تعتبر الحياة البشرية الإطار الذي انتظمت داخله مجموعة من العلاقات الإنسانية، متداخلة الأنشطة والاختصاصات. ومن هذا المنطلق، سعى بنو البشر، منذ عصر الإنسان القديم الذي كانت تخضع فيه العلاقات لمنطق الغاب المحكوم بهاجس الغلبة من أجل البقاء، إلى امتلاك أسباب المنعة والاستمرار في واقع مسكون بالبحث عن موازين القوى، ثم توالت بعد ذلك مجموعة من الشرائع الإنسانية قبل أن تأتي الشريعة الإسلامية، كما تم استحداث مجموعة من الآليات البديلة لتصريف أمور الحياة الإنسانية عبر إخضاعها لنظام تم الاحتكام فيه إلى دساتير تم تضمينها حقوقا وواجبات خاصة بالأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إن مسألة تنظيم الحياة الإنسانية لم تكن لتتم في معزل عن تجاذب المصالح الذي كان يصل في بعض الأحيان إلى نزاعات فردية أو جماعية، الأمر الذي يفسر لنا مأتى اهتمام مختلف الشرائع الإنسانية بالفصل في مختلف هذه النزاعات عبر اللجوء رزنامة ضوابط وقواعد وأحكام تتسم بسيادة منطق الزجر، وذلك إما من خلال طلب تحكيم حاكم القبيلة أو العشيرة أو التوجه إلى القضاء الذي لطالما اتسم بتعقيد مساطره وامتداد مساره، حيث ت طول مدد الحسم في القضايا المعروض عليه البت فيها؛ دون أن ننسى الدور الريادي الذي لعبته الشريعة الإسلامية في مجال تدبير النزاعات البينية ومجمل مناحي الحياة الإنسانية، وذلك من خلال اعتمادها إما على الحدود أو على بدائل أخرى تتسم بالسلم بعيدا عن منطق الزجر والعقاب في أفق تحقيق السلام، كالوساطة والتحكيم. وكما لا يخفى على أحد، فالحياة الإنسانية تخضع لسُنة التطور غير المحدود في الزمان والمكان، وبالتالي وانطلاقا من مفهوم العولمة المفرطة التي أصبحت تحكم العالم بأسره اليوم، والمتسمة بسرعة الأداء مقابل تعدد المعاملات، ظهرت نزاعات عابرة للحدود، الأمر الذي أدى بمختلف الدول، ومن بينها المغرب، إلى التفكير في استعمال آليات معالجة سلمية لحلها، ولاسيما الوساطة التي تعرف بكونها مرحلة متقدمة من التفاوض تتم بمشاركة طرف ثالث، إلى جانب طرفي النزاع، يعمل على تسهيل الحوار بينهما ومساعدتهما على التوصل إلى تسوية مرضية لكليهما. وجدير بالذكر في هذا السياق أنه لا يجوز للوسيط اتخاذ قرار بات في صلب النزاع، وإنما المطلوب منه أن يحصر دوره في محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين أو الأطراف وردم الهوة بينهما، وكذا في طرح الحلول البديلة أمامهم دون فرض أي منها عليهم، وإن كان البعض يذهب إلى أنه يمنع على الوسيط حتى القيام بطرح حلول بديلة على الأطراف. ومن جهة أخرى، فالوساطة تعتبر من بين الحلول البديلة لتسوية النزاعات والخلافات التي قد تنشأ بين الأطراف، وتكون ذات طبيعة مخالفة لما تقتضيه المساطر القضائية التقليدية الأصلية، فهي عملية إرادية/تطوعية غير إلزامية لفض النزاعات، يساعد من خلالها شخصٌ محايد (مؤسسة/هيئة/دولة) الأطراف في محاولتهما الوصول إلى حل متفاوض عليه. وقد تم إقرار الوساطة بمختلف الأنظمة القانونية والقضائية العصرية، وذلك بالنظر إلى ما توفره من مزايا، يتمثل أبرزها في المرونة والسرعة في البت، والحفاظ على السرية، وإشراك الأطراف في إيجاد الحلول لمنازعاتهم، هذا فضلا عن كلفتها المتواضعة نسبيا؛ وبالتالي وانطلاقا مما سبق ذكره، يتبن لنا أن كنه الموضوع المراد التطرق إليه بالدراسة والتحليل يمزج بين عنصرين أساسيين، ألا وهما الشريعة الإسلامية وتحديات العالم المعاصر في مجالات تطبيق الحلول البديلة لفض النزاعات، والتي تعتبر الوساطة نواتها الصلبة. الوساطة في الإسلام هي الشفاعة، وقد تكون شفاعة حسنة أو سيئة، والحسنة منها ما أعان على الخير وأوصل إلى تحصيل المباح دونما اعتداء على حق آخرين، وبالتالي فالاعتماد على الطرق البديلة في حل النزاع ليس بالجديد في الفكر الإسلامي، وهذا ما يستشف من الآية الكريمة: "وإن خفتم شقاق بينهما (أي بين الزوج والزوجة) فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" (النساء، الآية 35)، دون أن ننسى الدور الذي قامت به السنة النبوية الشريفة في تثبيت المعالم الرئيسة للوساطة كآلية من آليات تصريف النزاعات بطريقة ودية وسلمية؛ وخير مثال نسوقه في هذا الباب أنه عند إعادة بناء الكعبة، نشب نزاع حاد حول وضع الحجر الأسود، ذلك أن كل رئيس قبيلة من قبائل قريش الأربع المتنازعة حول هذه القضية كان متلهفا على الظفر بشرف وضع الحجر في موضعه من الكعبة، وحدث أن وصل النزاع إلى طريق مسدود، فتقدم أحد الزعماء بمقترح نال موافقة جميع الأطراف المتنازعة تمثل في أن من يدخل الحرم في صباح اليوم التالي أولا هو من سيحظى بوضع الحجر الأسود، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، هو أول من وصل إلى الحرم، لكنه، عليه الصلاة والسلام، بما أوتي حكمة وتبصر خارقين، لم يشأ أن يستأثر بهذا الشرف ويحرم منه الزعماء الآخرين لما قد يخلفه ذلك من وقع على نفوسهم، فطلب عليه السلام من القبائل المتنازعة أن تختار كل واحدة منها من ترضاه من سادتها، ثم بسط ثوبا من القماش على الأرض وضع وسطه الحجر الأسود، وطلب من ممثلي تلك القبائل أن يتقاسموا شرف وضع الحجر الأسود في مكانه بأن يمسك كل منهم، إلى جانبه عليه السلام، بطرف من أطراف ذلك الثوب ويرفعوه معا إلى موضعه من الكعبة، فتسنى بهذه الطريقة تجنب مآلات كارثية لذلك النزاع بفضل الحكمة والبصيرة النافذين للنبي، صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي يبين لنا أن الشريعة الإسلامية قد دشنت، من خلال كتاب الله وسنة رسولنا المصطفى، سيدنا محمد عليه أزكى الصلاة والسلام، لاعتماد الوساطة كآلية فريدة لفض النزاعات بطرق سلمية بين المتنازعين احتكاما إلى القاعدة الفقهية القائلة بأن تسوية الخلافات بين المسلمين أمر مسموح به، ولكن ليس بالاتفاق على جعل الحرام حلالا والحلال حراما. وتجدر الإشارة إلى أن الوساطة في الإسلام ينبغي أن تتأسس على مجموعة من الشروط التي من اللازم توفرها في القائمين بها، وتتجلى في أنه "ينبغي ألا يكونوا من الذين يرضون بالتحقيق السطحي أو التحري البسيط في القضية حتى يتم فحص كل شيء بشكل كلي، أكان مع أو ضد، وعندما تشتبه أو تغمض عليهم بعض الأمور ينبغي أن يتوقفوا ويذهبوا إلى مزيد من التفاصيل حولها"، وفي نفس المضمار يقول الإمام علي: "إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التقسيط فيها عند إمكانها". وفي مجلده الواسع عن الفقه الفاطمي، أفرد الفقيه الهندي المسلم البارز الدكتور آصف أصغر علي فيضي فصلا كاملا عن " آداب القضاة"، معتمدا على كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان (ت 974 ه)، الفقيه الإسماعيلي الفاطمي. وبخصوص سيرة القاضي، بيَّن الدكتور فيضي أنه: "ينبغي أن يكون القاضي صبورا لا يظهر ضيقه لأي طرف، ويصدر حكما فقط عند وجود بينة واضحة بشكل ظاهر". وحسب الماوردي، الفقيه المسلم الكبير، فإن القاضي يقضي في النزاعات ويحل الاختلافات والتباينات بتحقيق التراضي بين الطرفين. ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إن الشريعة الإسلامية قد شكلت النواة الأساسية لميلاد الوساطة واعتبارها آلية سلمية بديلة في حل النزاعات وتسويتها خارج السياق الرسمي التخاصمي، إذ غالبا ما يرفع المتقاضيان إلى المحكمة أن المصلحين أجروا الصلح بينهما، مشيرين إلى أن التسوية تمت خارج المحكمة. هذا، وتعتبر النصوص القانونية الدستورية الأداة الرئيسية التي تعتمد عليها مختلف دول العالم في تصريف قضاياها، سواء في علاقتها بالمؤسسات أو بالأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق، تم تضمين دساتيرها مجموعة من النصوص القانونية التي تروم، في مجموعها، صون الحقوق والحريات في أفق استكمال ورش البناء الديمقراطي لدولة الحق والقانون، وبالتالي فمجمل المنازعات التي يمكنها أن تقع تمَّ التنصيص عليها في أبواب قانونية تتضمن مجموعة العقوبات الزجرية التي من شأنها تصحيح المسار وإرجاع الأمور إلى نصابها. إلا أن معظم الدول، إن لم نقل كلها، لم تقف عند العقوبات القضائية في حل نزاعاتها مع الأطراف الأخرى، بل نجد أنها قد سعت كذلك إلى تطبيق آليات بديلة في حل مثل هذه النزاعات كالوساطة، فالقانون الأردني للأحوال الشخصية لعام 1976، قد تضمن في مادته ال132 إجراء موسعا حول الوساطة، إذ حدد بتفصيل واسع الإجراء الحالي الذي ينبغي أن يتبع وشروطه، من بين ما ينبغي توفره في المسندِ إليهم دورُ الوساطة من صفات أن يكونوا من ذوي السمعة الحسنة والاستقامة الأخلاقية للتدخل في تحفيز المصالحة، ويجب أن يكون أمثال هؤلاء الأشخاص من ذوي الخبرة والنزاهة والقدرة على تقريب المواقف ووجهات النظر وإيصال طرفي النزاع إلى التراضي والتصالح. كما توجد شروط شبيهة بهذه في قانون الأحوال الشخصية في أقطار مثل سورية ومصر والكويت وليبيا والجزائر والمغرب وتونس وإيران وماليزيا، وكذلك في قانون الأسرة المسلمة لباكستان. وتجدر الإشارة إلى أنه، في العصر الحالي، أصبحت مكنة الوساطة من بين أهم الآليات البديلة لحل النزاعات التي أعطت نتائج إيجابية في عدد من دول العالم، ولاسيما أن المؤتمر العاشر لهيئة الأمم المتحدة، الذي انعقد في فيينا، ناشد الدول المؤتمرة بإيجاد الآليات الكفيلة بتحقيق العدالة التصالحية بين الأطراف. ومن مستجدات هذه المسطرة أن القانون المقارن شهد تحقيق السبق في الأخذ بمسطرة الصلح، ومن ذلك التشريع الأمريكي والمصري والفرنسي، إذ عمد القانون الفرنسي إلى الأخذ بمسطرة الصلح بموجب القانون رقم 315-99 في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، وهي نفس المادة (41) من قانون المسطرة الجنائية المغربي التي تتضمن بدورها مقتضيات تجيز الصلح. والنصوص القانونية المغربية كثيرة في هذا الباب، سواء تعلق الأمر بقوانين الشكل أو بقوانين الموضوع. العباس الوردي