لا لقانون إعدام الأسرى    تجزئة بلاد الهواري بمدينة القصر الكبير .. مطالب لاستتباب الأمن    وهبي يوقع على أول فوز له مع الأسود أمام الباراغواي    مدرب منتخب الباراغواي: المغرب "فريق من طراز عالمي"    حجز 865 كيلوغراما من مخدر الشيرا وتوقيف شخصين بمدينة الرباط    ورشة ل" إدارة و إنجاز مشروع مسرحي "بمناسبة اليوم العالمي للمسرح بالناظور    ميغاراما البيضاء تحتضن دنيا باطمة في سهرتين استثنائيتين    لشكر يستقبل بطنجة وفد الشبيبة الاتحادية إثر انتزاعه بتركيا نيابة رئاسة الاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي    مصرع سيدة سبعينية في حادثة سير بمدينة الحسيمة        الخنوس والعيناوي يقودان المنتخب المغربي للفوز على باراغواي    مجلس المنافسة: أسعار البنزين ترتفع أكثر من السوق الدولية والغازوال أقل من المتوقع    توقيع اتفاقية شراكة تهم انضمام وزارة العدل إلى البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات    7 تغييرات في تشكيلة المغرب لمواجهة الباراغواي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    القضاء يمدد الحراسة النظرية للهجهوج    حموشي يستقبل سفير سلطنة عمان    الحرس الثوري يهدّد باستهداف شركات أمريكية ردا على قتل مسؤولين إيرانيين    تأبين عبد الغني أبو العزم.. شهادات عن "روح جامعة ومشروع ثقافي بحجم مؤسسة"    سبتة.. اكتشاف نفق سري جديد لتهريب الحشيش من المغرب    بعد تعافيهم من الإصابة.. نهضة بركان يستعيد خدمات المليوي ومنعوت وعبيد    تطابق الرؤى بين بنك المغرب وصندوق النقد الدولي..    جمعية دولية تنعت قانون "إعدام الفلسطينيين" بالتمييز العنصري الخطير    تقرير حقوقي يرصد واقع ذوي الإعاقة    الاتحاد الغاني يقيل مدرب المنتخب قبل عشرة أسابيع من بداية المونديال    جامعة الدول العربية تدين القيود المستمرة المفروضة من السلطات الإسرائيلية على حرية العبادة في مدينة القدس    بعد قرار المحكمة الدستورية.. بنسعيد يستعرض مستجدات مشروع قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة بمجلس النواب ولجنة مؤقتة للإشراف على الانتخابات    مساء اليوم من الإذاعة الوطنية بالرباط: أسئلة اللغة والثقافة والهوية في حوار مع الباحث الدكتور فؤاد بوعلي.    وديات البرازيل تحسم اختيارات أنشيلوتي    جامعة ابن طفيل ترسخ انفتاح الدكتوراه في الصحافة والإعلام الحديث نحو نموذج متكامل لتجويد البحث العلمي    الذهب يتجه لتسجيل أسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    بسبب "الأرباح المفرطة".. "البيجيدي" يطالب بضريبة استثنائية على شركات المحروقات وتسقيف الأرباح    بورصة البيضاء تفتتح على تراجع طفيف    تفاعل رباعي الأسود مع منشور سنغالي يثير الجدل    انفوجرافيك | ⁨نظام سلطوي وحكامة هشة.. المغرب في مؤشر برتلسمان للتحول 2026⁩        إسرائيل تقتل 3 عناصر من قوات حفظ السلام في لبنان    شي جين بينغ يدعو إلى تعبئة شاملة لدعم التشجير في الصين    صاروخ إيراني يضرب منطقة تل أبيب    تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية عقب تقارير حول توجه أمريكي لإنهاء التوتر مع إيران    غوغل تحذر: حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال ليس الحل    اتفاق بين وزارة الصحة والنقابة الوطنية للصحة على توظيف تقنيي الإسعاف والنقل الصحي وتسوية وضعيتهم خلال 2026    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    في الذكرى الثالثة لوفاته عبد الواحد الراضي… ذلك الكبير العاقل    حين تُخطئ منظمة حقوق الإنسان إحدى عشرة إشكالية في تقرير واحد: من الخطأ التاريخي إلى التناقض الداخلي والتحيز المُقنَّع    الانتخابات التشريعية 2026 بوابة العبور نحو الحكم الذاتي    الفنان الشاب إبراهيم لجريدة الاتحاد الاشتراكي .. انتقلت من العزف إلى الغناء وأطمح لترسيخ اسمي في الساحة الفنية    «آثار على الضفاف»... عقد من الإبداع المغربي في المهجر يعرض في قلب الرباط    نصر مكري يكرم عمه محمود بأغنية «حتى أنا بعيوبي» ويستانف جولته الفنية        دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة        إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الكليشيهات» الإيديولوجية التي قامت عليها دولة إسرائيل الصهيونية
كتاب «رسالة إلى صديق إسرائيلي» يفضح عمق أزمة الهوية التي تعيشها إسرائيل
نشر في المساء يوم 23 - 05 - 2010

في رسالة مفتوحة إلى صديقه الإسرائيلي إيلي بارنافي، السفير السابق لإسرائيل في فرنسا، بسط ريجيس دوبريه أفكاره في سلسلة مواضيع تهم السياسة، التاريخ، المعتقد، وتتلخص في
قضايا الصهيونية، معاداة السامية، المحرقة اليوم، مخاطر الانطوائية، العالم الجديد، وإسرائيل المزدوجة. غير أن هذه المواضيع تتقاطع حول موضوع محوري هو انسياقات، بل انزلاقات إسرائيل نحو محو الآخر باسم «أحقية» التوراة.
يزاوج ريجيس دوبريه، وهو من مواليد 1940 بباريس، وعن استحقاق، بين تخصصات عديدة تغطي مجالات الفلسفة، النقد، الرواية، السياسة، الدين. انخرط مناضلا سياسيا، بل ثائرا في المجريات الكبرى والحاسمة للقرن العشرين، التي بصمتها أعلام ثورية من قبيل فيديل كاسترو، تشي غيفارا، بابلو نيرودا، سالفادور آليندي...، ومع ذلك يبقى دوبريه عصيا عن التوصيف والتصنيف في قالب أو خانة ضيقة. بعد تخرجه من مدرسة المعلمين، قام برحلة إلى كوبا عام 1961 ليعمل إلى جانب «كتائب محو الأمية»، التي أسسها فيديل كاسترو. في سنة 1963 حل بفينيزويلا لتصوير فيلم عن حرب العصابات، غير أنه ترك الكاميرا وحمل البندقية ملتحقا بصفوف الثوار. اعتقل ما بين 1967 و1971 بسجن بوليفيا. بعد إطلاق سراحه أقام لمدة عام في الشيلي قبل أن يعود إلى فرنسا سنة 1973. منذ ذلك التاريخ، وبعد تقلده لعدة مسؤوليات في هرم الدولة، بدعوة من الرئيس ميتران، تفرغ للكتابة والإشراف على دفاتر علم الإعلاميات Cahiers de médiologie التي أسسها عام 1996، وهي مجلة موسمية. ويناهز نتاجه اليوم 47 مؤلفا، شكلت، في كل مرة عند صدور أحدها حدثا ثقافيا وإعلاميا بامتياز.
كمثقف منخرط في زمانه، كان لزاما على ريجيس دوبريه، من باب الأخلاق السياسية والإنسانية، أن يعرض رأيه في قضية القضايا: القضية الفلسطينية. في أمريكا ثمة ضمير اسمه ناووم شومسكي. اليوم يمكننا القول إن القضية الفلسطينية، بعد مواقف وكتابات جان جينيه، جيل دولوز، جيزال حليمي، وآخرين، كسبت مع ريجيس دوبريه علما وازنا وصوتا ثقافيا خلخل الوسط الصهيوني وأتباعه في فرنسا وخارجها. ولا زالت تداعيات الهزة التي أحدثها كتابه «إلى صديق إسرائيلي»، الصادر هذا الأسبوع عن منشورات فلاماريون، في بداياتها الأولى.
في الإهداء، نقرأ: «احتفاء بدانيال بارنبوم، مؤسس الأوركسترا الإسرائيلية-العربية، الذي له شجاعة النظر بعيدا». بمعية إدوار سعيد، أسس دانيال بارنبوم «ديوان الشرق والغرب»، الذي جاب أكثر من دولة أوروبية، وعالمية بما فيها إسرائيل، للدفاع عن التقارب الفلسطيني-الإسرائيلي.
في رسالة مفتوحة إلى صديقه الإسرائيلي إيلي بارنافي، السفير السابق لإسرائيل في فرنسا، بسط ريجيس دوبريه أفكاره في سلسلة مواضيع تهم السياسة، التاريخ، المعتقد، وتتلخص في قضايا الصهيونية، معاداة السامية، المحرقة اليوم، مخاطر الانطوائية، العالم الجديد، وإسرائيل المزدوجة. غير أن هذه المواضيع تتقاطع حول موضوع محوري هو انسياقات، بل انزلاقات إسرائيل نحو محو الآخر باسم «أحقية» التوراة.
شجاعة القول والحوار
أدرك ريجيس دوبريه جيدا قبل كتابته لهذه الرسالة أن تدخله في القضايا التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وخاصة أرض فلسطين، قد تتسبب له في خصومات عديدة. وهو يعرف ويدرك جيدا، من موقع المسؤولية، دلالة المحنة التي عاناها اليهود. فقد سبق له أن ساهم إلى جانب سيرج وبيت كلارسفيلد في القبض على كلوس باربي، رئيس الغيستابو في مدينة ليون، والملقب ب«جزار ليون»، الذي فر بعد نهاية الحرب ليختبئ في بوليفيا. يتوجه دوبريه إلى صديقه مخاطبا: «قد ترد علي: لماذا لا تتوجه بنفس الانتقادات إلى صديق فلسطيني؟ أجيبك بأنه من الصعب توبيخ مهزوم وهو طريح أرضا. لا يحق لنا سوى محاسبة الأقوياء. أولئك الذين حالفهم النصر. غصبا عنك، وعني، ننتمي إلى هذه الحظوة. فيما تمارس التاريخ بشكل احترافي، أقاربه أنا مقاربة الهواة. لكن لا نخلط بين النزعة الإنسانية والإنسانوية». يقر ريجيس دوبريه بأن القواسم المشتركة التي تجمعه بمخاطبه كثيرة. لكن ثمة خلافات يشدد عليها، بحكم مراقبته لصيرورة ومفارقات المجتمع الإسرائيلي. أولى هذه المفارقات هي، من جهة، دينامية مجتمع يسعى إلى التجذر في الحداثة، ومن جهة أخرى، انسياقه في اتجاه ماض، يطل منه اليوم مدفع الدبابة الإسرائيلية «مركبة». «بلدك خليط من المفكرين الكبار وصغار السياسيين المحتالين، بين الهاي-تيك وأبخس الممارسات، بين أفلام جيدة وحروب مقيتة، بين الديمقراطية والميز العنصري، (ولا يوجد أي تعارض بين الاثنين)»...ويعبر دوبريه عن خوفه من انطواء اليهود على أنفسهم. إن حرب المائة عام التي ذهب ضحيتها آلاف القتلى من الجانبين، وأسالت الكثير من الدموع، الحبر، وقرارات الأمم المتحدة، لم تفض إلى أي نتيجة، يقول دوبريه.
بما أن إسرائيل تنصب نفسها محامية وممثلة للغرب في الشرق، تطلق العمليات التأديبية ضد الفلسطينيين باسم «الدفاع عن العالم الحر»، فقد أعطى ريجيس دوبريه لنفسه الحق، بصفته غربيا، في النظر في الكيفية التي تطبق بها إسرائيل القيم الغربية في الشرق.
في الصهيونية
خاطب دوبريه إيلي بارنافي قائلا: «عرفت نفسك يوما بأنك «صهيوني مناصر للفلسطينيين»، أي أنك مع قيام دولتين تتعايشان إلى جانب بعضهما البعض». في البداية تلقى دوبريه هذه الفكرة بنوع من الغبطة، قبل أن يقف عند نقائصها. أولى هذه النقائص هي تعبير «مناصر للفلسطينيين». لكن عن أية فلسطين يتحدث بارنافي؟ هل فلسطين الديمقراطية أو التيوقراطية؟ القبلية، الإقطاعية أم فلسطين متعددة الأديان؟ فلسطين التي تشجع فيها المبادرات؟ فلسطين التي تنفتح على الخارج؟ ثم ما دلالة «مناصر للصهيونية»؟ يتساءل دوبريه. أية صهيونية؟ الصهيونية الماركسية؟ الدينية؟ صهيونية حزب العمال؟ أو الصهيونية الفاشية؟ نحن أمام خمسة أو ستة أصناف من الصهيونية. كما أن الصهيونيات تتعدد بتعدد دعاتها : فصهيونية يودا مانيس المؤسس لجامعة القدس العبرية ليست هي صهيونية مارتان بوبر، بيرنار لازار، ميناحم بيغين، ليبيرمان، أو صهيونية توني بلير وآل بوش؟.
لقد تبخر حزب العمال وأصبح الجنرالات هم من يسير إسرائيل. أصبحت الدولة العبرية دولة عادية، تعمل بالمنطق الأمريكي. ب«اجتياح» الروس لإسرائيل، سقطت الدولة في كماشة اليمين الذي يكره كل ما هو اشتراكي. أما «الكيبوتز»، الذي أرادته إسرائيل أفقا عالميا ومنفتحا، فهو اليوم في حالة احتضار.
خطيئة إسرائيل الأصلية اسمها النكبة. لما طرد 800000 فلسطيني من أراضيهم بالسلاح، تبعا لخطة «داليت»، التي كان من ورائها قائد ذو هبة، ( بلشفي من دون شيوعية)، وجيش بلا رأفة: شطب القرى، أعدم المدنيين، وساق خارج أراضيهم أعدادا غفيرة من الفلسطينيين. حينها، لم يثر هذا التطهير العرقي غضب أحد في العالم الرحب. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف إسرائيل عن سن سياسة الهدم، التقتيل والاعتقال: هدمت 18000 بيت فلسطيني، اعتقلت أو أوقفت 750000 فلسطيني منذ عام 1967. ويوجد في السجون الإسرائيلية 11 ألف معتقل فلسطيني. كما يوجد في الضفة الغربية ما بين 500 و600 حاجز، وهي أمكنة الغاية منها الإهانة والتعنيف، يسمح فيها ليهودي نزل من المريخ أو من كوكب مارس، من نيويورك أو من أوديسا، بمعاملة الفلسطيني كأجنبي على بلده، والذي يناشد هذا الجندي الأجنبي بمنحه رخصة لكي يلتحق بفدانه لمعاينة جفاف شجرة الزيتون. استسلم شعب إسرائيل بعد أن ذاق ملذات النصر في حرب حزيران لنداء النافور ( الشوفار)، الصادع من الأعماق. لكن إسرائيل لم تستمع إلى تحذيرات بعض أنبيائها من أمثال يشاياو ليبوفيتش، الذي اعتبر انتصار إسرائيل في هذه الحرب «كارثة على البشرية وعلى دولة إسرائيل». المؤسف أن إسرائيل ليس لديها أي رغبة في تغيير سياستها. فالأربعة مليارات السنوية التي تمنحها الولايات لإسرائيل هي مبلغ لا يخضع لأي شروط، فيما بعض مئات الملايين التي يستفيد منها الفلسطينيون تقدم لهم تبعا لشروط قاسية.
بانقراض حلم الأوائل، عادت «أسطورة الكيبا»، أي المد الديني. وبدل دولة اليهود أصبحت إسرائيل «الدولة اليهودية». إنها العودة الكلية إلى صهيون، على المستوى الجغرافي، الزمني، واللاهوتي.
في معاداة السامية
ظاهرة معاداة السامية، وهي ظاهرة معروفة، هي في طور الانقراض، يقول ريجيس دوبريه. مبدأ كيان دولة إسرائيل يشكل جزءا من الهوية الجمهورية لفرنسا. كما أن تعبير «معاداة السامية» التي تمطرقها المؤسسات الإسرائيلية لنسبتها إلى مغاربيي أو سود الضواحي، هو لغايات أيديولوجية. فردود أفعال هؤلاء الشباب الناتجة عن البؤس والتهميش لا تطابق الدلالة المتعارف على مصطلح «معادة السامية». لا يدرك هؤلاء معناها ودلالتها. لقد أشار تيودور هيرتزل إلى أن معاداة السامية لن تتسبب في أي ضرر لليهود، بل على العكس قد تصقل شخصيتهم.
الفوبيا الوحيدة المتجذرة اليوم في فرنسا، والتي تجد ترجمتها على لسان بعض الوزراء، أو في المقالات الصحافية هي تلك التي تندد بالمآذن وليس بمعابد اليهود. إن كلمة «العرب» أصبحت اليوم بمثابة سبة. كما أن النقاشات التافهة حول الهوية الوطنية عينت ضحيتها المثلى: «العربي» كموضوع وحيد للامتعاض الفرنسي. النقاب وليس الكيباKipa. يجب الاعتراف بأن الصورة الرمزية لليهودي الفرنسي، ومن خلال ممثليه الرسميين، تقدمه ك«مدلع»
للجمهورية.
نظريا، لا تعترف الجمهورية بأي معتقد أو ديانة، لكنها عمليا خلقت أفضلية تجاه أماكن العبادة والحفلات الدينية. عند نهاية صيام «كيبور» مثلا، يتسابق نحو الكنيس الأكبر لباريس العديد من الوزراء وممثلي المعارضة. فيما الأعياد المسيحية (كاثوليكية وبروتستانتية)، والإسلامية لا تحظى بنفس العناية. أما فيما يخص أعياد المجموعات الإنجيلية السوداء فإن الشرطة هي التي تمثل السلطات!
في رده، يتفق إيلي بارنافي مع مضمون رسالة ريجيس دوبريه، لكن لم يفته أن عاب عليه افتقار الرسالة لمبدأ الحوار. يشير إلى أن فرنسا لا تتوفر على أشخاص ومثقفين قادرين على إدراك كنه التراجيديا التي تعرفها المنطقة منذ عقود. لإدراك حجم هذه الكارثة، فإن ذلك يتطلب ثقافة تاريخية، رفضا للكليشيهات الأيديولوجية، ويتطلب قبل ذلك النزاهة الثقافية. ذاك كوكتيل (مزيج) نادر. ريجيس دوبريه، وهو واحد من المفكرين والمثقفين، يجمع هذه الخصال. يعرف بارنافي نفسه بأنه «صهيوني مناصر للقضية الفلسطينية». ويضيف فكرة غريبة مفادها أن ثمة «صهيونية فلسطينية»، تستنسخ صهيونية إسرائيل، تنطلق من نفس الفرضيات، تنمي نفس الأساطير وتطمح إلى نفس الأهداف. لما تقوم الدولة الفلسطينية، ستمنح لنفسها نفس قانون العودة. سيتابع الأطفال الفلسطينيون الأصول المجيدة للأمة الفلسطينية، والتي تعود، كما يعلم ذلك الجميع، إلى غابر الأزمان، وستكون النكبة سندا سرديا وتاريخيا للدولة الفتية» (ص 134). يتنصل بارنافي، ليوافق بذلك ريجيس دوبريه، من الانسياق اللاهوتي الذي تعرفه إسرائيل اليوم والذي يجعل منها دولة أصولية. «لما أعاين الحمقى والتافهين الذين يدعون تجسيد الصهيونية، أقول في قرارتي إنه من الأفضل الإعلان عن وفاة الصهيونية». ويخلص بارنافي إلى القول، وهو بذلك يتفق مع دوبريه، إلى أن إسرائيل كيانان. كيان يعتنقه شخصيا ومتوجه نحو العالم، كيان علماني وعقلاني، وكيان وثني متمحور حول أرض مؤلهة وسجينة معتقدات عتيقة تستخلص منها أيديولوجية حديثة، غريبة عن الصهيونية وغريبة أيضا عن الدين اليهودي الكلاسيكي. كيانان ليس بينهما أي تراض أو توافق. ويتمنى بارنافي أن تتزايد أصوات شبيهة بصوت ريجيس دوبريه اعتبارا لوزنها الأخلاقي، الفلسفي والسياسي. بعد هذه المحاورة، بدأت ردود فعل الشجب تتحامل على ريجيس دوبريه. وقد انتظمت الجوقة المعهودة من كلود لانزمان إلى بيرنار هنري ليفي، أندريه غلوكسمان وآخرين، لاتهام دوبريه ب«المعاداة البدائية لإسرائيل»، وهو توصيف مكرور ومبتذل.
المحرقة تحولت إلى دين يلازم المخيل الغربي
المحرقة التي ينكرها البعض أضحت في المخيل الغربي دينا يلازم تاريخها، طقوسها، وذاكرتها. في فرنسا، تنظم أسفار حج لأوشفيتز، كما تحمل ذاكرة الحيطان، عبر النصب التذكارية، والبرامج الدراسية والتلفزيونية، هذه الذكرى التي صكت وإلى الأبد في الذاكرة الجماعية. وعلى غرار ما يحدث في إسرائيل، التي أدرجت «يوم المحرقة»، منذ عام 1951 كعيد وطني، مع دقيقة صمت وإغلاق للمقاهي ولقاعات السينما والعرض على غرار النصب التذكاري لياد فاشيم الذي له مقام مقدس في التقويم الوطني الإسرائيلي.
«كدت أذرف دمعة تحسر لما تقدم سفير إسرائيل أمام الكاميرات، في الوقت الذي حولت فيه الدبابات، الطائرات، غزة إلى حقل من الخراب، ليحكي أمام المشاهدين بشاعة الحياة تحت وابل قذائف القسام، ولجوء الأطفال الإسرائيليين إلى المخابئ...قدم السفير إسرائيل كما لو كانت بلجيكا هادئة وبريئة وتعرضت فجأة لهجمات مجرمين مثقلين بالأسلحة، تحذوهم غرائز قتل وتخريب. يبقى وجود الفلسطيني في أعين إسرائيل مرتبطا بالدم لا غير!» يقول ريجيس دوبريه.
يتفق هذا الأخير مع إيلي بارنافي بأن إسرائيل غير قادرة لوحدها على إنقاذ نفسها بنفسها. لكنه يخالفه في فكرة الدعوة إلى تدخل طرف ثالث ممثل في الولايات المتحدة. يمكن بالفعل لأمريكا وأوروبا أن تلعبا دورا، لكن شريطة أن لا يصب في الأخير لصالح السياسة الإسرائيلية. الخطر اليوم، يقول ريجيس دوبريه، هو أنه ما دامت إسرائيل تتجه نحو الغرب، فإن الشرق الإسلامي يدير ظهره لإسرائيل وللغرب. إن شركاء إسرائيل الذين أبرمت معهم إسرائيل سلاما باردا مثل مصر والأردن يحجبون في العمق مجتمعات معادية أكثر فأكثر لإسرائيل. حتى تركيا، الحليف العسكري والسياسي لإسرائيل، يبتعد بدوره عنها. إن أوروبا التي تتعرض، باستخفاف، بعثاتها الديبلوماسية، الإنسانية والحقوقية للإهانة، لا تقدر على الرد على تصرفات «البهدلة» هذه. إن الاعتماد على باراك أوباما للضغط على إسرائيل يبقى مجرد وهم. إن الخرائط الجغرافية التي تعدها بتأن الأمم المتحدة منذ سنوات تظهر سياسة القضم للأراضي الفلسطينية و«انفراخ» بقع المستعمرات على مدى واسع، الشيء الذي غير الملامح الفيزيقية لأرض فلسطين، طرقها ومعالمها، إلى درجة أن شركة Hertz، هيرتز، لكراء السيارات، شطبت خارطة فلسطين من دلائلها السياحية لتضع مكانها «الابتكارات العمرانية» الإسرائيلية!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.