سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
نائب وزير الخارجية الأمريكي في الجزائر بمهمة "الحسم".. هل تتقبل الجزائر عرض "الشراكة الكبرى" مقابل التخلي عن سرديات الماضي وطي ملف الانفصال في الصحراء؟
1. الرئيسية 2. تقارير نائب وزير الخارجية الأمريكي في الجزائر بمهمة "الحسم".. هل تتقبل الجزائر عرض "الشراكة الكبرى" مقابل التخلي عن سرديات الماضي وطي ملف الانفصال في الصحراء؟ الصحيفة - إسماعيل بويعقوبي الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 12:00 في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حل نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو، مرفوقا بقائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون بالجزائر، في زيارة تحمل أبعادا تتجاوز الطابع البروتوكولي لتندرج ضمن دينامية دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن لإعادة ترتيب أولوياتها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وفي توقيت دقيق يتقاطع فيه المسار السياسي لملف الصحراء مع تصاعد التهديدات الأمنية في الساحل، ما يمنحها حمولة استراتيجية تعكس تحولات في مقاربة الولاياتالمتحدة تجاه شركائها الإقليميين، وعلى رأسهم الجزائر. وتشير طبيعة الأجندة المعلنة إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الجزائر فقط باعتبارها موردا مهما للطاقة، بل أيضا طرفا مركزيا في عدد من الأزمات الإقليمية التي باتت الإدارة الأمريكية تسعى إلى تسويتها ضمن مقاربة أكثر حسما، ولهذا السبب، فإن اللقاءات المرتقبة مع وزراء الخارجية والطاقة والمناجم والتجارة والدفاع تحمل بعدا مزدوجا بداية بعرض فرص تعاون واسعة، وفي الوقت نفسه وضع ملفات خلافية على الطاولة بشكل مباشر. ويأتي هذا التحرك الأمريكي بعد أيام قليلة فقط من اللقاء الذي جمع مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، بوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في أنطاليا التركية، وهو الاجتماع الذي اعتبرته دوائر متابعة محطة تمهيدية لزيارة الوفد الأمريكي الحالي، حيث أن اللقاء، وفق المعطيات المتداولة، لم يقتصر على العلاقات الثنائية، بل تطرق بوضوح إلى ملف مخيمات تندوف، والوضع في مالي، ومسار التسوية السياسية في الصحراء. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي إلى الجزائر بعدا تنفيذيا، باعتبارها امتدادا عمليا لتلك الرسائل، ومحاولة لترجمتها إلى تفاهمات ملموسة، فواشنطن، التي تبدو عازمة على طي واحد من أطول النزاعات في المنطقة، لم تعد تكتفي بإدارة الأزمة، بل انتقلت إلى مرحلة الدفع نحو الحسم، مستفيدة من متغيرات دولية وإقليمية، من بينها تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، وتغير مواقف قوى أوروبية مؤثرة. وتتقاطع هذه التحركات مع الإحاطة الأخيرة التي قدمها المبعوث الأممي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن، والتي تحدث فيها عن "زخم حقيقي"و"فرصة فعلية" للتوصل إلى حل سياسي دائم، هذا التوصيف، الذي يعكس تقدما نسبيا في المسار الأممي، يتعزز بمعطيات ميدانية ودبلوماسية، من بينها تقديم المغرب نسخة مفصلة من مبادرة الحكم الذاتي، واستعداده لمواصلة الحوار تحت إشراف الأممالمتحدة، مقابل دعوات موجهة إلى باقي الأطراف، وخاصة جبهة البوليساريو، لإبداء "تنازلات تاريخية". غير أن هذا المسار السياسي لا ينفصل عن التطورات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل، وخاصة في مالي، حيث شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا لافتا لهجمات منسقة نفذتها جماعات مسلحة ذات ارتباطات بتنظيم القاعدة اندمجت مع انفصاليي منطقة أزواد، وهو التصعيد الذي أعاد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة إلى الجزائر بشأن دورها في دعم أو احتضان بعض هذه الفصائل، وهي اتهامات تصدر بشكل متكرر عن السلطات المالية، وتجد صدى في بعض التقارير الدولية. وتبرز في هذا السياق ملامح ما يمكن وصفها بسياسة "العصا والجزرة" التي تعتمدها الولاياتالمتحدة في تعاملها مع الجزائر، فمن جهة، تلوّح واشنطن بإمكانية المضي قدما في مسار تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، وهو خيار يتم تداوله داخل أروقة "الكونغرس" ويحظى بدعم متزايد من المشرعين الأمريكيين وخصوصا الجمهوريين، في ظل تداول تقارير تتحدث عن تقاطعات بين بعض عناصر الجبهة وشبكات تهريب أو جماعات مسلحة في الساحل. ومن جهة أخرى، تعرض الولاياتالمتحدة على الجزائر آفاقا لشراكة موسعة تشمل مجالات الطاقة والتعدين والتعاون العسكري، إلى جانب إمكانية لعب دور في ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة المغاربية، حيث أن هذا العرض مشروط بانخراط الجزائر في مسار التسوية، وقبولها بمنطق "الواقعية السياسية" الذي تروج له واشنطن. وفي المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة معقدة، إذ إن أي تحول في موقفها من ملف الصحراء قد يُفسر داخليا كنكوص استراتيجي بعد عقود من الدعم لجبهة "البوليساريو"، في حين أن الاستمرار في الموقف الحالي قد يضعها في مواجهة ضغوط دولية متزايدة، ليس فقط من الولاياتالمتحدة، بل أيضا من شركاء أوروبيين عبروا بعن دعمهم لحل واقعي بالصحراء تماشيا والقرار الأممي رقم 2797 آخرهم النمسا وسويسرا والمملكة والمملكة المتحدة. ويزداد هذا التعقيد مع التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث فقدت الجزائر جزءا من نفوذها التقليدي لصالح قوى أخرى، من بينها المغرب، الذي عزز حضوره من خلال شراكات اقتصادية ودينية وأمنية مع عدد من دول المنطقة، بما في ذلك مالي، حيث أن هذا التحول في موازين القوى الإقليمية يفرض على الجزائر إعادة تقييم استراتيجيتها، خاصة في ظل بيئة دولية لم تعد تتسامح مع النزاعات طويلة الأمد. ومع اقتراب موعد تحديد مصير بعثة المينورسو، واستمرار المشاورات الأممية، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في رسم ملامح الحل النهائي لملف الصحراء، في ظل إرادة دولية متزايدة لإنهاء هذا النزاع، وتجنب انزلاق المنطقة نحو مزيد من التوترات الأمنية، وفي هذا السياق، قد تشكل الزيارة الأمريكية الحالية بداية مرحلة جديدة، تتداخل فيها الدبلوماسية بالاستراتيجية، والضغط بالتحفيز، في محاولة لإغلاق أحد أعقد ملفات القارة الإفريقية.