تشهد قضية الصحراء المغربية خلال الأسابيع الأخيرة دينامية دبلوماسية غير معلنة، تجري بعيدا عن الأضواء وفي إطار لقاءات محدودة التمثيل تخضع لإجراءات أمنية مشددة. وبحسب معطيات أوردتها مجلة "جون أفريك"، فإن هذه المشاورات التي تنعقد بين مدريدوواشنطن منذ مطلع سنة 2026، بمشاركة وفود رفيعة المستوى من المغرب والجزائروموريتانيا وجبهة البوليساريو، تتخذ شكل مسار تفاوضي ذي طابع أمني واستراتيجي، يتجاوز الشكل التقليدي للجولات السياسية.
ويقود الوفد المغربي، حسب نفس المصدر، وزير الخارجية ناصر بوريطة، مرفوقا بالسفير الدائم لدى الأممالمتحدة عمر هلال، إلى جانب حضور مسؤولين أمنيين، في مؤشر على تركيز المغرب على الربط بين المسار السياسي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
أما الجزائر، فتمثلها شخصيات دبلوماسية بارزة من بينها وزير الخارجية أحمد عطاف وسفيرها لدى الأممالمتحدة عمار بن جامع، ما يعكس إدراكا جزائريا لأبعاد الملف الجيوسياسية والأمنية. وتشارك موريتانيا بوفد يقوده وزير خارجيتها محمد سالم ولد مرزوق، فيما تمثل البوليساريو شخصيات من قيادتها السياسية والدبلوماسية.
وتفيد المعطيات التي أوردتها المجلة أن الولاياتالمتحدة تضطلع بدور محوري في تنظيم هذه اللقاءات، عبر مسؤولين مكلفين بالملف الإفريقي والعربي، وبحضور ممثلين عن أجهزة أمنية أمريكية. ويعكس ذلك توجها أمريكيا للتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها جزءا من معادلة أمنية أوسع تشمل استقرار منطقة الساحل وشمال إفريقيا ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وخلصت "جون أفريك" إلى أنه رغم استمرار حضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا في هذه المشاورات، إلا أن المؤشرات توحي بأن المسار الأممي لم يعد وحده المحدد الرئيسي للدينامية السياسية، في ظل تحركات موازية تقودها واشنطن بشكل مباشر. ويأتي ذلك في سياق قرارات مجلس الأمن الدولي الأخيرة التي أكدت أولوية الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق، ما يفسر انتقال النقاش تدريجيا من مستوى المبادئ العامة إلى تفاصيل الترتيبات الأمنية والمؤسساتية للحل.
ويعكس الطابع المغلق لهذه اللقاءات رغبة الأطراف الدولية في اختبار إمكانات التسوية بعيدا عن الضغوط الإعلامية والسياسية، كما يعكس إدراكا بأن أي تقدم محتمل يتطلب توافقات حساسة تشمل ملفات الأمن والحدود والتنمية الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو المشاورات الجارية وكأنها تمثل مرحلة انتقالية نحو صيغة تفاوضية أكثر براغماتية، تقوم على الربط بين الحل السياسي ومتطلبات الاستقرار في منطقة تواجه تحديات متزايدة، من الإرهاب والهجرة غير النظامية إلى التنافس على الموارد وممرات التجارة.
وأضافت المجلة أن المسار الحالي يقود إلى طرح تساؤلات حول قدرة الأطراف على تحويل هذه اللقاءات غير المعلنة إلى نتائج ملموسة، في ظل استمرار تباين المواقف وارتباط الملف بحسابات استراتيجية أوسع. ومع ذلك، فإن طبيعة التمثيل الرفيع وحضور البعد الأمني يشيران إلى أن القضية دخلت مرحلة إعادة صياغة قد تحدد ملامح التسوية في السنوات المقبلة.