّات؛ أي السابع» بشارع عمر الريفي؛ المقهى التي شكلت فضاءً للقاء وفرصةً للنقاش والحوار، وفيها هيأت مجموعة البحث في القصة بالمغرب الكثير من مواعيدها الأدبية والثقافية. حين يأتي سي محمد لا يتوقفُ عن الحديث عن دراجتِهِ، مثل طفلٍ صغير، ولعلَّها السِّمةُ الجوهريَّةُ في شخصيةِ سي محمد؛ إذ كل حديث بالنسبة إليه، مجالٌ للتذكير بالجزئياتِ والتفاصيلِ والدقائقِ. يتحدثُ سي محمد عن فوائد ركوبِ الدراجةِ، وعن نوعها وسرعتها وأجزائها، خاصة وأنها كانت دراجةً أجنبيَّةَ الصُّنْعِ. يكيلُ سي محمد لدراجته المديحَ المفرطَ، ويصفُها بأوصاف أنثويةٍ رائقةٍ، من قبيل: أنيقةٌ، ورقيقةٌ، ورشيقةٌ، وسلسةٌ، وحُلوةٌ… قلنا له: هل هذه دراجة أم امرأة؟ هل تقود دراجة، يا محمد، أم تقود شيئا آخر؟ ومنذ ذلك الوقت أطلقنا لقبَ «المدام» على دراجتِهِ. وكان سي محمد سعيدا ب»مدامِهِ» الجديدة التي تحمله من مكان إلى مكان دون إزعاج أو ملل. فقدناك يا محمد، وفقدنا قدرتك الفائقة على صناعة الفرح الصغير والحكي اللذيذ، من أشياء مهملة وجانبية. من بعدكَ، يا محمدُ، يمتلك هذه الموهبة الفريدة العاليةَ؟ أخيراً، أدركُ أنَّ كتابةَ شهادةٍ بشأن فقيدنا سي محمد قاصرٌ عن الإحاطة بكل عطاءاتِهِ وإسهاماتِهِ، وما يشفعُ لنا في ذلك أن نعرفَ أنهُ تركَ بذوراً طيبَةً في تربةِ الوطنِ والأحبةِ والأصدقاءِ والطلبةِ، ولا بدَّ أن تنموَ وتُبَرْعمَ وتُثْمِرَ. لذا، أوجِّهُ تحيةَ محبةٍ وتقديرٍ إلى عائلة سي محمد رقيد، ومنها ابنتاهُ الجميلتان الرائعتان؛ مريم ونجلا واللتان حرصتا على أن تكونا بلسماً للجراح، وللزوجة الطيبة المتفهمةِ الراحلة التي رافقتْ وأحبتْ اختلافهُ وخُلْوتَهُ، ولكافة الأصدقاءِ الأعزاء الذين وإن تفرقت بهم المسالكُ والطرقُ إلا أن حبَّ هذا الوطن يجمَعُهُمْ على قلبٍ واحدٍ، فقد كانوا وسيظلون من خيرة بناتِ وأبناء هذا المغرب العزيز الذي نفتخر بالانتماء إليه رغم كل العثْرات والإخفاقات الجماعيََةِ والفرديَّةِ. لعلَّها كلماتُ سي محمد رقيد الغالي الذي أحبَّنا بعفوية وتلقائية وبلا شرطٍ، والذي يسعدُ بنا، اليومَ، بمناسبة هذه اللحظةِ العلميَّةِ التأبينيَّةِ، والذي يكتشف، من هناك، حرارةَ استعادة روحه الطيبةِ المعطاءِ، والذي يقفُ شامخاً من فضائه الفسيح، ليدعونا إلى المحبة والأخوة والأمل، والذي يستريحُ، بأمانٍ وسكينةٍ، بعد أن أدى الواجب والأمانة للوطن وللأحبة من جهةٍ، وليدعونا إلى استثمار صورته وبصْماته وبَذْراته، لصالح مغربٍ حرٍّ وواعدٍ وجميلٍ من جهةٍ أخرى. كلنا إلى انتهاءٍ وزوالٍ، يا أصدقاء، فلنبذُرِ المحبةَ والأخوةَ والخيرَ ما أمكنَ إلى ذلكَ من سبيلٍ… شكراً لكم جميعا نظير حسن الإصغاءِ والمساهمة في هذه اللحظة الرمزية العميقة، ولتعلَموا، يا أصدقاء، أني كتبتُ هذه الورقة المتواضعة، ويداي ترتجفان، وقلبي يعتصرُ. لروحك يا محمد السلام والسكينة، ولنا جميعا خالص العزاء وجميل الصبر.