تتأكد يوماً بعد آخر القناعةُ لدى المتتبعين للشأن السياسي المغربي بأن أحزاب التحالف الحكومي لا تُبدي حماساً حقيقياً لكل المبادرات الرامية إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام. فكلما تقدّمت المعارضة بمقترحات تشريعية أو مؤسساتية تصب في اتجاه محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا وقوبلت بالرفض أو التسويف، دون تقديم بدائل جدية أو رؤى إصلاحية موازية. وفي هذا السياق، يندرج رفض الحكومة لمقترح إحداث هيئة قضايا الدولة الذي تقدم به الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، كمثال صارخ على هذا التوجه. فرغم وجاهة المقترح وأهميته البالغة في الظرفية الراهنة، ورغم الشرح المفصل الذي قدمه النائب البرلماني حسن لشكر، والذي أبرز من خلاله الدور الحيوي الذي يمكن أن تضطلع به هذه الهيئة في حماية المال العام، وتحصين قرارات الإدارة، وتتبع القضايا ذات الطابع المالي والمؤسساتي، فإن الحكومة اختارت طريق الرفض الصريح، دون أن تكلف نفسها عناء تقديم تصور بديل أو مقاربة إصلاحية أخرى تحقق الأهداف نفسها. هذا الرفض لا يمكن فصله عن السياق العام لأداء الأغلبية الحكومية، الذي اتسم منذ بداية الولاية بضعف التفاعل مع مقترحات المعارضة، وبنزعة واضحة نحو التحكم في المسار التشريعي بما يخدم منطق الأغلبية العددية لا منطق النقاش الديمقراطي التشاركي. وهو ما يُفرغ المؤسسة التشريعية من أحد أدوارها الأساسية، ويحوّلها إلى مجرد غرفة للتصديق بدل فضاء لإنتاج القوانين عبر التوافق والتجاذب الإيجابي. وفي هذا الإطار، يكتسي توصيف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لما سماه "منحى التغوّل" دلالة سياسية عميقة، إذ لم يكن هذا التوصيف ردَّ فعل ظرفياً أو خطاباً معارضاً للاستهلاك الإعلامي، بل تشخيصاً معمقاً لطبيعة اشتغال حكومة أبدعت في التفرد باتخاذ القرار، وأقصت كل مقاربة تشاركية حقيقية، مستندة إلى أغلبيتها العددية لتمرير اختيارات تخدم مصالحها ومصالح الدوائر المرتبطة بها. فالتغوّل هنا لا يتجلى فقط في التحكم في المسار التشريعي، بل أيضاً في تضييق فضاءات النقاش، وتهميش أدوار الوساطة السياسية، وتحويل المؤسسات الدستورية إلى آليات شكلية تُستعمل لتزكية قرارات مُعدّة سلفاً، بدل أن تكون فضاءات حقيقية لصياغة السياسات العمومية على أساس المصلحة العامة. الأكثر من ذلك، أن موقف الحكومة من مقترحات تخليق الحياة العامة يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي المعلن، ومع التوجيهات الملكية المتكررة الداعية إلى محاربة الفساد، وترسيخ دولة المؤسسات، وتسريع تنزيل أوراش الدولة الاجتماعية. فبدل الانخراط الجاد في تفعيل هذه الأوراش بروح إصلاحية، سجّل الرأي العام تعثراً واضحاً في عدد من البرامج الاجتماعية، سواء من حيث الأثر أو من حيث الحكامة في التنفيذ، وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول الإرادة السياسية الفعلية للإصلاح. ولا يبدو أن رفض مبادرة هيئة قضايا الدولة قراراً تقنياً معزولاً، بل يندرج ضمن رؤية أوسع تعتبر أن كل تشريع يحدّ من تضارب المصالح أو يوسع من آليات المراقبة والمساءلة، يشكل تهديداً مباشراً لبنية الأغلبية الحكومية نفسها. فهذه الأغلبية، كما يلاحظ عدد من المحللين، تتقاطع داخلها مصالح لوبيات اقتصادية ومالية ترى في قوانين الشفافية ومحاربة الفساد خطراً على امتيازاتها، وهو ما يفسر إصرارها على تمرير نصوص "مفصّلة على المقاس"، خلال هذه الولاية، بدل تشريعات تؤسس لعدالة مؤسساتية حقيقية. إن خطورة هذا النهج لا تكمن فقط في تعطيل مبادرة بعينها، بل في تكريس مناخ عام من فقدان الثقة في العمل السياسي، وتعميق الهوة بين المواطن والمؤسسات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعبئة وطنية شاملة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وعليه، فإن مسؤولية تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن تبقى شعاراً ظرفياً يُستحضر عند الحاجة، بل يجب أن تُترجم إلى اختيارات تشريعية ومؤسساتية واضحة، تبدأ بالانفتاح على مقترحات المعارضة الجادة، واحترام دورها الدستوري، وتنتهي بإرادة حقيقية لقطع الطريق أمام الفساد والريع، مهما كانت كلفته السياسية. فبدون ذلك، سيظل الحديث عن محاربة الفساد مجرد خطاب للاستهلاك، في مقابل ممارسة سياسية تُعيد إنتاج الأعطاب نفسها، وتؤجل الإصلاح الحقيقي إلى أجل غير مسمى.