قبل حرب المحاكم.. بنشماش وخصومه في معركة أخيرة لحشد الأنصار    العثماني: الحكومات المتعاقبة حرصت على تنزيل الرؤية الملكية في الأقاليم الجنوبية    بالصور…نفوق حوالي 6 ابقار ببلفاع بسبب الحمى القلاعية    تنفيذا لتوجيهات الملكين محمد السادس وعبد الله الثاني: اتفاقية تعاون في المجال العسكري والتقني ومذكرتي تفاهم للتشاور السياسي    الجزائر تستقبل كأسها.. شعب “الخضرا” يحتفل مع نجوم منتخبه بلقب “الكان” -صور    "كابوس العطش" يعود إلى جماعات تنغير .. واحتجاجات على الأبواب    مدير مراقبة الحدود بوزارة الداخلية: المغرب ليس دركيا لأوروبا    خيبة محلية وتألق جزائري.. هذه أبرز تفاصيل "الكان" في حلته الجديدة    الجزائر تعلن احتجاز إيران إحدى سفنها النفطية بمضيق هرمز    حمد الله يهنئ المنتخب الجزائري: ” مبروك خوتنا.. ” – صورة    30 مليارا إسبانية في خزينة الدولة المغربية لمحاربة الهجرة    لاعبو الرجاء يحتفلون بتتويج الجزائر    ماالذي قدْ حَلَّ بطائرِ البحر ؟!    المحكمة تبت في الدفوع الشكلية الأسبوع المقبل وزيان: “أين هي هشاشة المشتكيات”    بالصور ...العرض السياحي يتعزز بمنتزه للسباحة والرياضة والترفيه بمراكش    اختناقات مرورية على طول 688 كيلومترا في فرنسا    مهنيو قطاع الدواجن ينتقدون المذكرة المشتركة بين وزارتي الفلاحة والداخلية    العيون.. تحقيق قضائي في وفاة شابة عمرها 24 سنة    الفنانة المغربية "خولة حسين" تشارك في ملحمة وطنية بعنوان "عيدك عيدنا" بمناسبة عيد العرش المجيد    الرميد يعترف: المغرب يعيش مشاكل واختلالات على المستوى الحقوقي    "أونسا" يحجز أسماكا فاسدة تقصد مطاعم بمراكش    الرباط.. فرقة مكافحة العصابات تتدخل لقوة لتوقيف مجرمين خطيرين    شركة إسرائيلية تتباهى باختراقها واتساب.. فهل تعاقبها أميركا؟    المكتب المركزي للأبحاث القضائية: إيقاف فرنسي من أصل مغربي بمكناس لتورطه في أنشطة متطرفة وإجرامية بفرنسا    من بين 30 دولة أجنبية : الناظور تمثل المغرب في المهرجان الدولي "أطفال السلام" بسلا    الملك محمد السادس يشكر العاهل السعودي    جريمة قتل خطيرة تهز حي الألفة بعد قتل شاب لجدته بالبيضاء    عناصر فرق المراقبة تحجز “345 كلغ” من مخدر الشيرا وتعتقل إسبانيين بباب سبتة    الرباط .. معرض للصور يستعرض منجزات الشركة الوطنية للطرق السيارة    فرنسا: اعتقال 198 جزائريا في أعمال شغب رافقت احتفالهم في باريس بفوز فريقهم بكأس افريقيا    بصفة رسمية…إستدعاء الفوج الأول للمجندين في إطار التجنيد الإجباري.    الهداف النيجيري إيغالو يعتزل اللعب دوليا    عملية اختراق إلكتروني تستهدف الشرطة البريطانية    شعراء الهايكو يرسمون قصائد ملونة بين منحوتات الوزاني ومعزوفات حميد الحضري    بعد فوز « ثعالب الصحراء ».. عصام كمال يتغنى بتتويج الجزائر    نجوى كرم تهدي عطرها إلى إليسا.. والجمهور يتهمها بالتسويق    صاحب الجلالة يعين أعضاء المجلس الوطني لحقوق الانسان    دون أن تُفسدي صيفَهم.. هكذا تتعاملين مع تناول أطفالك للمثلجات    أجواء حارة وسحب غير مستقرة السبت بعدد من المدن    جهة بني ملال - خنيفرة ضيف شرف معرض "سماب إكسبو" بميلانو    لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم    قضية "فتاة الملاح": الوكيل العام بالرباط يؤكد متابعة المتورطين بجناية القتل العمد    " المجتمعات و الإقتصاد الإفريقي نحو حكامة جيدة، الطموحات وآليات العمل " عنوان النسخة 1 للندوة الدولية لمجلس عمالة المضيق الفنيدق.    خط بحري جديد بين المغرب واسبانيا    كشف علمي مثير.. حليب الأم يذيب الأورام السرطانية    الملك محمد السادس :فوز الجزائر بمثابة تتويج للمغرب    في ظل تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران.. السعودية توافق على استضافة قوات أمريكية لتعزيز أمنها    المجلس العسكري السوداني يحسم تسليم مسألة البشير للجنايات الدولية    الجريني من عالم الغناء والثمتيل إلى عالم التحكيم    السكري يزيد خطر قصور القلب لدى النساء أكثر من الرجال    وزارة الفلاحة الإسبانية: قوارب الصيد الأوروبية ستعود لشواطئ المغرب الاثنين المقبل    الجزائر بطل إفريقيا 2019 والثاني في المسار التاريخي    سيسيه: نستحق الفوز.. وأهنئ الجزائر بلقب الكان    أسباب العطش أثناء النوم    الكونغو الديمقراطية تفرض إلزامية غسل اليدين بمناطق تفشي إيبولا    مبدعون في حضرة آبائهم 17 : محمد العمري ، علاقتي بالوالد رحمه الله استيعاب وانفصال    أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة    استعدادا لموسم الحج.. رفع كسوة الكعبة ثلاثة أمتار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أسرار العفو الملكي بالمغرب.. صلاحيات متفردة ورغبة في تنفيس الاحتقان السياسي
نشر في اليوم 24 يوم 17 - 06 - 2019

العفو هو واحد من الصلاحيات الواسعة والمتفردة للمؤسسة الملكية، يمارسه الملك بشكل حصري، طبقا للفصل 58 من دستور 2011، إذ يمحو عقوبة المدانين كاملة أو ما تبقى منها. فإذا كان العفو قد حسم نقاشه من الناحية الفكرية والفقهية، فإن صلاحيات ممارسته من طرف جهات أخرى خوّل لها الدستور ممارسة هذا الحق نفسه كالبرلمان مثلا، لازالت منعدمة. ومازال هذا الحق السيادي للمؤسسة الملكية محاطا بكثير من السرية. في هذا الملف تقف “أخبار اليوم” على جزء من أسرار العفو بالمغرب، وتحقق في أهدافه الظاهرة والخفية.
لقد تسبب العفو الملكي قبل ست سنوات على “البيدوفيل” الإسباني دانيال كالفان، مغتصب الأطفال المدان بثلاثين سنة سجنا نافذة، في كشف جزء من أسرار وطابوهات العفو والطريقة التي يتم بها إعداد لوائح المستفيدين من العفو، ساعتها سيضطر الملك محمد السادس أن يصدر تعليمات صارمة لوزارة العدل من أجل اقتراح إجراءات من شأنها تقنين شروط منح العفو في مختلف مراحله. أغلب التعديلات أو الترميمات التي همّت ظهير العفو، كانت إما لأسباب سياسية أو تقنية اقتضاها تحيين التشريع. ودون ذلك، فقد بقي الأمر من الطابوهات التي لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها سواء أكانوا سياسيين أو برلمانيين. باستثناء بعض الدراسات العلمية التي تناولت هذا الحق الملكي المتفرد.
وحسب محمد شقير، الباحث في الشؤون الدستورية والأمنية، فإن الحديث عن العفو الملكي، هو حديث عن قرار سيادي مرتبط بمنظومة سياسية تلعب فيها المؤسسة الملكية الدور الرئيس، يكون فيها العاهل المغربي هو الشخصية المتفردة بالعديد من الصلاحيات، وفِي مقدمتها منح العفو، فهو كما له صلاحيات أن يعاقب، فهو في الوقت عينِه لديه صلاحيات لكي يعفو. وهذه ممارسة متداولة في التاريخ السياسي بالمغرب، وتم تكريسها من خلال دستور 1962، الذي منح للملك لوحده الصلاحية في إصدار العفو.
الملك هو الشخصية الوحيدة التي يمكن لها التفرد بهذه الصلاحية، بخلاف دول وأنظمة سياسية أخرى، التي يكون فيها العفو من صلاحيات البرلمان أو المؤسسات التشريعية، فالملك بالمغرب هو الوحيد الذي يمتلك هذه الصلاحية. وهنا يطرح التساؤل عن دلالات هذا العفو الذي يلعب دورا سياسيا كبيرا، بحيث أن الملك يمارسه في مناسبات معينة، أو في ظرفيات سياسية، والتي غالبا ما تكون في مناسبات دينية أو وطنية، إذ يقوم الملك بالعفو عن العديد من المحكومين بمختلف العقوبات.
المثير في سرية العفو أنه يكون سبيلا وحيدا للتخفيف من التوترات، فالعفو الملكي، عادة ما تكون له أهداف سياسية وتنظيمية. بالنسبة إلى الأهداف السياسية، فالملك يعمل على محاولة الحد من الاحتقان السياسي بسبب بعض الأحداث كما وقع في حراك الريف وجرادة، أو بسبب ما وقع في عهد الملك الراحل الحسن الثاني من انتفاضات شعبية وانقلابات عسكرية.
العفو قد يكون متنفسا سياسيا لامتصاص غضب شعبي، لكنه في قضايا أخرى، يؤكد عبدالرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري، فهو “محاولة لبناء واقع سياسي جديد، كما وقع حين تم العفو عن مجموعة من المبعدين، كالديوري، والسرفاتي، ورفع الإقامة الجبرية عن عبدالسلام ياسين، فهو عفو خاص لم يمارسه الملك والمغرب يمر من أزمة، وإنما كان الهدف منه، حسب العهد الجديد التأسيس لمرحلة سياسية جديدة، لأن الملك كان بحاجة إلى كل الأصوات الداعمة، ولم يكن راغبا في استمرار القلاقل السياسية. وقد يكون العفو في حالات أخرى رغبة في استقطاب بعض النخب السياسية، والعمل على دمجها في مؤسسات الدولة وفقا لأجندة خاصة، وفي ظرف سياسي معين.
هكذا يمارس محمد السادس حقه المتفرد في العفو عن رعاياه
العفو بالمغرب حق سيادي للملك والبرلمان، منصوص عليه في منطوق الدستور المغربي في الفصل 58. وعلى الرغم من أن البرلمان المغربي له صلاحية إصدار عفو شامل على السجناء والمعتقلين السياسيين، غير أنه لا يجرؤ على ممارسة هذا الحق إلى الآن، إذ ظل العفو في الممارسة الدستورية والسياسية بالمغرب مجالا محفوظا للمؤسسة الملكية منذ الاستقلال، ينتج عنه سقوط العقوبة كليا أو جزئيا، أو استبدالها بعقوبة أخف، ويمكن أن يكون فرديا أو جماعيا.
وفي الوقت الذي كانت فيه كل الأرقام تشير إلى ارتفاع في عدد المستفيدين من العفو الملكي، خلال السنوات الماضية عشية تدبير الانتقال الديمقراطي بين فترة الملك الراحل الحسن الثاني وخلفه الملك محمد السادس في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن هذا الحق الدستوري المحصور لملك المغرب، سيتراجع بخصوص عدد المستفيدين منه تدريجيا منذ سنة 2015، حيث انخفض عددهم إلى النصف (نحو 6562 سجينا)، مقارنة مع السنة التي قبلها، حيث ناهز عدد المشمولين بالعفو نحو 14127 سجينا، قبل أن يتراجع هذا الرقم السنة الماضية 2018، ليصل إلى 4028 سجينا فقط.
يمارس ملك المغرب حقه السيادي والمتفرد بالعفو عن المساجين والمحكومين من طرف المحاكم المغربية في ثمانية مناسبات دينية ووطنية، وهي: عيد الفطر والأضحى، والمولد النبوي، وفي أعياد العرش، والمسيرة الخضراء، وذكرى ثورة الملك والشعب، وعيد الاستقلال، وفي ذكرى 11 يناير 1944.
وحسب المهتمين لا يوجد منذ الاستقلال وإلى اليوم، أي قانون تنظيمي يؤطر حيثيات العفو ويضبط حالات استعماله، فهو يُمارس في سرية تامة، فالعفو الملكي يتم تقنينه بالظهير الشريف رقم 387-57-1، الذي صدر في 21 فبراير 1958. وهو الظهير الذي عُدّل في بعض المحطات، بسبب الضجة التي أثيرت حول استفادة دانيال كالفان، مغتصب أطفال القنيطرة.
ويحدد الفصل التاسع من الظهير الشريف مكونات لجنة التحضير للوائح المستفيدين من العفو، إلا أن اللافت، حسب المهتمين، أن الديوان الملكي له نفوذ كبير في تحديد المعفى عنهم، إلى جانب لجنة الشؤون الجنائية والعفو التي تبقى هي المسؤول الأول عن تحديد لوائح من لهم الأحقية في الاستفادة من العفو الملكي، بحيث أن اختصاص هذه اللجنة هو زيارة السجون والبحث في سوابق السجناء وتصرفاتهم حتى تستنتج على إثرها مجموعة من الخلاصات والاعتبارات، والتي على أساسها تقدم لائحة للعفو إلى الملك في الأعياد والمناسبات. ورغم هذه الصلاحيات إلا أن اللجنة تبقى ضعيفة الفعالية ومحصورة الصلاحية أمام نفوذ الديوان الملكي الذي يجسد الإرادة الملكية التي تتفرد بممارسة العفو على رعايا الملك.
وتتكون لجنة الشؤون الجنائية والعفو من عضوية كل من وزير العدل، بصفته رئيسا لهذه اللجنة، إلى جانب مدير الديوان الملكي، والرئيس الأول لمحكمة النقض، والوكيل العام لدى هذه المحكمة، وعضوية مديري الشؤون الجنائية والعفو وإدارة السجون، بالإضافة إلى تمثيلية مسؤول عن الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية يعينه وزير الدفاع، إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة للقوات المسلحة، ويمكن أن ينوب عن كل هؤلاء ممثل عن كل واحد منهم.
عرف المجتمع المغربي قضية العفو الملكي لما طرحت مسألة مغتصب الأطفال، بعدما عفا الملك عن 48 إسبانيا من بينهم مغتصب 11 طفلا، ما أدى إلى استياء عارم المجتمع المدني من هذا العفو، لأنه، حسب الكثيرين منهم “لم يحترم مشاعر الضحايا”، الأمر الذي اضطر القصر ساعتها على سحبه لهذا العفو الاستثنائي، داعيا آنذاك، مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، إلى الإشراف على تعديلات جديدة شدد الملك على تضمينها في قانون العفو.
تمتيع الملك بحق العفو، أثار العديد من النقاشات وانقسم بشأنه المجتمع المغربي إلى فئتين، فئة “تطالب بتقنين حق العفو الذي يبقى حقا متفردا للمؤسسة الملكية وأجهزة الدولة ومؤسساتها، ليشمل البرلمان العاجز عن ممارسة حقه في إصدار العفو الشامل، لما يمكن أن يشوب عمليات العفو من اختلالات أو محسوبية”.
وفئة أخرى “تساند استمرار حق العفو، لكن بقيود قانونية، مستندة في هذا الشق لما لِحقّ العفو من إيجابيات في تصحيح المسار السياسي ورد المظالم إلى أهلها، معتقدة أن العفو الملكي عمل نبيل يدخل ضمن اختصاصات الملك الذي يجب أن يستفيد منه سجناء مغاربة وأجانب، لكنها تشدد على أن عملية الاختيار يجب أن تخضع لمقاييس أخلاقية وقضائية صارمة للغاية”.
أنواع العفو التي مارستها الملكية
عرف تاريخ المغرب صدور أنواع مختلفة من العفو الملكي، إذ تتوزع حول “العفو مما تبقى من عقوبة الحبس أو السجن، والتخفيض من عقوبة الحبس أو السجن، وتحويل السجن المؤبد إلى المحدد، والعفو من العقوبة الحبسية أو مما تبقى العفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة، والعفو من عقوبتي الحبس والغرامة، والعفو من الغرامة لفائدة..، كما شملت قرارات العفو تحويل حكم الإعدام إلى مؤبد أو محدد”. هل يحق للملك العفو عن الحق العام فقط، أم عن الحق الخاص أيضا؟
حسب المهتمين بالمسار الذي سلكه العفو بالمغرب منذ الاستقلال، فإن “العفو الملكي ظل إجراءً متفردا يُعفى به المدان من تنفيذ العقوبة، وهو قرار يمارسه رئيس الدولة، كما أنه ضارب في القدم كان يمارسه كبير القبيلة أو الملك، باعتباره صاحب السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية”. ونتيجة للصراع السياسي الذي مارسته المعارضة اليسارية في وقت من الأوقات، ظهر جليا منازعة الملك في ممارسة هذه السلطات، لأن رئيس الدولة هو من يعود له هذا الحق، لاعتبارات أدبية واجتماعية بخلاف ما كان شائعا في السابق، حيث كان يستمد العفو من مبدأ أن الأحكام القضائية تصدر باسم الملك، ويحق له ممارسة حق العفو عن المدانين في هذه الأحكام. وبناء على هذا كيف نظم المشرّع المغربي تدبير عملية العفو وسبل الاستفادة منه؟ وما هي الآثار القانونية والاجتماعية للعفو والانتقادات المهمة الموجهة لمؤسسة العفو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.