في ظل النقاش المتواصل حول مستقبل الجامعة المغربية وتحديات إصلاح منظومة التعليم العالي، يطرح عدد من الأساتذة الجامعيين تساؤلات بشأن موقع البحث العلمي ضمن أولويات السياسات العمومية، خاصة في أفق الرهانات الكبرى التي أعلن عنها المغرب بحلول سنة 2030. وفي هذا الحوار مع جريدة شمالي، يتوقف الأستاذ الجامعي حميد النهري عند ما يعتبره مفارقة في المقاربة المعتمدة، مشيراً إلى وجود تحفيزات ضريبية مهمة لفائدة بعض القطاعات، في مقابل استمرار مطالب الأساتذة الجامعيين بإعفاء تعويضات البحث العلمي من الضريبة. كما يتطرق إلى علاقة هذه الإشكالات بإضراب الأساتذة الجامعيين، وبالتحديات المرتبطة ببناء اقتصاد المعرفة وتطوير الذكاء الاصطناعي في المغرب. الحوار: سؤال: شهدت الجامعة المغربية مؤخراً إضراباً للأساتذة الجامعيين. ما خلفيات هذه الخطوة؟ جواب – حميد النهري: الإضراب الذي خاضه الأساتذة الجامعيون يومي 3 و4 مارس 2026 جاء تنفيذاً لقرار اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي خلال اجتماعها المنعقد في 15 فبراير. ويهدف أساساً إلى التعبير عن رفض القانون رقم 59.24 الذي تم تمريره – حسب النقابة – دون إشراك الفاعل الاجتماعي الأساسي في القطاع. كما أن هناك تخوفاً من أن بعض مقتضيات هذا القانون قد تؤثر سلباً على مستقبل الجامعة المغربية. سؤال: إضافة إلى هذا القانون، ما أبرز المطالب التي يرفعها الأساتذة الجامعيون؟ جواب: هناك ملف مطلبي تعتبره النقابة ضرورياً لتحسين أوضاع الأستاذ الجامعي وتطوير الجامعة. هذه المطالب ليست امتيازات، بل شروط أساسية لجامعة يفترض أن تكون محركاً لاقتصاد المعرفة. ومن بين المطالب التي تعود إلى الواجهة باستمرار مسألة إعفاء تعويضات البحث العلمي من الضريبة. سؤال: لماذا يُعد هذا المطلب مهماً في نظركم؟ جواب: لأنه في الحقيقة مطلب بسيط إذا ما قورن بالرهانات الكبرى التي تتحدث عنها الدولة في أفق سنة 2030، مثل تنظيم كأس العالم 2030 أو إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. إعفاء تعويضات البحث العلمي لا يتعلق بامتيازات استثنائية، بل بتهيئة شروط الحد الأدنى لدعم البحث داخل الجامعة. سؤال: لكن الحكومة غالباً ما تبرر رفض هذا المطلب بالكلفة المالية. كيف ترون ذلك؟ جواب: هذا هو الجواب الذي يتم تقديمه عادة، وهو أن الكلفة قد تؤثر على التوازنات المالية. لكن عند قراءة السياسات الضريبية نجد أن الدولة عندما تريد دعم قطاع معين فإنها تجد دائماً هامشاً لذلك. سؤال: هل يمكن إعطاء مثال على ذلك؟ جواب: نعم، مثلاً في إطار الاستعداد لتنظيم مونديال 2030، تنص المدونة العامة للضرائب لسنة 2026، في مادتها 247، على خصم يصل إلى 90% من الوعاء الخاضع للضريبة لفائدة الرياضيين المحترفين سنة 2026، ثم نسب أقل في السنوات اللاحقة. كما تستفيد الشركات الرياضية من إعفاءات ضريبية أخرى. هذه الإجراءات تعكس اختياراً سياسياً لدعم قطاع كرة القدم باعتباره أولوية في هذه المرحلة. سؤال: في المقابل، كيف يتم التعامل مع تعويضات البحث العلمي؟ جواب: تعويضات البحث العلمي تخضع للضريبة بشكل كامل وفق المادة 60 من المدونة العامة للضرائب، دون أي امتيازات أو تحفيزات. وهنا تبرز المفارقة: قطاع يحظى بتحفيزات كبيرة، بينما قطاع المعرفة والبحث العلمي يظل يطالب بشروطه الأساسية. سؤال: تحدثتم أيضاً عن رهان الذكاء الاصطناعي سنة 2030. كيف يرتبط هذا الموضوع بوضع الجامعة؟ جواب: العالم اليوم يعيش سباقاً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي، والدول الرائدة تخصص نسباً تتراوح بين 2.5% و4% من ناتجها الداخلي الخام للبحث العلمي، إضافة إلى تحفيزات ضريبية مهمة. في المغرب، لا يتجاوز التمويل حوالي 1% من الناتج الداخلي الخام. سؤال: وهل يمكن تطوير الذكاء الاصطناعي دون جامعة قوية؟ جواب: التجارب الدولية تظهر العكس تماماً. الذكاء الاصطناعي لم يبدأ في الشركات، بل في المختبرات الجامعية. الولاياتالمتحدة والصين والهند استثمرت أولاً في جامعاتها، ثم جاءت الشركات لاحقاً كنتيجة لهذا التراكم العلمي. لذلك يصعب تصور منظومة قوية للذكاء الاصطناعي دون جامعة قوية وممولة بشكل كافٍ. سؤال: في الختام، كيف تلخصون هذه المفارقة؟ جواب: المشكلة ليست في دعم الرياضة ولا في دعم المقاولات الناشئة، فكل ذلك ضروري. لكن السؤال الحقيقي يتعلق بترتيب أولويات السياسة العمومية: هل نركز على ما يمنحنا صورة عالمية لأسابيع، أم على ما يمنحنا قدرة معرفية لعقود؟ الجامعة اليوم تحتاج إلى دعم حقيقي إذا أردنا فعلاً تحقيق رهانات 2030، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد المعرفي أو بالذكاء الاصطناعي.