مروان بشيشي الجمعة 10 أبريل 2026 - 0:09 من "إعلانات الوعود" إلى صدمة الواقع... حكومة أخنوش بين تفويض 2021 واتساع فجوة الثقة في سنة 2021، كان المغرب يعيش لحظة سياسية مشحونة برغبة واضحة في التغيير، بل وبنزعة "تصويت عقابي" تجاه تجربة حزب العدالة والتنمية التي امتدت لولايتين، اعتبرها جزء واسع من المواطنين قد استنفدت رصيدها السياسي والاقتصادي، ولم تعد قادرة على مواكبة تراكمات اجتماعية واقتصادية متراكمة. لم تكن تلك الانتخابات مجرد تنافس حزبي، بل كانت أقرب إلى إعادة توزيع للأمل داخل المشهد السياسي نفسه. في المقابل، صعد اسم عزيز أخنوش بقوة في الخطاب العام والإعلامي، محمولًا بخطاب "النجاعة" و"التدبير المقاولاتي"، ومرتكزًا على صورته كرجل أعمال ناجح قادر على نقل منطق المقاولة إلى الدولة. جرى تقديمه، سياسيًا، كبديل عملي لسنوات من "الخطاب دون أثر"، وكحل تقني لمعضلة سياسية مزمنة: كثرة الوعود مقابل ضعف النتائج. ولم يكن هذا التصور مجرد خطاب انتخابي داخل القاعات أو البرامج الحزبية فقط، بل تحول إلى حضور قوي في الفضاء العمومي، حيث انتشرت الوعود بشكل مكثف في الحملات الرقمية والمحتوى السياسي على منصات التواصل الاجتماعي، في مشاهد أقرب إلى "إعلانات ممولة" تتكرر فيها نفس الرسائل: تحسين القدرة الشرائية، دعم التشغيل، وبناء الدولة الاجتماعية. هذا التكرار صنع انطباعًا لدى جزء من الرأي العام بأن الأمر لا يتعلق بوعود سياسية تقليدية، بل بمشروع جاهز للتنزيل السريع. ولم يكن هذا التصور نظريًا فقط، بل تسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث كانت النقاشات الشعبية تعكس هذا التفاؤل الحذر. في إحدى سيارات الأجرة الصغيرة في مدينة الدارالبيضاء، كان المشهد يلخص المزاج العام آنذاك. الراكب الأول، وهو موظف في منتصف العمر، قال بنبرة واثقة: "بصراحة، راه خاص شي تغيير... أخنوش عارف الخدمة، راجل ديال الاقتصاد، ماشي بحال السياسيين ديال الكلام فقط." الراكب الثاني، شاب في العشرينات، أضاف وهو ينظر من النافذة: "المهم يكون فعلاً عندو حلول، حنا عيينا من الوعود الكاذبة ديال كل مرة... ولكن باين عليه غادي يدير الفرق." السائق، وهو يستمع بصمت، تدخّل مبتسمًا: "الله يسهل... غير نتمناو هاد المرة يكون الخير، حيت كلشي كيوعد قبل الانتخابات." ذلك المشهد البسيط كان في جوهره تفويضًا سياسيًا واسعًا، منح الحكومة القادمة رصيدًا مرتفعًا من الثقة، ورفع سقف الانتظارات إلى درجة غير مسبوقة. لكن بعد سنوات قليلة، بدأت الهوة تتسع بشكل حاد بين ما وُعِد به المغاربة وما تحقق فعليًا، إلى درجة جعلت الخطاب السياسي يبدو وكأنه اشتغل بمنطق "تسويق مكثف للوعود" أكثر من كونه التزامًا قابلًا للقياس والتنفيذ. ففي ملف القدرة الشرائية، لم تعد المسألة مرتبطة بارتفاع ظرفي للأسعار، بل بتحول الغلاء إلى حالة شبه بنيوية مست مختلف المواد الأساسية، في وقت بدا فيه التدخل الحكومي محدود الأثر في حماية الدخل الحقيقي للمواطنين أو كبح المضاربات. وفي هذا السياق، برزت فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي قدّم وعودًا بتحسين الدخل والأجور، وبين الواقع الذي لم يواكب تلك السقوف المعلنة، ما جعل جزءًا من النقاش العمومي يعتبر أن السياسة تحولت من التزام اجتماعي إلى خطاب تواصلي أكثر منه برنامجًا تنفيذيًا. كما أثار الخطاب السياسي للأغلبية في أكثر من محطة جدلًا إضافيًا، خصوصًا مع تصريحات من قبيل " لمحققناش انتظارات المغاربة ف 2026 يجريو علينا بالحجر" للطالبي العالمي التي استُعملت في سياق الرد على الانتقادات، وهو خطاب عكس توترًا متزايدًا في العلاقة مع الرأي العام بدل تقديم أجوبة مقنعة حول الفجوة بين الوعود والنتائج. أما في قطاع الصحة، فرغم الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، والذي يمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا في فلسفة الدولة الاجتماعية، فإن تنزيله اصطدم بإكراهات بنيوية عميقة: خصاص في الموارد البشرية، ضغط على المستشفيات العمومية، ضعف في البنيات التحتية، واختلالات في جودة الخدمات. وقد زاد هذا الواقع من اتساع الهوة بين الحق المعلن في العلاج وبين إمكانية الاستفادة الفعلية منه، حيث يجد المواطن نفسه أمام منظومة صحية مرهقة لا تعكس حجم الإصلاح المعلن. وفي مجال التشغيل, بقيت نسب البطالة في صفوف الشباب والخريجين مصدر قلق مستمر، في ظل محدودية أثر البرامج المعلنة وغياب دينامية اقتصادية كافية لخلق فرص شغل مستدامة. وفي سياق هذا الاحتقان الاجتماعي المتراكم، برزت احتجاجات اجتماعية متفرقة تعكس عمق الأزمة، من ضمنها تحركات في قطاع التعليم، واحتجاجات للأطر التعليمية والطلبة والمعطلين عن العمل ، إضافة إلى نقاشات رقمية وميدانية " لجيل زد" و التي تعبر عن تزايد الإحساس بانسداد الأفق الاجتماعي لدى فئات واسعة. هذه التحركات، وإن اختلفت أشكالها، تلتقي عند نقطة واحدة: الشعور بأن الوعود الكبرى لم تتحول إلى تغيير ملموس في الواقع اليومي، سواء في الصحة أو التعليم أو التشغيل. سياسيًا، يبدو أن الإشكال الأعمق اليوم لا يكمن فقط في ضعف النتائج، بل في تآكل المصداقية التدريجية للخطاب السياسي نفسه. فحين تتحول الوعود إلى مادة تواصلية مكثفة في الحملات والفيديوهات والإعلانات، ثم لا تجد ترجمتها الكاملة على أرض الواقع، تتسع الهوة بين الحكومة والمجتمع بشكل يصعب تجاوزه بالتبرير أو التواصل. وهكذا، تتجلى الحصيلة في نهاية المطاف كمسافة واضحة بين "سياسة تسويق الوعود" و"اقتصاد الواقع اليومي". مسافة لم تعد مجرد قراءة نقدية، بل تجربة معيشة يلمسها المواطن في السوق، في المستشفى، وفي فرص الشغل. وفي النهاية، ما بين سيارة الأجرة في لحظة الأمل الأولى، وواقع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيدًا اليوم، يبقى السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل كانت الأزمة في حجم الوعود... أم في القدرة على تحويلها إلى أثر ملموس يعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسة؟ الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة