1. الرئيسية 2. اقتصاد قرار المغرب وقف تصدير السردين المجمد إلى الأسواق الخارجية يربك مصانع التعليب في إسبانيا الصحيفة - خولة اجعيفري الأحد 8 مارس 2026 - 22:53 أربك قرار المغرب تعليق تصدير السردين المجمّد، توازن أحد أهم القطاعات الغذائية في إسبانيا بعدما وجدت مصانع تعليب الأسماك في إقليم غاليسيا نفسها فجأة أمام اضطراب حاد في الإمدادات ومخزونات محدودة لا تكفي سوى لأسابيع قليلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الأوساط المهنية بالبلد من أن يتحول الإجراء الذي اتخذته الرباط لحماية سوقها الداخلية إلى أزمة تموين تضرب صناعة تعتمد منذ سنوات على السردين القادم من السواحل المغربية لضمان استمرارية إنتاجها. ولم يحتج المغرب إلى أكثر من قرار واحد حتى يهزّ واحدا من أكثر القطاعات الغذائية حساسية في إسبانيا، فمنذ أن أعلنت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، أن المملكة ستوقف تصدير السردين المجمّد ابتداء من 1 فبراير الماضي من أجل حماية التموين الداخلي وكبح الأسعار، دخلت صناعة التعليب الإسبانية في طور جديد من القلق وانتقلت الصحافة الإسبانية سريعا من متابعة خبر تجاري عابر إلى الحديث عن اضطراب يطال الإمدادات واليد العاملة وتوازن السوق، وحتى موقع المغرب نفسه داخل المعادلة التنافسية في أوروبا. وبالأساس، القرار الحكومي المغربي لم يكن موجها إلى إسبانيا ولا إلى الاتحاد الأوروبي، بل إلى الداخل المغربي. فالرباط بررت الخطوة بالحاجة إلى حماية العرض المحلي من السردين والحد من ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى المستهلك المغربي، في سياق تراجع الإمدادات وتقلّب السوق، خصوصا مع حساسية هذه المادة في الاستهلاك الشعبي مع دخول شهر رمضان، غير أن ما بدا في ظاهره إجراء سياديا لضبط السوق الوطنية انكشف في الضفة الأخرى من المتوسط باعتباره ضربة مباشرة لسلسلة تموين تعتمد عليها مصانع التعليب الإسبانية بشكل واسع ومهيكل، وليس فقط على نحو ظرفي أو ثانوي، ومن هنا بدأ الانزعاج الإسباني. فبحسب ANFACO-CYTMA وهي أبرز هيئة تمثل الصناعة التحويلية وصناعة التعليب البحري في إسبانيا، بلغت واردات إسبانيا من السردين المجمّد المغربي 27,400 طن خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أكتوبر 2025، وهو ما يمثل 94 في المائة من مجموع واردات إسبانيا من هذا المنتج من خارج الاتحاد الأوروبي. الصحافة الإسبانية التقطت هذا المعنى بوضوح، بل وبنبرة أقسى من البيانات المهنية نفسها، وتحدثت عن خطر "أزمة تموين" في قطاع التعليب الإسباني بسبب تعليق صادرات السردين المغربي، فيما نقلت صحف مثل La Razón وLa Voz de Galicia، تحذيرات من أثر ملموس على النشاط الصناعي وعلى الشغل، مع التركيز على أن المغرب لا يزود إسبانيا فقط بمادة أولية، بل يحتل موقعا يكاد يكون حاسما في الإمدادات الخارجية لهذا المنتج. ومع هذه التداعيات وجدت منطقة غاليسيا، الإقليم الذي يشكل العمود الفقري لصناعة تعليب الأسماك في إسبانيا صعوبة في تأمين السردين المغربي الذي يُنظر إليه باعتباره مادة تشغيل وصناعة وقيمة مضافة وسلسلة وظائف، لذلك بدا القرار المغربي في الإعلام الغاليسي أشبه بإشارة إنذار مبكرة. فالمصانع تشتغل نعم، لكن تحت ضغط خطوط الإنتاج التي لم تتوقف، واستمرارها لم يعد مضمونا والقطاع دخ مرحلة "هدوء متوتر" حيث يجري استهلاك المخزونات المتاحة بينما تقترب المصانع من لحظة اختبار حقيقية مع اقتراب الربيع. وهذه التداعيات لا ترتبط فقط بانقطاع الإمدادات المغربية، بل أيضا بضعف البدائل الجاهزة. فالصناعة الإسبانية كانت تراهن كعادتها، على أن يعوّض موسم الصيد المحلي جزءا من الخصاص لكن حتى هذا الرهان لم يكن مستقرا تماما. وبحسب المعطيات الرسمية الإسبانية، كانت حصة إسبانيا من السردين الإيبيري في 2025 عند 17,332.2 طن، مع تخصيص 10,132 طن لأساطيل الكانتابريك والشمال الغربي، أي المنطقة المرتبطة مباشرة بغاليسيا كما أن وزارة الزراعة والصيد والأغذية الإسبانية افتتحت المصيدة في الشمال الغربي بهذه الحصة نفسها تقريبا غير أن الإشكال لا يكمن في وجود حصة فقط، بل في أن الحصة وحدها لا تعني بالضرورة وفرة فعلية في السوق الصناعية بالوتيرة والجودة والتوقيت المطلوبين. الأكثر من ذلك أن الخلفية العلمية نفسها لا تدعو إلى كثير من الاطمئنان، فالمجلس الدولي لاستكشاف البحار (ICES) أوصى بأن لا تتجاوز مصطادات 2026 من السردين في المناطق الإيبيرية 38,978 طنا، مقارنة بإجمالي الحصص الوطنية لإسبانيا والبرتغال في 2025 البالغ 51,738 طنا أي أن التوصية العلمية تعكس مستوى أدنى بكثير من الكميات التي كان البلدان يشتغلان عليها في السنة السابقة. وهذا يعني ببساطة أن إسبانيا لا تواجه فقط أثر القرار المغربي، بل تواجهه في لحظة إيكولوجية وتنظيمية دقيقة، حيث لا يمكن التعويل بشكل مريح على البحر الإيبيري نفسه لسد الفجوة التي خلّفها توقف السردين المغربي. ولهذا السبب بالذات، لم تكتفِ الهيئات المهنية الإسبانية بوصف القرار المغربي بأنه مؤذٍ، بل ذهبت أبعد من ذلك ونعته بعض مسؤوليها بأنه " إجراء حمائي" وحجتهم أنه إذا كان المغرب يعلّق تصدير السردين المجمّد بحجة حماية سوقه المحلية، فإنه في المقابل يضمن المادة الأولية لمصانعه الوطنية، ثم يستطيع لاحقا تصدير المنتجات المحوّلة والمعلّبة إلى السوق الأوروبية، بما يجعل الصناعة الإسبانية تخسر مرتين، مرة عندما تُحرم من المادة الخام، ومرة عندما تنافسها المنتجات المغربية ذات القيمة المضافة داخل السوق نفسها التي كانت تعتمد عليها تاريخيا لتصريف إنتاجها. وهنا تحديدا يتحول القرار المغربي في القراءة الإسبانية، من مشكلة تموين إلى مشكلة تنافسية. فالأرقام التي قدمتها المنظمة الإسبانية نفسها تظهر أن الاتحاد الأوروبي استورد 17,538 طنا من تحضيرات ومعلبات السردين القادمة من المغرب بين يناير وأكتوبر 2025، بما يمثل 89 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد من خارج المنظومة الأوروبية في هذه الفئة. وفي الوقت نفسه، لم يتجاوز إنتاج الصناعة الإسبانية من معلبات السردين في 2024 حوالي 13,503 طن، وهذا الفارق في الأرقام هو الذي يفسر حدة الخطاب الإسباني. فالقضية ليست فقط أن المغرب أوقف توريد السردين المجمد، بل أن المغرب حاضر أصلا بقوة في سوق المنتجات النهائية، أي في الحلقة الأعلى من الربح والقيمة المضافة. بعبارة أكثر وضوحا، فإن إسبانيا كانت تريد من المغرب أن يظل موردا للسمة الخام بينما يحتفظ الإسبان لأنفسهم أو لنسبة مهمة منهم، بحلقة التحويل والتعليب والتصدير إلى أوروبا، وبالتالي فإن القرار المغربي أربك هذه المعادلة، فمن منظور الصناعيين الإسبان، لم يعد المغرب فقط شريك تزويد، بل صار منافسا يتحرك من أسفل السلسلة إلى أعلاها ويحتفظ بالسمك في الداخل يوجهه إلى مصانعه، ثم يقتحم السوق الأوروبية بمنتج نهائي. ومن منظور الرباط، لا شيء غير طبيعي في ذلك، بل دولة منتجة تسعى إلى توجيه ثروتها البحرية بما يخدم أمنها الغذائي وصناعتها الوطنية، فيما وبين المنظورين يتشكل جوهر الأزمة، وما كتبته الصحافة الإسبانية خلال يناير ومطلع مارس الجاري يعكس هذا الشعور بالارتباك. فبعضها ركز على الاعتماد المفرط على السردين المغربي، وبعضها ركز على مخاطر الشغل داخل المصانع الإسبانية، بينما ذهبت أصوات مهنية وإعلامية أخرى إلى التلميح بوجود شبهة تعارض مع الإطار القانوني المنظم للعلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وحتى مع قواعد منظمة التجارة العالمية، على الأقل من وجهة نظر هذه الهيئات. وفي هذا السياق، ما قاله روبرتو ألونسو الكاتب العام لANFACO-CYTMA، يلخص المزاج الإسباني كله تقريبا، فالقرار المغربي في نظره لا يضر فقط بالتجارة، بل يهدد النشاط الصناعي وفرص العمل، ويضرب مباشرة مصالح صناعة التعليب الإسبانية كما أن الاتحاد كان قد وجّه بالفعل مراسلات إلى السلطات المغربية منذ أكتوبر 2025 للتعبير عن القلق من احتمال اتخاذ هذا المسار. وهذا يعني أن القلق الإسباني لم يبدأ مع دخول الحظر حيز التنفيذ، بل كان يسبقه تحسس مبكر بأن الرباط تتجه إلى إعادة ترتيب أولوياتها في هذا الملف بما لا يراعي الحاجات التقليدية للمصنع الإسباني. والصناعة الإسبانية رغم خبرتها وتاريخها الطويل، بنت جزءا من استقرارها على افتراض جغرافي بسيط قرب المغرب واستمرار تدفق السردين منه، بيد أنه ومع مرور الوقت، تحوّل هذا القرب إلى شبه يقين إنتاجي، إلى أن جاءت لحظة اكتشفت فيها المصانع الإسبانية أن الدولة المنتجة قد تقرر بكل بساطة، إعادة توجيه المورد نحو الداخل أو نحو مصانعها الوطنية أولا.