شكلت المرجعيات النصية المؤسسة للتصوف في المملكة المغربية، وتطور وظائفه الاجتماعية والروحية، محور ندوة فكرية احتضنها المركز الثقافي أحمد بوكماخ بمدينة طنجة، مساء السبت، بمشاركة أكاديميين وباحثين في التراث الديني. وناقش اللقاء، الذي نظم تحت عنوان "التصوف بالمغرب: قضايا ووظائف" وسيره الإعلامي والشاعر عبد اللطيف بنيحيى، مسألة إعادة قراءة الظاهرة الصوفية وتخليصها من القوالب الجاهزة التي تحصرها في الممارسات الشعبية، نحو مقاربة علمية ترصد أدوارها التأطيرية داخل المجتمع. وحضر هذه الفعالية الثقافية ثلة من الأكاديميين والطلبة الباحثين والمهتمين بالشأن الديني والثقافي بمدينة طنجة، التي تعتبر تاريخيا إحدى أهم حواضر التصوف وملتقى للطرق الصوفية في شمال إفريقيا. وأفادت مديرة المركز الثقافي أحمد بوكماخ، إكرام عبدي، في كلمتها خلال الجلسة الافتتاحية، بأن هذه المبادرة تندرج ضمن الاستراتيجية العامة للمؤسسة الرامية إلى فتح الفضاء العمومي أمام نقاشات فكرية رصينة تقارب مكونات الهوية الروحية والثقافية للمغرب. وأوضحت المسؤولة أن استحضار موضوع التصوف في السياق الراهن يستهدف إتاحة المجال أمام الباحثين والمهتمين لإخضاع هذا التراث العريق لمجهر التحليل الأكاديمي، في ظل التحولات المجتمعية المتسارعة، مبرزة الأهمية القصوى لفهم الجذور التاريخية للممارسات الدينية وتأثيرها على حاضر الأجيال. في المحور الأول لأشغال الندوة، طرح الباحث في الفكر الإسلامي، عبد السلام المنصوري، مقاربة نقدية سعت إلى إعادة النظر في المسلمات التاريخية المتعلقة بالمرجعيات المؤسسة للتصوف المغربي عبر العصور. ودافع المنصوري بشراسة عن أطروحة علمية تعتبر أن المفكر أبا حامد الغزالي، من خلال مؤلفه الضخم "إحياء علوم الدين"، يمثل المرجعية الفعلية والأكثر تأثيرا في بناء وتوجيه النسق الصوفي بالمغرب، متجاوزا بذلك التأثير الرمزي المنسوب تقليديا للإمام الجنيد. وقال الباحث، مستندا إلى وثائق ومقروءات تاريخية، إن التداول الفعلي داخل الأوساط العلمية والصوفية المغربية تركز بشكل شبه كلي حول التراث المكتوب للغزالي، مسجلا أن التصوف المغربي في جانبه العملي "لم يعرف الجنيد إلا بالاسم وفي المتون المرجعية العامة ذات الطابع الشفهي". وعزا المتحدث هذا الحضور القوي والمهيمن للغزالي إلى المسار التاريخي المعقد لدخول كتاب "الإحياء" إلى المغرب الأقصى، مشيرا إلى الدور المحوري والموثق الذي لعبه العلامة أبو بكر بن العربي في نقل هذا المتن من المشرق الإسلامي عقب رحلته العلمية الشهيرة. وسجل المنصوري أن مؤلف الغزالي تجاوز طابعه الوعظي والأخلاقي البسيط ليتحول، بمرور الزمن، إلى مرجع مؤسس طبع المدونة الصوفية المغربية بالكامل، موجها سلوك المغاربة في مجالات التزكية وتشكيل ملامح التدين الفردي والجماعي. وفي المحور الثاني من الندوة، ركزت مداخلة الباحث والأكاديمي عبد السلام شقور على توجيه نقد لاذع للمقاربات المنهجية التي سادت لفترات طويلة في دراسة التصوف المغربي، مسجلا هيمنة واضحة للنظرة التبجيلية والتركيز المبالغ فيه على "المناقب" و"الكرامات" على حساب التحليل السوسيولوجي والتاريخي الرصين. وأوضح شقور أن الدراسات الحديثة والجامعية باتت مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتجاوز اختزال مؤسسات "الزوايا" و"الأضرحة" في أبعادها الغيبية والشعبية المحضة، والتوجه بجرأة نحو دراسة وتفكيك وظائفها العضوية داخل البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمملكة. وأكد الباحث أن الزوايا والطرق الصوفية شكلت، عبر محطات مفصلية وحاسمة من تاريخ المغرب الدبلوماسي والداخلي، مؤسسات صلبة للتأطير الروحي وآليات ناجعة لضمان التماسك الاجتماعي، لاسيما خلال فترات الانتقال السياسي أو الأزمات والجوائح. وأضاف أن وظائف هذه المؤسسات امتدت لتشمل مجالات حيوية كفض النزاعات القبلية، وتأمين الطرق التجارية، وإطعام العابرين والمحتاجين، وتأطير الساكنة المحلية، ما جعلها تتجاوز البعد التعبدي المحض لتلعب أدوارا سياسية واجتماعية واقتصادية بالغة الأهمية. وأشار شقور إلى أن هذا التركيب الوظيفي المعقد والمتداخل هو ما يفسر تاريخيا الاهتمام المتزايد للمستشرقين، وعلماء الاجتماع الأجانب، والإدارة الاستعمارية لاحقا، بدراسة التصوف المغربي، باعتباره مفتاحا استراتيجيا أساسيا لفهم طبيعة التوازنات الرمزية والمادية والسياسية داخل البنية المجتمعية المغربية. وخلصت أشغال الندوة، إثر نقاش تفاعلي موسع بين المحاضرين والجمهور، إلى صياغة توصيات تؤكد على الضرورة الملحة للتعامل مع التراث الصوفي كرافد حي وديناميكي من روافد الهوية الدينية للمملكة المغربية. وتندرج هذه الهوية، وفقا للأدبيات المؤسساتية المغربية، ضمن ثوابت الأمة التي تقوم على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وتصوف الإمام الجنيد السالك، مع التشديد المطلق على أهمية استمرار الفحص الأكاديمي والنقدي لهذا التراث المتشعب، بعيدا عن القراءات التبسيطية أو التوظيفات الإيديولوجية الضيقة، ضمانا لفهم أعمق لخصوصية التدين المغربي في سياقاته الإقليمية والدولية المعاصرة.