تستقبل الأسر المغربية حجاجها بأشكال وأنواع من الاستقبالات، ويغلو البعض فيطلق العنان لتصرفاته من غير تقيد بالشريعة، ويفرط البعض فيمنع كل شيء حتى ما هو جائز في الدين. فمن الحرص على أن يبقى الأمر مكتوما لا يعلم أحد بذهاب الحاج ولا بعودته، إلى الاستقبال بالتمور والحليب، إلى الاستقبال بالذبح والطهي، إلى الاستقبال بالموسيقى والغناء. أشكال وأنواع بحسب ميول كل أسرة وقناعاتها. وإن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. وتلك هي مهمة العدول من العلماء، أن يذبوا عن الدين تحريف الغالين؛ وانتحال المبطلين؛ وتأويل الجاهلين. ونحن في هذه المقالة نود الحديث عن المقبول والمرفوض في عودة الحجاح. كما نريد أن نبين آداب الحاج بعد عودته. المقبول وغير المقبول في عودة الحاج أن يعود الإنسان إلى أهله سالما طاهرا من الذنوب والسيئات، فيفرح أهله وأصحابه بعودته، أو يفرح هو باللقاء بهم، أمر جائز في الشريعة الإسلامية، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفره ففرح بالناس بأن صنع لهم الطعام، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ''أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة'' قال البخاري: زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع جابر بن عبد الله:''اشترى مني النبي صلى الله عليه وسلم بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو درهمين فلمّا قدم صرارًا أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها...'' أخرجه البخاري ومسلم. وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحتفون بالقادم من السفر، سواء كان سفر عبادة كالحج والعمرة..أو سفر عمل كالتجارة وغيرها.. فلم يروا بأسا بالاحتفاء بالأكل وغيره. وكان الطعام الذي يصنعونه في هذا الاحتفال يسمى النقيعة، وهي طعام العائد من السفر. وقد عد الإمام النووي هذا الاحتفاء مستحبا من حيث حكمه، قال رحمه الله تعالى:" يستحب النقيعة، وهي طعام يُعمل لقدوم المسافر، ويطلق على ما يَعمله المسافر القادم، وعلى ما يعمله غيرُه ". فالاحتفال من حيث الأصل مشروع، ولكن الذي لا يجوز هو أن يرافق الاحتفال محرما من المحرمات، كالاختلاط الماجن؛ والتهتك والتزين والتعطر الفاضح الذي لا يكون إلا بين المحارم؛ أو التبذير والإسراف المنهي عنه بكل حال، وغيرها من المحرمات شرعا، فإنها غير مقبولة شرعا بهذه المناسبة أو بأية مناسبة أخرى. فإذا تجنب الناس المحرمات والأذى، فلا نرى بأسا باحتفالهم وفرحهم وتهنئتهم والتماس الدعاء من بعضهم. وهو باب من أبواب التشجيع على الطاعة، خصوصا إذا علمنا أن عبادة الحج من العبادات الظاهرة البارزة التي لا تخفى. وقد جعل الله تعالى عبادات بينه وبين خلقه إن أرادوا الستر والبعد عن الرياء، وجعل نوعا آخر من العبادات ظاهرة بارزة، وهي معالم الدين التي نعرف بها إسلام الدولة وأهلها، والحج والصلوات المفروضة والأذان والصيام المفروض عبادات تؤشر على إبراز شعائر الدين في المجتمع، ويقصد منها ذلك. فإذا استقبل الأهل عائدهم بالتمر والحليب أو نحر كبش أو غيره. أو عمل الحاج هو بنفسه ذلك لاستقبال المهنئين وأقاربه والأباعد، فلا حرج شرعا في مثل هذه التصرفات. ولكن ليس من الذوق ولا الشرع أن يستقبل الحاج عبادته بالأغاني والرقص والطرب..فهل كل من صلى وجب عليه أن يرقص ويغني؟!. لقد أمر الله تعالى بعد الانتهاء من العبادة أن يرفع العبد أكف الضراعة ويتوجه إلى ربه أن تثبت له عبادته ويوفق لطاعة أخرى، قال تعالى:" فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب"(سورة الشرح). للعودة من الحج آداب معينة الآداب هي خاصية الدين، ولزومها في العبادات آكدة. فإن الإسلام عنده العبادة، وعنده آداب العبادة. ومن الآداب الواجبة في حق الحاج: أولا: يجب أن نعلم أن جماع هذه الآداب قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه وهو يستعيذ من النكوص والعودة إلى الشر:" وأعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْر"(رواه مسلم، حديث رقم:1343). و الحَوْر هو النقصان والتراجع إلى الأسوأ. و الكَوْر هو الزيادة. والمقصود، أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الرجوع عن الاستقامة بعد أن كان عليها، وكذلك الحاج عليه أن يتعوذ بالله من العودة إلى السيئات وقد طهر من ذنوبه، ورجاؤه في ربه أن يكون حجه مبرورا، وسعيه مشكورا، فيعود إلى أهله بالربح العظيم وهو: الرجوع إلى الحياة طاهرا نقيا من كل ذنب كيوم ولدته أمه. ثانيا: وأرى أن على الحاج أن يحدث الناس عن ما يحبب هذه العبادة إلى نفوسهم من جميل ما حضره وعاشه، وأن يشوقهم إلى الحقائق الإيمانية التي ترفف في الأماكن المقدسة، وأن يتجنب الحديث عن ما رآه من الأعمال والتصرفات غير المقبولة ذوقا وشرعا، فليست هي الغالبة بحمد الله تعالى، وليست من الخير الذي ينشر ويشاع. فعلى الحاج أن يبتعد عن الحكي فيما لا يقبل شرعا وجوده في أي مكان، فضلا عن البقاع المقدسة. لأنه إن فعل يكون كمن يحب إشاعة الفاحشة والمنكرات، ويهون ركن الإسلام الخامس في النفوس. والمطلوب غير ذلك. ثالثا: الاجتهاد في لزوم الطاعات: ابتداء من الحرص على الصلاة وعدم تضييعها، ونوافل الطاعات، وتحسين الأخلاق ولوزم مكارمها... رابعا: الابتعاد عن المنكرات: وتكون بعدم التردد من النفور من جميع المحرمات، والبعد عن سيئها، كأكل الحرام أو التعامل بالربا أو الرشوة أو غيرهما من مساوئ المعاملات وسيئات الآداب. إن هذه الآداب المرعية هي علامات على الحج المبرور. فعندما تكون الآخرة هم العائد من حجه، ويزهد في دنياه ويجعلها مطية لأخراه، ويتصرف في الدنيا بميزان الآخرة. فذلك علامة القبول. وقد سئل الحسن البصري: ما الحج المبرور؟ قال: أن تعود زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة". إن الحاج الحريص على دينه واجب في حقه أن يحافظ على مكتسباته الإيمانية من فريضة الحج العمْرية، وإنه لا يدري في ظل الأوضاع الجديدة أيكتب له أن يعود أو يمنع كما منع آخرون، والذين لا زالت قلوبهم تهفو إلى البلد الحرام سنوات، ولم يكتب لهم بسبب نظام القرعة أن يختاروا لأدائها. فإذا كتب الله تعالى أن تكون ضيفا من ضيوفه، وأن يمكن لك للوقوف في البقاع المقدسة لأداء ما وجب عليك، فاحمد الله على هذه النعمة. وحمدها عندنا في الإسلام يكون بالطاعات، ولهذا ورد في دعاء السلف الصالح:" اللهم عرفنا نعمك بدوامها، ولا تعرفنا إياها بزوالها"، آمين، آمين.