عقب إسدال الستار على منافسات كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، برزت في فضاءات النقاش العمومي وعلى منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من المطالب الشعبية الداعية إلى عدم التراجع عن قرار فرض التأشيرة على مواطني عدد من الدول الإفريقية، والاستمرار في العمل بها كإجراء سيادي دائم. هذه المطالب، التي اتخذت منحى تصاعديا، لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت كرد فعل مباشر على جملة من المواقف والتصريحات والأحداث التي رافقت العرس الكروي القاري، واعتبرها قطاع واسع من المغاربة إساءة صريحة للمملكة وتنكرا للجهود الاستثنائية التي بذلتها لإخراج البطولة في أبهى حللها. ويرى المدافعون عن هذا الطرح أن المغرب نجح في تقديم صورة مشرفة لدولة منظمة وآمنة وكريمة، وفرت للوفود والجماهير الإفريقية ظروف إقامة وتنقل وخدمات غير مسبوقة في تاريخ البطولات القارية. ومع ذلك، قوبلت هذه الاستثنائية المغربية بانتقادات حادة وسلوكيات غير مسؤولة، وصلت حد الشغب والتطاول من قبل بعض الأفراد والجهات، مما ولد شعورا لدى شريحة عريضة من المواطنين بأن سياسة الانفتاح غير المشروط لم تقابل بالتقدير والاحترام الواجبين، بل تم استغلال حسن النية المغربية للإساءة والتشكيك في المكتسبات الوطنية. ويشدد المطالبون باستمرار فرض التأشيرة على أن هذا الإجراء لا يحمل أي أبعاد عدائية أو عنصرية، بل هو آلية سيادية متعارف عليها دوليا لتنظيم الدخول إلى التراب الوطني وحماية الأمن العام. وينطلق هذا التصور من مبدأ المعاملة بالمثل، حيث يرى هؤلاء أن المغرب ليس ملزما بفتح حدوده على مصراعيها في ظل غياب التزام مماثل من دول أخرى، مؤكدين أن التجربة الأخيرة أبانت عن ضرورة مراجعة طريقة تدبير العلاقات مع بعض المحيط الإفريقي، والانتقال من منطق العاطفة والشعارات التاريخية إلى منطق المصالح الواضحة والندية السياسية. وفي ذات السياق، يؤكد مراقبون أن هذا النقاش يعكس رغبة شعبية في تحويل بوصلة العلاقات نحو واقعية سياسية تقيس نجاعة الروابط بما تحققه من مصالح وما تفرضه من احترام متبادل، بعيدا عن خطابات الأخوة التي قد تنهار عند أول اختبار حقيقي. فالدول في المحصلة، بحسب هذا المنطق، تبني سياساتها بناء على حماية كرامة مواطنيها وسيادة أراضيها، وهو ما يفرض التعامل بحزم مع أي محاولة للإساءة تحت غطاء الرياضة أو غيرها. ورغم أن القرار النهائي في مثل هذه القضايا الحساسة يبقى بيد السلطات المختصة، التي توازن بدقة بين الاعتبارات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، إلا أن الرسالة التي يبعث بها الشارع المغربي اليوم تبدو واضحة وحاسمة؛ فالمغاربة يتطلعون إلى سياسة إقليمية أكثر حزما ووضوحا، تكافئ الاحترام بالتقدير وتواجه الإساءة بالحزم القانوني والسيادي، دون أي تفريط في كرامة البلاد أو ثوابتها الوطنية.