يقتحم كتاب «عن طريق الخداع» الأقبية السرية لجهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد»، ويتوغل في عوالمه المثيرة، من خلال الكشف عن عمليات غيرت مجرى التاريخ. ولأن فيكتور أوستروفسكي أكثر من شاهد على الخداع، فإن روايته للحوادث التي ساهم في ترتيبها وحبكتها، تتميز بالدقة في تقديم المعلومة، مما يجعل للكتاب أكثر من قيمة تاريخية وسياسية، خاصة حين يميط اللثام عن الحروب والدسائس التي يعرفها الجهاز، مما يضفي عليه صورة مروعة. تنشر «المساء» أبرز العمليات التي تضمنها هذا الكتاب، وتقدم السيناريوهات الخطيرة التي نسجها جهاز الموساد، على امتداد العمليات التي استهدفت الدول العربية، سيما التي يعتبرها الجهاز «تهديدا» للوجود الإسرائيلي في المنطقة. هكذا أرسل يهودا جيل الذي يتكلم اللغة العربية إلى الخرطوم، وانتحل صفة ممثل شركة سياحية بلجيكية ترغب في تنظيم رحلات سياحية يتمتع الرواد فيها بالغطس في البحر الأحمر ومشاهدة الصحراء السودانية. اقتصر عمل جيل على الحصول على الأذونات اللازمة، التي قد تتطلب تقديم رشاوى لعدد من المسؤولين للتعجيل بإجراءات ترخيص شركته السياحية، ثم استأجر منزلا في الجزء الشمالي من الخرطوم وباشر عمله، وفي الوقت نفسه طار رجل آخر من تسافريريم، ومن هناك إلى بورسودان، ومن ثم قاد السيارة على طول الشاطئ إلى الرجل الذي يدير الغطس الصغير. وشاء الحظ أن الرجل مل المكان، وبعد مساومة مطولة وافق الرجل على الذهاب إلى بنما وأصبح لناديه مالك جديد. بدأ الموساد يرى في العملية بساطا سحريا آخر، وقرر استخدام طائرات هيركوليز لإخراج الفلاشا جوا، لكن ذلك يتطلب توسيع المخيم بشكل كبير لتغطية العملية. في الوقت ذاته رتب جيل المسائل المتعلقة بتسجيل شركته الجديدة، وبدأ يعد لاستقدام أفواج سياحية لزيارة الموقع، وقد اكتشفوا فيما بعد وجود سفينة غارقة على بعد 100 ياردة من الشاطئ على عمق يقارب 65 قدما، وكان هذا عاملا جيدا للغطس في المياه الضحلة، وجاذبا للسياح. وفي الموقع باشروا جولة للبحث عن عمال من بين السكان المحليين، وفي الوقت نفسه قام مسؤولو تسافريريم في تل أبيب بتجنيد الطباخين ومدربي الغطس وباقي الطاقم اللازم لإدارة المنتجع، وتم انتخاب المجندين من أولئك الذين سبق لهم أن شاركوا في عمليات سابقة لتسافريريم، ومروا خلال الاستخبارات البحرية لإيجاد الغواصين الضروريين للعمل كمدربي غطس للسياح، وتم جمع فريق من 35 إسرائيليا للإسراع بضبط أوضاع المنتجع، وكانت لكل منهم مهمته الخاصة، لكن نظرا لضيق الوقت تم تقسيم العمل على الفرق، وقسم العمال المحليون إلى أربعة فرق يعمل كل فريق أربعة أيام، وقد يأتي فريق إسرائيلي أثناء الليل للعمل على إنجاز البناء بسرعة نظرا لأن كل فريق من العمال المحليين يأتي للعمل مرة كل أربعة أيام، لذلك كان طبيعيا أن يعودوا ويجدوا أجزاء البناء قد اكتملت. أما بالنسبة للعمال الإسرائيليين فقد كانوا يتغيرون بانتظام هم أيضا، لكن بدلا من الدخول في إجراءات الحصول على وثائق خاصة لكل واحد منهم، تم عمل وثائق لكل فريق تحمل الأسماء ذاتها لجميع الفرق، وهكذا حتى لو تبدل الأشخاص كانوا يبدون رسميا وكأنهم في الفريق ذاته. وقد حصلوا على إذن بإحضار ثلاث سيارات لاندروفر وشاحنتي بيك آب صغيرتين. لكن في الحقيقة كان لديهم 9 سيارات، فقد قاموا باستنساخ نسختين عن كل رخصة أو لوحة للسيارات الإضافية، وكادت العملية تنهار بسبب خطأ سخيف، فقد قرر أحدهم أن يحضر شحنة من السجاد الاصطناعي الذي يشبه العشب الأخضر بواسطة سفينة إنزال ليلا، وحين حضر فريق من العمال المحليين صباح اليوم التالي وجدوا أمامهم حقلا أخضر واسعا في مكان لم يكن فيه سوى الرمل منذ مئات السنين، لكن لحسن الحظ تابع العمال عملهم دون كلام، فيما عدا بعض النظرات الفضولية. وفي الخرطوم قام جيل بطباعة النشرات الإعلامية عن النادي، وقام بتوزيعها على وكالات السياحة في أوربا، عارضا أسعارا خاصة للأفراد، ولم يفسح عن أي مجال للمجموعات، والحكمة من ذلك أن أفراد المجموعات غالبا ما يكونون من أناس يعرفون بعضهم البعض، وبالتالي فهم أشد فضولا وحبا لمعرفة ما يجري حولهم. استغرق بناء المنتجع ما يقارب الشهر. وإضافة إلى البناء الرئيسي الخاص بالسياح والمطبخ وغرف النوم وما إلى ذلك، كانت هناك عدة أماكن لوضع أجهزة الاتصال والأسلحة فيها. كما أحضروا سرا كل ما يلزم من أدوات لإنارة مدرج المطار المرتجل في الصحراء. أما الطعام والإمدادات الضرورية الأخرى فكان يتم إحضارها بواسطة زوارق الصواريخ التي كانت تصل لمسافة بضع ياردات عن الشاطئ، على بعد حوالي نصف ميل من المنتجع. ونظرا لوجود نصف دزينة من العمال المحليين يعملون في المنتجع، فقد كان من الضروري معرفة مكان وجودهم قبل إحضار أي شحنة حتى لا يفاجئوا أي سفينة محلية إسرائيلية أثناء تفريغها. وبينما كانت هذه العملية ماضية حسب التخطيط كانت عملية الموساد الأخرى الخاصة بالطائرة البلجيكية تسير حسب المخطط أيضا، وكان الموساد يدفع مبالغ طائلة لرشوة المسؤولين السودانيين. في المنتجع كان الإسرائيليون يدرسون الاستخبارات الخاصة بنظام الرادار السوداني، ووجدوا في نهاية الأمر ثغرة صغيرة في ذلك النظام تغطيها بشكل جزئي أنظمة الرادار المصرية والسعودية في منطقة رؤوس الحداربة، وهي منطقة جبلية قرب الحدود الفاصلة بين مصر والسودان، حيث يمكن لطائرة أن تحلق على ارتفاع منخفض دون أن تُكتشف. لذلك استقر الرأي على أن تغادر طائرة هيركوليز القاعدة الجوية في إيلات، وهي قاعدة فوق خليج العقبة والبحر الأحمر، نزولا إلى تلك الثغرة في التغطية الرادارية المعادية قبل أن تطير متجهة إلى ممرات الهبوط التي تم إعدادها في الصحراء.