تعيش مدينة مشرع بلقصيري، التابعة لإقليم سيدي قاسم بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، على وقع حالة استنفار قصوى، جراء فيضانات غير مسبوقة خلفتها التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة البنية المجالية، وطرح من جديد أسئلة الاستعداد والوقاية وتدبير المخاطر الطبيعية في زمن التحولات المناخية المتسارعة. وتقع مدينة مشرع بلقصيري في موقع جغرافي استراتيجي، إذ تبعد عن القنيطرة بحوالي 65 كيلومترا، وعن طنجة ب180 كيلومترا، وعن سيدي قاسم، العاصمة الإدارية للإقليم، ب45 كيلومترا. ويعبر المدينة المحور الطرقي الرئيسي الرابط بين طنجةومكناس، كما تخترقها السكة الحديدية التي تصل طنجة بفاس والدار البيضاء، وهو ما جعل منها تاريخيا نقطة عبور وحلقة وصل بين الشمال والوسط، ومجالا لتلاقي عدة قبائل، الأمر الذي أكسبها بعدا اقتصاديا وتجاريا مهما داخل منطقة الغرب، وساهم في انتقالها من مجرد نواة حضرية إلى بلدية قائمة الذات سنة 1990. غير أن هذا الموقع ذاته، الذي شكل لعقود مصدر قوة، تحول في ظل الفيضانات الحالية إلى عامل هشاشة، بعدما أصبحت أغلب المنافذ الطرقية والسككية مقطوعة، ما جعل المدينة شبه معزولة عن محيطها الخارجي. وتفيد المعطيات المتطابقة من عين المكان أن عدة مناطق محيطة بمشرع بلقصيري أصبحت مغمورة بالمياه، خاصة سوق جمعة الحوافات الواقع على بعد 12 كيلومترا، إلى جانب عدد من الدواوير التابعة، حيث غمرت المياه الطرق والمسالك، وتوقفت حركة السير بشكل كلي. كما انقطعت الطرق المؤدية إلى مكناس وفاس، فيما توقفت حركة السير بالطريق الرابطة بين سيدي قاسم ومشرع بلقصيري، بسبب الارتفاع الحاد في منسوب الوادي المحاذي لها. ولم يقتصر الأمر على شبكة الطرق، بل امتدت التداعيات إلى النقل السككي، حيث تم تسجيل توقف القطارات المتجهة من طنجة في اتجاه مشرع بلقصيري ومكناس وفاس، ما زاد من حدة العزلة وصعب من عمليات التنقل والإمداد. ورغم خطورة الوضع، تؤكد مصادر محلية أنه لم يتم تسجيل أي خسائر في الأرواح، وهو ما يعزى بالأساس إلى الإنذارات المبكرة، وسرعة تدخل السلطات، إضافة إلى الوعي الجماعي للساكنة وتعاون المواطنين مع مختلف المتدخلين. في المقابل، تم تسجيل نفوق عدد من رؤوس الماشية، إلى جانب خسائر مهمة في القطاع الفلاحي، خاصة بمناطق دار الكداري، وسوق جمعة، الحوافات ومناطق أخرى، حيث أتلفت المياه المحاصيل الزراعية وأغرقت الحقول، في ضربة موجعة لفلاحين كانوا بالكاد يتعافون من سبع سنوات متتالية من الجفاف. وفي إطار التدابير الاستباقية لمواجهة ارتفاع منسوب مياه واد سبو، عمدت السلطات الإقليمية إلى إخلاء عدد من المنازل المهددة، خصوصا بالأحياء القريبة من مجرى الوادي، من بينها حي بام، حي المسيرة ، حي لبيبطات، حي الليمون أ، حي الفيلات، وغيرها. وقد استجاب المواطنون لنداءات الإخلاء في مشهد طغى عليه الانضباط وروح المسؤولية، كما سجل انخراط قوي لمؤسسات المجتمع المدني بمختلف أطيافها في عمليات المساعدة والدعم والتأطير. وتم فتح عدد من مراكز الإيواء المؤقتة، من بينها نادي معمل سوراك، دار القرآن، ودار الطالب، مع توفير الحد الأدنى من شروط الإقامة، في انتظار عودة الأوضاع إلى طبيعتها. وبالموازاة مع ذلك، جرى وضع آلاف الأكياس الرملية رهن إشارة الفرق الميدانية، لتعزيز الحواجز الوقائية بمحاذاة مجرى الوادي، في محاولة لاحتواء المياه والحد من توسع رقعة الفيضانات. وزاد من منسوب القلق، وفق مصادر موثوقة من عين المكان، الارتفاع الكبير في نسبة ملء سد الوحدة، الذي يصب في وادي ورغة ثم واد سبو، حيث تجاوزت حقينته 90 في المائة. وأفادت ذات المصادر أن صبيب المياه المفرغة حاليا من السد بلغ حوالي 3000 متر مكعب في الثانية، وهو مستوى مرتفع يعكس خطورة الوضع المائي الراهن، في ظل الضغط الكبير على حقينة السد، ما يرفع من احتمال فيضان الأودية المجاورة ويهدد سلامة المناطق القريبة. وأمام هذا الوضع المقلق، اضطرت السلطات إلى اتخاذ قرار التنفيس، في إجراء استثنائي فرضته الظروف المناخية غير المسبوقة، وذلك في سباق مع الزمن لتفادي الأسوأ وحماية الأرواح والممتلكات، وسط دعوات متواصلة للساكنة إلى الالتزام بتعليمات السلطات المختصة والتحلي بأقصى درجات اليقظة. وتعيش المدينة منذ أيام على وقع تعبئة شاملة، شاركت فيها مختلف السلطات المحلية، إلى جانب عناصر القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، في تنسيق ميداني محكم هدفه تطويق المخاطر وضمان سلامة الساكنة. بين امتحان الطبيعة ومسؤولية التخطيط ما تعيشه مشرع بلقصيري اليوم، ومعها مدن ومناطق مغربية أخرى، يشكل إنذارا صريحا بضرورة الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق، ومن تدبير الأزمات الظرفية إلى بناء سياسات وقائية مستدامة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجال، وقربه من الأودية، وطبيعته الفلاحية، وموقعه الحيوي داخل شبكة النقل الوطنية. وفي انتظار انحسار المياه، تبقى مشرع بلقصيري نموذجا لمدينة تجتاز امتحانا صعبا بفضل تماسك ساكنتها وتعبئة مؤسساتها، لكنها في الآن ذاته تضع الجميع أمام سؤال مركزي، هل نتعلم من دروس الفيضانات، أم ننتظر الامتحان القادم؟