يقتحم كتاب «عن طريق الخداع» الأقبية السرية لجهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد»، ويتوغل في عوالمه المثيرة، من خلال الكشف عن عمليات غيرت مجرى التاريخ. ولأن فيكتور أوستروفسكي أكثر من شاهد على الخداع، فإن روايته للحوادث التي ساهم في ترتيبها وحبكتها، تتميز بالدقة في تقديم المعلومة، مما يجعل للكتاب أكثر من قيمة تاريخية وسياسية، خاصة حين يميط اللثام عن الحروب والدسائس التي يعرفها الجهاز، مما يضفي عليه صورة مروعة. تنشر «المساء» أبرز العمليات التي تضمنها هذا الكتاب، وتقدم السيناريوهات الخطيرة التي نسجها جهاز الموساد، على امتداد العمليات التي استهدفت الدول العربية، سيما التي يعتبرها الجهاز «تهديدا» للوجود الإسرائيلي في المنطقة. لإيجاد أماكن ملائمة لهبوط الطائرات أحضروا أربعة طيارين إسرائيليين إلى المنتجع انتحلوا صفة أدلاء سياحيين للصحراء. وبهذه الطريقة يستطيعون التجول في الصحراء بشكل قانوني، وتحديد المواقع اللازمة على خارطة معهم، كما أوضحوا للعاملين في المنتجع كيفية إعداد ممرات الهبوط، وأرشدوهم إلى الأبعاد المطلوبة والأنوار والاتصالات. بقيت عملية إخراج الفلاشا تحديا صعبا بالنسبة لمنظمي العملية، على الرغم من كل الصعوبات التي ذللت، ففي ذلك الحين كان هناك مئات الألوف من الإثيوبيين السود، الذين فروا من الحرب والجوع في بلادهم، وتدفقوا على معسكرات اللاجئين في السودان. لذلك كانت هناك مشكلة أخرى هي كيفية معرفة اليهود من بينهم. للقيام بذلك وافق بعض الفلاشا الشجعان ممن وصلوا إلى إسرائيل في وقت سابق، والذين قد يتعرضون للقتل إذا قبض عليهم، على الذهاب إلى تلك المعسكرات لتنظيم شعبهم هناك في مجموعات، وسرعان ما انتشر خبر هذا المشروع بين الفلاشا الذين احتفظوا به سرا مغلقا بينهم، ولم يطل الأمر حتى كانت المرحلة الثانية من المشروع جاهزة للتنفيذ. وفي مارس 1984 وصلت الدفعة الأولى من السياح الأوربيين، وبدأ الحديث يدور بين الدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين السودانيين في الخرطوم عن هذا المنتجع الرائع. الآن أصبحت الخطة جاهزة لتنفيذ المرحلة النهائية، فقد أعد ممر لهبوط الطائرات في الصحراء ومكان يتجمع فيه اللاجئون، ثم يؤخذون في رحلة مرهقة مدتها 6 ساعات للوصول إلى ممر هبوط طائرة الهيركوليز. وقد كان من المفروض أن يكون هناك 100 شخص للرحلة الواحدة، لكن غالبا ما يتجمع ضعف هذا العدد في الشاحنات: أناس ضعاف هزيلو الجسم يتكومون تحت خيمة في رحلة طويلة قاسية. وقد مات المئات من هؤلاء الفلاشا الذين هددهم الجوع والمرض خلال هذه المرحلة من الرحلة، ومات مئات آخرون على متن طائرة الهيركوليز المزدحمة، ولكن لأنهم يهود فقد أخذوا، بقدر ما سمحت الظروف، إلى إسرائيل لدفنهم بطريقة لائقة. في الليلة الأولى كان يبدو أن الأمور تسير دون أي عائق، وكان من المفروض أن يلتقي الجميع في البقعة المتفق عليها، وبعد أن تجنب منظمو العملية جميع حواجز الطرق السودانية وصلوا إلى المدرج قبل وصول الطائرة، وما إن ظهرت في عتمة الليل وسط أنوار المدرج واستدارت متجهة نحو الفلاشا حتى تملكهم، هم الذين لم يسبق لهم أن شاهدوا مثل هذا الشيء، رعب عظيم. وهكذا تفرق الفلاشا المئتان في مختلف الاتجاهات إلى أي مكان يخفيهم عن هذه الآلة المرعبة، ولم يستطع الإسرائيليون أن يعثروا على أكثر من 20 شخصا منهم، وبعد التفتيش مرة أخرى اتخذ قرار الإقلاع على أن يأخذوا باقي الفلاشا في اليوم التالي. وبحلول الصباح تمكنوا من العثور على الجميع، باستثناء امرأة عجوز تمكنت بأعجوبة من الرجوع إلى معسكر اللاجئين بعد مسيرة 3 أيام، وذهبت إلى إسرائيل في رحلة لاحقة. بعد هذه التجربة قرر الإسرائيليون أن يبقوا الفلاشا في السيارات حتى تهبط الطائرة وتتوقف وتفتح أبوابها الخلفية، ثم يقودون بعدها السيارات ويقتربون من الطائرة وينزلون الركاب ويصعدونهم إليها. حتى وقت انتشار عملية موسى الأخرى استمرت عملية النقل الجوي الصحراوية هذه دون صعوبات تذكر. كانوا ينقلون الفلاشا كل ليلة تقريبا، وفي بعض الليالي كانت تقلع طائرتان أو ثلاث دفعة واحدة بهدف إخراج أكبر عدد ممكن من الفلاشا في أقصر وقت ممكن. لم يخل الأمر من صعوبات غير متوقعة، ففي إحدى المرات فوجئت شاحنة فارغة بحاجز طرق سوداني. وبما أن السائق والجالس إلى جانبه لم يكونا يحملان أي بطاقة هوية، فقد أوقف الرجلان من قبل الجنديين السودانيين المناوبين وقيدا ووضعا في خيمة مجاورة. والهدف من حواجز الطرق هو تتبع نشاطات متمردي الجنوب. وحين تأخر الرجلان في العودة إلى المنتجع أرسل فريق للبحث عنهما، وحين تم رصد مكانهما أعدت على عجل شاحنة المنقذين. وهكذا سارت بشكل طبيعي من الحاجز وصرخ السائق على السجينين في الخيمة بأن ينبطحا أرضا لحظة اقتراب الجنديين السودانيين من الشاحنة، وفتح الباب الخلفي فانطلقت منه رشقات من بندقية رشاشة أردتهما قتيلين، ثم أشعل الإسرائيليون النار في الخيمة وثبتوا صخرة على دعاسة البنزين في الشاحنة الأخرى وأطلقوها في الصحراء كي يجعلوا الأمر يبدو وكأنه هجوم للمتمردين. ومرة أخرى فوجئت شاحنة بحاجز للطرق، لكن عندما توقف السائق فتح جنود العدو النار على الشاحنة، مما أدى إلى مقتل الراكب، في حين واصل السائق سيره. في تلك الليلة بالذات في بداية يناير 1985 وصلت رسالة من إسرائيل تحمل أوامر بطي الموضوع فورا. وفي الخرطوم حزم يهودا جيل بضعة أشياء شخصية بسرعة، إضافة إلى بعض وثائقه وصعد إلى أول طائرة مسافرة إلى أوربا، ومن هناك إلى إسرائيل. وبينما كان السياح نائمين في منتجع البحر الأحمر حمل الإسرائيليون جميع معداتهم على ظهر إحدى السفن ووضعوا سيارة لاندروفير وشاحنتين على متن طائرة الهيركوليز وانسلوا بهدوء خارج البلد. أما حاييم الياز الذي كان مسؤولا عن المنتجع، فقد سقط من شاحنة أثناء تحميلها في طائرة وكسرت ساقه، وبعد ساعتين ونصف عاد إلى إسرائيل ليستمتع بتملق زملائه ويأسف لأن مسؤولا ثرثارا ومراسلا صحفيا أوقفا، فجأة، واحدة من أنجح عمليات الإنقاذ السرية. ولسوء الحظ بقي بضعة آلاف من الفلاشا دون أن تطالهم «عملية موسى».