سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    إنهيار جليدي بكاليفورنيا.. العثور على ثمانية متزلجين متوفين من بين التسعة المفقودين    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    نجم المنتخب المغربي ينافس على جائزة خاصة في "الليغا"    بمشاركة المغرب.. أول اجتماع ل "مجلس السلام" وهذا ما سيناقشه    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    عملية الإحصاء الخاصة بالخدمة العسكرية تبدأ من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026    انطلاق عملية جرد خسائر المساكن والمحلات التجارية لفائدة المتضررين من الفيضانات    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    أخنوش يترأس المجلس الإداري للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي    عضو نافذ بالكاف يطلق تصريحات قوية بعد أحداث نهائي "الكان"    "ويفا" يفتح تحقيقا في مزاعم سلوك تمييزي ضد فينسيوس    "البام" ينتصر لوهبي في "معركة المحامين" ويهاجم أخنوش    شخص موضوع بحث قضائي يقفز من الطابق العلوي لمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ويُصاب بجروح خطيرة    الأمن يوقف متورطين في سرقة وكالة لتحويل الأموال    ما الدول التي أعلنت غداً أول أيام رمضان وأيها الخميس؟    طقس أول أيام رمضان بالمغرب    طنجة: استثمار يفوق 30 مليون درهم    بيع بطاقة "بوكيمون" نادرة مقابل أكثر من 16 مليون دولار    هل ستبقى السماء زرقاء إلى الأبد؟    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    انطلاق جرد خسائر المساكن والمحلات لفائدة المتضررين من الفيضانات بالقصر الكبير    برقية تهنئة للملك من رئيس فلسطين    نقابة الاتحاد المغربي للشغل تسجل بارتياح استجابة كتابة الدولة لمطالبها    إحصاء "الخدمة العسكرية" في مارس‬    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    الحسيمة تُفعّل الرقم الأخضر 5757 لمحاربة الغش في الأسعار خلال رمضان    أشرف حكيمي يصنع التاريخ الأوروبي ويقود المغاربة إلى صدارة هدافي دوري الأبطال    "الأحمر" يلون تداولات بورصة البيضاء    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    أخبار الساحة    باريس.. المغرب يشارك في الاجتماع الوزاري 2026 للوكالة الدولية للطاقة    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ترفض "الإصلاح البارامتري" وتدعو إلى سحب مرسوم 2021 ومراجعة شاملة لأنظمة التقاعد    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    ارتفاع بنسبة %29 ..مجازر الدار البيضاء تسجل إنتاجاً قياسياً في 2025    تضارب إعلان رمضان يخلق استياء واسعا داخل الجالية المغربية بفرنسا        باستوني مدافع إنتر يكشف عن تلقيه تهديدات بالقتل بعد مباراة يوفنتوس    إنذار بوجود قنبلة في مقر "فرنسا الأبية"    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    إحداث أول وحدة جهوية لدعم البحث العلمي والتقني في جنوب المغرب    الريال يثأر وغلطة سراي يقسو وسان جرمان يقلب الطاولة ودورتموند يتفوق في ليلة درامية    تقرير دولي: هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية على رأس المخاطر التي تواجه المغرب    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ع. الكبير الخطيبي وجاك حسون الكتاب الواحد

هذا الكتاب لقاءٌ، أو بالأحرى ثمرة لقاء. فأما أحدنا، فمولود في الإسكندرية، ويعيش في باريس، وأما الآخر، فمولود في الجديدة، على الساحل الأطلسي، ويعيش في المغرب.
كان التقاؤنا من حول كتبنا ومن حول كتاباتنا. ثم لم نسلم من إغراء مواصلة هذه الاندفاعة [نحو بعضنا البعض]. لكننا حرصنا، على امتداد هذه السنوات الأربع، ألا نفرط في شيء من جوهر أدبيات الالتقاء.
لقد كانت أحداث من قبيل ندوة الرباط عن الازدواجية اللغوية، أو أحداث أخرى، على صعيد آخر مختلف، من قبيل حرب لبنان، هي التي يفترض أنها تمنح هذه الرسائل قوتَها القاطعة. وعليه، فقد لزمنا، كما لو من غير إدراك منا، أن نعتصم بما بدا لنا شيئاً أساسياً؛ ألا وهي اللغة، والتاريخ، والعلاقات الملتبسة القائمة بين ما هو أغلبي وما هو أقلي، وبين ما هو أهلي وما يسمى دخيلاً، وفي الأخير عودة الديني والأصولي، اللذين صار يتعين على اليهود والمسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط أن يواجهوهما في الوقت الراهن، كلاً على طريقته.
لقد كنا مشغوليْن بقضية لا نرانا وفَّيناها حق قدرها، ما جعلنا نطرق هذه المشكلات في عجالة، وفي تصميم على أن نقول، في زمن تعمدنا تحديده [وعدم الخروج عنه]، ما كان يهمنا [دون سواه].
وكانت النتيجة : كتاباً مشتركاً يؤكد اختلافاتنا والتقاءاتنا من حول تاريخ قديم، ضارب في القدم.
ترانا وفينا بهذا الوعد؟ إن حكمه يعود إلى القارئ، ويقع عليه، كذلك، أن يدفع بالنقاش من حيث يرى، بدوره، أنه ينخرط في هذا الضرب من التراسل. ولنكرر القول إنه تراسل كان قد انطبع بمشروع محتمل للنشر، وبسر بيِّن مكشوف.
ميرابيل، 30 أكتوبر 1983
عزيزي عبد الكبير،
هذه المرة أنا لا أركض. وإذا كنت أرقص فهو رقص داخلي : إنني أختلي بنفسي، لبضعة أيام، في أرديش، لأسترد أنفاسي، لأن هذا الدخول كان غنياً بالأحداث. ندوة لحلقة فرويد «عن الصدمة النفسية»، وندوة أخرى كانت لي فيها مساهمة أسميتها «منفى المنفى»، عالجت فيها، بالتنقل من موضوع إلى آخر، مسألة «الوقوع ضحية». الوقوع ضحية لكره (- الأجانب)، والوقوع ضحية للمنفى، بالانجراف بشكل متصالب من ضياع رسالة مفقودة، كذلك. ومن غريب أن الاستقبال الذي خُصَّ به هذا النص (استقبال التحامي حار) قد آلمني.
وحتى إذا كنت لا أجهل بأن... فبالالتزام بنظام القوانين التي تتحكم في الرسالة. إن الأمر يأتي من مكان بعيد كبعد ما تسميه «مستوحى» (لقد أعجبني كثيراً ذلك التمييز بين «الاستيحاء» و»الحماس»). «مستوحى»، إنها كلمة تجعلني أتصور أنفاس طفل ينام في غرفة مظلمة مواربة الباب، وتتناهى إليه أصوات الكلمات والأصوات التي لا يميزها، ولا يهتدي إلى معانيها. وسوف لا يفتأ الأمر يقلقه ويدفعه إلى العمل. إنني أعيد قراءة رسالتك في هذه اللحظة، وإنني أجد هذه الفكرة معروضة، بصيغة مختلفة، في الصفحة «3» (التي هي في الحقيقة الصفحة «2»، فقد كتبت الرقم «3» مرتين). تراني قرأتها ونسيتها؟ أم أكون استعدت ما ذكرت من قبل أن تعبر عنه؟ شيء لن يتأتى لنا أن نعرفه أبداً، إلا أن يكون لقاء مرتجلاً وغير مرغوب يخلق، أحياناً، أثاراً كتابية غريبة. وينبغي القول إن كلمة «طفل» تعود إليَّ بقوة. فأنا، منذ بعض الوقت، أحدث نفسي أن مصادر السفالة البشرية، ومصادر العصاب الفردي، العصاب الذي يتلف الأطفال، متأت من أننا ننسى أن آباءنا كانوا أطفالاً. فنحن نستطيب أن نراهم كباراً أو شيوخاً. مخيفين أو مفلسين. لكن لا أطفالاً أبداً...
إن «أنا أكتب» تندرج في ما بين هذه المعرفة المجهولة والمحتوى الذي لا يعرف به أحد. وذلك مصدر الطابع الموار لهذه اللحظة؛ حيث ترتسم الكلمات الأولى لكتاب فوق صفحة بيضاء. وذلك، أيضاً، هو سبب الكبت الذي يتكبده الذي يؤمن بتلك ال «في البدء»، والذي يحلم بكتاب مثالي لن يقيض له أن يرى النور يوماً. إنه يؤمن بالله، ذلك الكاتب.. الذي تظل الكلمات مجمدة في ذاته إلى الأبد.
(توقفت عن الكتابة في هذا الموضع... فقد لزمني أن أقوم ببعض الأشرية، أو ملاقاة صديق، مدير «متحف للغرائب»، ليطلعني على بعض اللوحات، تصور الجنس ? جنس من غير كلام - وقد صارت بيده السلطة. الرسام الذي رسم تلك اللوحات، وقد أصيب اليوم بعمى نفسي، يلاقي عناء في التخلص من هيجانه)...
وذلك هو مبعث سؤالنا، الذي يعود بإلحاح : ما هو المؤلف الذي لا يعرف أن يروج لإنتاجه في وسائل الإعلام بالعمل، ولا يفتأ يقدم ? في صيغة غريزة جنسية ? لا تتوقف، ما يخترقه في صورة تأثيرات أولية، أوفي صورة استيهامات؟ غربال، أو كائن منثقب، لا يفتأ جسده يستشعر الضربات المرتدة لهذه التفريغات الكتابية التي لن تشكل قط عملاً أدبياً. إلا أن يلوذ بالله، ويصطنع من نفسه ناسخاً لكلام يُعزى إلى الألوهية.
لقد مضت علينا قرونٌ عديدة نسمع هذا الكلام. فقد وضعنا مصيرنا بين أيدي هؤلاء النساخين. وإن أكثرهم لا يريدون اليوم أن يروا في الأمر غير الظاهر المستوحى، في جهل بالأساس الطقوسي العنيف الذي يؤطر به النص من جديد.
أن تكون يهودياً أو مسلماً اليوم : ذلك وهم، مثلما نقول عن هوى، أو عن حب. أنه انخراط في سلالة، يُتبين، في الوقت نفسه، أنها مجنونة. لماذا؟ لأن صيغ هذا الانخراط تدخل، في معظمها الأعم، في الرومنسية. فأن تكون يهودياً اليومَ، هي مسألة خاصة؛ فهي تخص علاقة بنص وقضية عمومية، على شيء من الطيش.
وإذا كان بلانشو وليفينا قد اشتغلا على النص، فبدافع من نوع من القرب. فالأول يجهل بعواقبه الشعبية والحضرية، والثاني يتموضع ضمن التقليد العالم. وأعتقد، من جانبي، أن جابيس يقف عند اكتشاف كتابي. فيجعلني أحلم؛ وذلك مصدر التناقض الذي يحدثه عندي.
إن هذا التراسل، الذي يتواصل، يسمح لي، استطراداً، بالحديث عن الواقع اليهودي، غير حديث السياسة أو حديث الأهواء. ويبقى أن الإسلام، يبقى، بالنسبة لي، لغزاً. ولطالما استهواني، خلال هذه السنوات الأخيرة، أن أطرح على نفسي السؤال التالي : ما الذي يجعل القبائل اليهودية في الشرق الأوسط، ثم في شمال إفريقيا أقل انقلاباً إلى الإسلام، والحال أن هذه الديانة كانت، من الناحية اللاهوتية، قريبة جداً إليهم؟ وأفترض أن الإنشاء النصي الثاني (التلمود) هو الذي أقام الحاجز الفاصل بين القرآن والتوراة؛ حيث صارت المواجهة التي يُدعى إليها الإنسان، لقاء مع المتعذر تسميته، أو مع اللامسمى.
في مصر بلغ التوجه نحو التوليفية شأناً بعيداً. لكنه كان يتوقف، على الدوام، عند ذلك الحاجز المشهود. وهذا أمر يبرز مزايا التأويل المسنن، كما يأتينا التلمود بمثال له، وعن اندحار القرائين، أقلية الأقلية، أن قبلت بالعيش من غير أي واقية دوغمائية.
وعلى كل حال، فإن الإسلام الحالي في صيغته الشيعية، أو في صورته المحزنة، صورة الإخوان المسلمين، يبعثني على شيء من الاستغراب. وأفترض أن ما نرى هو خيانة لكتابة، وخيانة لعمل كتابي.
وأن نستغرب لأخوَّتنا، مثلما أمكننا أن نفعل (أو أمكنني أن أفعل؟) أمرٌ يفشي الكثير عن مفعول الجنسانية.
واليوم يبدو لي أن تساؤلنا الأول يعبر نصية نواتها وهمٌ. وإن هذا الوهم المسمى «انتقاء» يمكنه التمثيل له بطفل لا يكف يقول لإخوته : «إنني أنا الذي طلبت منه أن يجعلتي أكثر من يحب الناس، فعاقبني، ولم يمانع»... ولقد انخرطوا جميعاً، وبالتتابع، في هذه اللعبة. ألم يأن الأوان، يا ترى، لنسمي هذه النواة باسمها : المُمات؟
فماذا ترى في هذا الاقتراح؟
وتقبل عبارات مودتي.
جاك حسون
الهرهورة، 4 دجنبر 1983
صديقي العزيز،
بلى، إننا ينبغي لنا أن نحافظ على ضرورة «قلب العبارة»، وأن نبقيه، إذا صح التعبير، يقظاً، ودائراً من حول محوره. وإلا، فإنني لا أرى فائدة للكتابة، وللاستمرار في تراسل يتراوح بين المنتهي وغير المنتهي في جميع هذه الرسائل التي تُتبادل فيه، بين عدة أيد، إبدال لرسالة أحصاها الزمن والذاكرة على طريقتهما : المُمات. إنني أقحمك، بسرعة، في هذا الإحصاء للذاكرة، بما هي شيء ممات. إن كلمة، أو فكرة العريق التي تفتنني، مصدرها من تكويني «الشعري» (كل أشكال الإنكار التي فرضتها علينا اللغة، من جهتيِّ الذاكرة). إنني أتخلى عن كلمة «عريق». وأتابعك، لبعض الوقت، في إحصاء الذاكرة، أو بالأحرى، من أجل تسريع الحديث، فأنا الذاكرة عدة ذاكرات : ذاكرة الجسد، وذاكرة كل حاسة، أو إحساس، تفرز عمليتها الاستذكارية وتمنحها استقلاليتها. إن الفكر جسد، والروح جسد، وهلمجراً... ذاكرة الخارج، التي رافقت تاريخنا، مثلاَ، ذاكرة العودة الأبدية، وهلمجرا.
لست أدري أي قيمة تكون لهذا التمييز، لكن ما أريد هو أن أفكك المُمات، حتى الضياع، أي حتى الموت. إنني أتخيل، لكنني ههنا لا أكاد أفكر، أن طاقة الممات هو ما يحصي خطاه إذ يرافق الموت، ويدخل لإحصاء النهايات. كل هذا لا يزال غامضاً، إنها حروف قسمت، وجزئت، وهي ثابتة، تتموقع في عدم.
لا يمكننا، بطبيعة الحال، أن نقول شيئاً، لكنه شيء مستحيل. إن اللاشيء هو في أصله اقتصاد للكلمة، وبالتالي اقتصاد للشيء. لا يمكنني قط، ألا أقول شيئاً، فأنا مدعو لأصنع من كلمة، ومن اتفاق، كتابةً، بدلاً من أن أترجمهما إلى لغة اصطناعية؛ مدعو لأصنع من لاشيء مظهراً للاشيء، ومدعو لأعدد هذه المظاهر كلها في الحركة الخطية.
أعود إلى سؤالك بشأن الشيعة، وعن التراجع الإسلامي اليوم. قوة (شيعية) قيامية تحمل وهم إله مغتال في صورة اغتيال علي. وكما تعلم جيداً، فالإيرانيون، وهم الشيعة، قد تماهوا، منذ البدء، مع ذلك الاغتيال.
نعم، نعم، إنهم، بذلك، يبتلعون هزيمتهم، بما هم أمة، وحضارة كانت لها الهيمنة في الماضي. فلذلك، لبسوا لبوس عرب منهزمين، ولبوس شهداء. ذلك الاغتيال، وبالأحرى، تخيل ذلك الاغتيال، لا يفتأ يعود، ويستحوذ على أذهان أولئك الذين يؤمنون بالعائدين : الإمام المتواري (السابع، أو الإثنى عشر!)، العائدين من الآخرة، أو من نهايات العالم. والمذهب الشيعي برمته حافظ، إلى اليوم، على هذه الذاكرة، ذاكرة الموت التي ينبغي أن تسهر على عودة المختفي وعودة الغائب. فمن يعود يا ترى؟ ليس العائد بشخصه بطبيعة الحال (يوجد، في هذا الصدد، لبس بشأن الشخصية القيامية الخميني : إنه يجيد الاستفادة من ذلك الانتظار). إن ما يعود هو الموت الحي للمؤمن. وأما المؤمن فلا يجيء، إنه يعود إلى الحياة، إلى الموت. فكيف ندون تلك القوة «المجنونة» عند المؤمن، ووهمه؟ لن يكون بمستطاعنا أن نتخلص منهما بيسر وسهولة : إن إلهاً يموت، أو يُغتال، هو اسم لسؤال، سؤال الواحد. وهو، كذلك، سؤال تاريخي. وأما من جهة أخرى، فأنا أوافقك الرأي، ف «نحن» لا يمكننا أن نسير في طريق النساخ. بل نحن مدعوون إلى الكتابة، وإلى تغيير موقف بآخر؟ بلى، بلى، لكن أن أجرب حظي ضد إله طفولتي (إله جعل لأجل الأطفال الذين ما أسرع ما يصيرون شيوخاً، بعد أن تخلوا عن نمو عقولهم)، لا يقتصر على أن نرده إلى وهمه، فنحن نعيش بأوهام. بل الأساس أن نجعله صيغة في التفكير. فأن يكون الله وهماً، وأن يكون أبناؤه الذين يعتقدون أنهم هم وحدهم المحبوبون منه، يعمهون في عمى ويعيشون في جهل، ذلك أمر ينبغي التشديد عليه. بيد أن تفكيري يذهب إلى شيء آخر : كان اليونانيون يخلقون الآلهة ليسخروهم في الأدب، أي لينشئوا عالماً وهمياً واصطناعياً، لكنه يعلِّم الناس أن يعشوا حياة الحاضرة، وينضبطوا لقوانينها. وإنني كثيراً ما أفكر في تلك المأساة الرائعة «أوديب في كولونيا»؛ ففيها يفشي أوديب سراً رهيباً إلى أجنبي، يفشيه إلى ملك أجنبي. فماذا رأى هذا الملك، في موت أوديب؟ وخاصة، ما السبب الذي يجعل أوديب يفشي هذا السر؟ إن وحدانيتنا شديدة النزوع القبلي، شديدة الضيق، بما يعجزها أن تنخرط في فكرة الآلهة، وتمثلاتها. وأياً ما يكن، فلا نزال، إلى اليوم، مسممين بعتاقتنا الضيقة. إن الله، أو الآلهة، ما هم بأموات ولا أحياء، ولا حاضرين ولا غائبين، ولا وطنيين ولا دوليين. إنهم، كشأن أي لغة قديمة، نقط استدلال في أوهامنا عن الماضي، ومؤشرات على سلطة الاسم.
سأتوجه إلى مصر في مارس المقبل، للمشاركة في ندوة عن المسائل الثقافية. وأرحل، بعدها، إلى إسبانيا؛ حيث أقوم مع غويتصولو على تنظيم لقاء في روندا. ثم سأذهب إلى باريس؛ فأنا عضو في «المجمع العالمي للفلسفة»، حديث الإنشاء. وأما الآن، فإن كاتب سيناريوهات يشتغل على إنجاز فيلم مستوحى من كتاباتي، تجري أحداثه في المدينة مسقط رأسي، في إطار ظروف خاصة : صورة في الصورة. سأقص عليك الحكاية. ينبغي أن نروي الحكايات.
ودمت بخير.
ع. الخطيبي
جاك حسون
8 يناير 1984
عزيزي عبد الكبير،
ها إن سنة مرت. فالصفحة تنقلب، والكتابة تتواصل، ونظري قد بدأ يميل إلى الضعف، وظهري إلى التقوس قليلاً (وهي صورة مرضية لي على الرغم من المظاهر). لقد مر شهر على توصلي برسالتك. وقد كان يندر أن أتأخر في الإجابة عنك. لكن النصب التي وضتعها في عملي، وفي أنشطتي غير التحليلية، وفي رغبتي في الكتابة قد ظهرت من شدة الجلاء أنني قد لزمني أن أركض من الواحد إلى الآخر. لكن في جو من الهدوء الغريب. هذا الهدوء الذي اكتسبته خلال هذه السنوات الأخيرة، في خضم مسارات طويلة ومعقدة أمر يبعثني على الدهشة والاستغراب.
سيكون عليَّ أن أتوجه، عن قريب، إلى نيويورك، وإلى مونريال، لتقديم سلسلة من المحاضرات. سأتحدث في مونريال عن وضع بعض الانفعالات العصبية النظرية في التحليل، التي ينبغي ردها إلى نموذج من التصور الكانطية. وينبغي لي، كذلك، أن أتحدث عن الغريب، والوقوع ضحية لرعب الأجنبي. ويبدو أن صديقي فرونسوا بيرالدي يعتبر هذا النص كمثير مرغوب فيه. وسأتحدث، كذلك، وفي الأخير، إذ أنا في جامعة نيويورك، الوضعية التي كانت للنساء في مصر الفاطمية. فتحت يدي وثائق شديدة الإثارة تتحدث عن الحرية التي كن يمتعن بها. لقد كن يتغلبن عن الرجال. كما سأتحدث عن الترسانة القانونية الكبيرة التي كن يستعملنها لضمان حريتهم. وإنني لشديد الحرص على هذه المحاضرة، وأنا سعيد بأن بلغ إلى علمي أنها قد تم لها القبول.
ستسنح لي الفرصة لأعطيك إياها لتقرأه. والأمر كله يبدو لي شديد الأهمية. ليس من حيث هو تحول، أو محول، بل كشيء يصدر عن ضرورة ذاتية.
إن ما كان يشغلنا، في مبتدإ تراسلنا، أمر يعتبر جزءاً من حياتي اليومية. وسأقول لك إنني ما عدت أهتم لمصير ذلك الذي كان فرويد يسميه : «إله البراكين الوحشي». إن الإله القبَلي القديم يواصل طريقه. وأما الآن، فإنني أواصل سبيلي، وأشعر بأني في أحسن حال.
إنني أدرك مدى سداد ملاحظتك : إن هاتين المحكتين قد أثارتا الكثير من الحماس، وكانتا من وراء إنتاج نصوص انفعالية، دوغمائية أو مجنونة. والأكثر جنوناً سيكون أولئك الذين يتمادون في صرامة . وبالمناسبة، هل يوجد للتلمود مكافئ في الإسلام؟ حقاً إن الكتابة التلمودية قد أمكن لها أن تلغي القصة بإقامته التوراة كاستعارة. لكن هذه المحاولة المجنونة لإقصاء المتخيل أخفقت؛ بحيث أصبح هذا المتخيل ينفذ إلى التوراة بكثير من القوة...
احك لي عن أسفارك في مصر وفي الأندلس.
أشعر أنني كنت في هذه السنة بالفعل كائناً مقيماً. إلا من رحلة إلى بروكسيل، لزيارة ابنتي وأحد إخوة والدي...
لكني نسيت أمراً : سأصير في يوليوز القابل جداً. وهذا أمر يفاجئني ويفتنني معاً. ههنا حقاً يبتدئ النزول : في ميلاد حفيد. إنه العقِب...
إليك، وإلى أصدقائنا المغاربة أصدق التحيات.
إليك بكل صدق
جاك حسون


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.