نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في الشهر الماضي (يناير) محادثة هاتفية مثيرة للاهتمام بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ووفقا للتقرير، حاول أوباما إقناع نتنياهو، رغم العلاقة المتوترة بين الرجلين بسبب السياسة في الشرق الأوسط، بأن الوقت ليس مناسبا للقيام بعمل عسكري ضد إيران. وحذر أوباما زعماء إسرائيل، في هذه المكالمة الهاتفية، من خطورة العمل العسكري، وطلب منهم إعطاء فرصة للعقوبات الاقتصادية لإفقار الإيرانيين أولا كما فعلت مع العراق، والدعاية الدبلوماسية للإساءة إلى سمعة إيران، ومحاصرتها من كل الجهات ب44 قاعدة عسكرية أمريكية للاستعداد نفسيا للحرب على الأرض، وخلق الفتن الداخلية لتضليل الرأي العالمي عن طريق «الثورة الخضراء» التي صنعتها أموال واشنطن في إيران للاحتجاج على الانتخابات الرئاسية. وأشار تقرير الصحيفة إلى أن مسؤولين إسرائيليين كبارا، بينهم وزير الخارجية ورئيس جهاز الموساد، قد سافروا إلى واشنطن في الأسابيع القليلة الماضية لعرض قضيتهم بشأن سرعة تقدم البرنامج النووي الإيراني لصنع قنبلة نووية والتشديد على أن على إسرائيل أن تتحرك قريبا وبما فيه الكفاية، لأن إيران قد تنقل المعدات والمواد اللازمة لمنشآتها النووية تحت الأرض وستكون محصنة ضد أي ضربة عسكرية. وعندما فشل البيت الأبيض في لجم وإقناع الإسرائيليين بعدم الإقدام على «أية حماقات» قد تتسبب في الجحيم على الأرض، ذكرهم الرئيس أوباما بأنه صاحب القرار وبأن أمريكا، وليس إسرائيل، هي التي تهب المليارات من الدولارات سنويا إلى الدولة العبرية. ولإيصال الرسالة، سربت الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي، على شاشة قناة «إن بي سي»، أن إسرائيل تمول وتدرب الإرهابيين الإيرانيين (مجاهدي خلق) لقتل العلماء النوويين، من بينهم خمسة قتلوا منذ عام 2007. وكان هذا «التسريب» طريقة أخرى لإنذار الإسرائيليين بأن أوباما جدي، وأنه لا يريد المزيد من فرص تصعيد الحرب بين إسرائيل وإيران في الوقت الحاضر على الأقل. هذا مع العلم بأن المسؤولين العسكريين الكبار في واشنطن هم الذين خلقوا الانطباع بأن عملا من أعمال العدوان الإسرائيلي ضد إيران يعتبر محسوما، حيث روجت غالبية الصحف الأمريكية ووسائل إعلامها في الثاني من الشهر الجاري لما تفوه به وزير الدفاع الأمريكي، ليون بانيتا، الذي يعتقد أن إسرائيل ستهاجم إيران على الأرجح في غضون شهرين أو أربعة أشهر على أقصى تقدير. وسعت إدارة أوباما إلى تحقيق أقصى قدر من الدعاية لإعطاء التهديد الإسرائيلي مصداقية أكثر بتصوير إسرائيل على أنها مستعدة للهجوم. وكل هذه التحولات المفاجئة في سياسة أوباما تنبئ، بشكل كبير، بالتناقضات العميقة في صلب السياسة الخارجية الأمريكية. وجاءت تفجيرات كل من نيودلهي وتبليسي وبانكوك، التي تزعم أنها استهدفت أو كانت ستستهدف دبلوماسيين إسرائيليين، لتؤجج الوضع وتوظفها إسرائيل لتوسع حملتها على إيران باتهامها بالوقوف وراء هذه التفجيرات. وكانت ردة الفعل الأمريكية سريعة على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي أدانت «هذين العملين الجبانين» دون أن توجه أصابع الاتهام إلى إيران، لأن أمريكا تعرف مسبقا أن الموساد الإسرائيلي كان وراء عمليتي التفجير في نيودلهي وتبليسي، فالزوجان الإسرائيليان، شنيور ويافا زلمان، اللذان يعملان في جهاز الموساد الإسرائيلي يوجدان قيد الاعتقال في الهند من طرف المخابرات المركزية الهندية للتحقيق معهما في ترددهما على الهند وإقامتهما فيها منذ مارس 2010. ونقلت بعض التقارير الصحفية الأمريكية والإسرائيلية أن المخابرات الهندية كانت على علم مسبق بعملية سرية تعتزم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تنفيذها. وإذا كان من الثابت أن الدول التي تخطط لمثل هذه العمليات الإرهابية ليست بمنأى عن انتقام إسرائيل، فلماذا ليس هناك أي قلق من الدوائر الغربية من احتمال تنفيذ ضربة جوية انتقامية من قبل الإسرائيليين؟ يدرك رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، مثل كل رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين، أن ضربة إسرائيلية ضد إيران لا تتوقف فقط عند حدود تعاطف الولاياتالمتحدة معها، ولكنها تستدعي التدخل المباشر ضد إيران، وهذا ما رفضه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لإيهود أولمرت سلف نتنياهو، لسبب واحد وهو أن الولاياتالمتحدة تخاف من الكارثة بخوض حرب مفتوحة مع إيران. والمتتبع لتاريخ أمريكا يلاحظ أن فلسفة الحروب متجذرة ومؤسسة لثقافة البلاد وأن الدعوة إلى الانتقام وشهية إراقة الدماء هي أسمى الأهداف في السياسة الخارجية الأمريكية، لهذا خاضت الولاياتالمتحدة أربع حروب منذ عام 1990، غزت خلالها وقصفت وقتلت وشردت وهدمت أو احتلت ستة بلدان في تلك الفترة (باناما، الصومال، البوسنة، هايتي، العراق، أفغانستان)، مما أدى إلى وفاة الملايين من البشر، وورثت عنها ربيبتها إسرائيل التعطش إلى الدماء والخراب والدمار باحتلال فلسطين وغزت واحتلت جزءا كبيرا من لبنان 1982-1999، وأعلنت الحرب على كل العالم العربي لأكثر من نصف قرن واجتاحت قواتها النازية لبنان مرة أخرى عام 2006 وحاولت محو قطاع غزة من الخارطة سنة 09 - 2008. إلا أن أمريكا ومعها إسرائيل تخافان فجأة من القفز على الحبل المشدود من الطرفين، فواحدة تفضل تغيير النظام الإيراني على طريقة «الربيع المصري» بالتحضير لديكتاتورية عسكرية تحكم إيران وتنبطح لشروطها تماما كما يحصل حاليا في مصر، والأخرى تفضل الهجوم على منشآتها النووية، تساعدهما في ذلك وسائل الإعلام الغربية التي هللت على نفس الوتيرة لأزيد من ثلاثين سنة، ادعت معها أن إيران لا تفصلها سوى سنة أو سنتين للحصول على سلاح نووي، وعليه ستهدد السلام العالمي. هذا بالإضافة إلى وصف إيران على مدى أزيد من ثلاثين سنة خلت بكونها دولة مارقة وأكبر مصدر وممول للإرهاب ومساند لحزب الله وحماس «كمنظمتين إرهابيتين». وإسرائيل لا تكتسب قوة حتى تهدد إيران علنا التي لا تضعها حتى في حساباتها العسكرية. ويبقى التهديد مؤشر ضعف وعدم قدرة على تنفيذه، ولن تقدر إسرائيل أبدا على الخروج من الصرف الصحي لمواجهة إيران، والعرب تقول: الكلب الذي يعوي كثيرا، نادرا ما يعض. آه، كدت أنسى أن إسرائيل قوة نووية وتملك أكثر من مائتي رأس نووي يمكنها أن تمحي بها كل فرد إيراني مائة مرة. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تستعملها أولا ضد حفنة من رجال حزب الله الذين أذاقوها سوء العذاب سنة 2006؟ ولماذا لا تستعملها ضد قطاع غزة وتنتهي من مشكلة الفلسطينيين، هل لأنها تتحلى بالأخلاق الإنسانية الحميدة أم إنها أعجز من أن تطفئ النار في ثوبها؟ الخبر السيئ هو أن إدارة أوباما لازالت تستعد لحرب محتملة مع إيران في المستقبل بإيعاز من اللوبي الصهيوني وتشدد المحافظين الجدد، وتحاول أيضا شن حرب لا مفر منها من خلال جعل الدبلوماسية مستحيلة. هل هذه الحرب هي نفسها التي تنبأ بها الفيلسوف الفرنسي روجي غارودي؟ لا نعتقد!