المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى اعتماد اقتصاد رعاية مندمج ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية    السعدي: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أحدث أزيد من 24 ألف منصب شغل خلال 2025    "مايكروسوفت" تتخطى التوقعات بإيرادات بلغت 81.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025    العدوان الامبريالي على فنزويلا    من العبور الهادئ إلى الملحق الملتهب.. خريطة دوري أبطال أوروبا بعد الجولة الأخيرة        السلطات تدعو ساكنة القصر الكبير إلى اليقظة وتجنب ضفاف الوديان    توقعات أحوال الطقس لليوم الخميس    كيوسك الخميس | التجربة الأمنية الاستخباراتية المغربية تستقطب شراكات دولية        صادم.. على عكس المتوقع الكاف تُصدر عقوبات غير منصفة في حق المغرب    الجيش الملكي يودّع نصف نهائي كأس أبطال السيدات بخسارة ثقيلة أمام أرسنال    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحطم أرقاماً قياسية رقمية وتتجاوز 6 مليارات مشاهدة    الكاف تصدر قرارها بخصوص احداث مقابلة المغرب والسنغال    فرنسا.. مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود للحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية    المداخيل الجمركية بالمغرب تتجاوز 100 مليار درهم بنهاية 2025        بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط        ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في تبيان المضمر من خطاب الأستاذ عبد الالاه بنكيران

وانا اتصفح جريدة أخبار اليوم في عددها ليوم 15 يناير 2019, استرعى انتباهي ما جاء على لسان الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية الأستاذ عبد الالاه بنكيران في شأن الملكية واليسار ،والوحدة الترابية وإمارة المؤمنين . فتساءلت مع نفسي عن دلالات هذا التصريح ومقاصده .
فهل يمكن اعتباره تصريحا لخلط الأوراق، وتوجيه الرأي العام الوطني عن ما يتداوله عبر وسائل الإعلام ، ووسائل التواصل الاجتماعي حول مسلكيات بعض عضواته واعضائه القياديين ؟، و التي كان بالإمكان اعتبارها تدخل ضمن إطار الحياة الشخصية للأفراد ،لو لم تقترن بما يتناقض وما يقدمونه للمجتمع من منظومة اخلاقية بديلة ، مستمدة من شرع الله وحقه على عباده كما يعتقدون.
ام ردة فعل على إعادة فتح النيابة العامة لملف أحد قيادييه المتورط في جريمة قتل الشهيد ايت الجيد بنعيسى ؟ ،وما صاحب تقديمه من تصريحات يشككون من خلالها في المؤسسات التي يتولون مسؤوليتها من داخل الحكومة ،و من تجييش للأنصار والمليشيات برئاسة الأستاذ بن كيران أمام المحكمة في مشهد جعل المتتبعين يعتقدون وكأنهم أمام فيلم من أفلام آل باتشينو . أو حتى للرد على بعض مواقف أعضاء حزبه التي يمكن أن يفهم منها أنها منحازة للمواقف المطالبة بالملكية البرلمانية ،ولو ان موقفها يمكن أن يأخذ تأويلات متعددة ، والتأكيد على كونه ،ومعه حزبه ،لا زال مدافعا على الملكية كمؤسسة دستورية تسود وتحكم.
ام انه تصريح يأتي في سياق التهجم على قوى اليسار، التي يتواجد مشروعها المجتمعي على نقيض ما يعتقد به ؟ والتي طالما عبر عن حقده اتجاهها وذلك منذ النشأة ،إبان مرحلة وزير الداخلية السابق المرحوم ادريس البصري، و التي يعتبرها الآن كذلك مسؤولة عن حملة التشهير التي طالت أعضاء وعضوات حزبه ؟. وبما أن عملية تخوين المناضلين الشرفاء لا تستقيم في الأدبيات السياسية المغربية دون التشكيك في وطنيتهم واتهامهم بالتآمر على العرش والوطن. فكان من الطبيعي أن يعتبر اليسار عنصر فتنة ودعاة الحاد وخونة للوطن والعرش، وهي تهمة طالما حوكم وعذب واعدم بسببها الكثيرون من المناضلين الشرفاء.
ام أن كل هذه القراءات لا تهم الا الظاهر من التصريح، و لا تلامس ما تبطنه من استراتيجية غير معلنة في تفكير حزب العدالة والتنمية ومن خلالها حركات الإسلام السياسي ، في كيفية التعاطي مع الدولة والمجتمع حتى ،وإن استهلتها بالدفاع عن العرش وإمارة المؤمنين التي نعرف جيدا أنها تتعارض واستراتيجيتها القاضية بإقامة دولة الخلافة والولاء المطلق لمرشدها العام؟.
وبالتالي فهل يمكن اعتبار هذا التصريح دفاعا عن العرش والملكية ؟.وهل هو دفاع عن الدين والوطن مما يتهددهما من قوى اليسار ؟.أم هو دفاع عن قوى الاسلام السياسي ومن ضمنها حزب العدالة والتنمية وما يبطنه من قيم مناقضة لقيم الديمقراطية والحداثة؟.
من اجل محاولة تلمس الاجوبة لمجمل ما طرحته من اسئلة، لا بد من الوقوف عند ثلاثة عناصر اساسية وردت في تصريح الاستاذ بن كيران.
1/ الاسلام السياسي والمسألة الديمقراطية والملكية .
عندما نتحدث عن المسألة الديمقراطية كآلية لنظام الحكم في العصر الحديث، فإننا نستحضر كل المخاضات العسيرة التي مرت منها هذه المسالة، وما قاسته الشعوب من معاناة مع أنظمة الحكم الاستبدادية والشمولية من اجل ان تفرض نفسها كشريكة في الحكم والسلطة من خلال مؤسسات تشريعية وتقريرية منتخبة بشكل حر وديموقراطي، تربط المسؤولية بالمحاسبة، و اجهزة تنفيذية تخضع لآليات المراقبة تشتغل وفق المقتضيات التي يقرها مبدأ فصل السلط، الذي يشكل الى جانب الانتخابات الحرة والنزيهة بين الفرقاء السياسيين، احد اعمدة أنظمة الحكم الديمقراطية . كما لا يفوتنا في هذا السياق التذكير بما عانته النخب الفكرية من قمع ونفي واعدامات من أجل تسييد قيم الديمقراطية والحداثة والمضامين الجديدة لنظرية العقد الاجتماعي التي تجعل من الشعب شريكا في العملية السياسية الديمقراطية . ويمكن الاستشهاد هنا بما عاناه جان جاك روسو من حيف وتهديد بالقتل من طرف الحكام ورجال الدين المسيحيين بأوروبا ،الذين اعتبروه محرضا للشعوب على حكامها ، و ملحدا، رغم كونه كان من أشد المعارضين للمتهجمين على المعتقدات الروحية ، كيف لا وهو القائل " لا علم بدون اخلاق و لا حضارة بدون ضمير". فعملوا على تهميشه ونفيه في أواخر سنوات عمره، ليموت ويدفن بعيدا ،في قرية نائية بفرنسا ،قبل أن تعترف به رجالات الثورة الفرنسية بعد عشرة سنوات من مماته ، ليعيدوا دفنه في مقبرة العظماء بباريس .هذا في الوقت الذين كان فيه رجال الدين المسيحيين، من أمثال أستاذنا ،يزكون الاستبداد والحكم المطلق ويعتبرون أن ما يحل بالشعب من فقر وأمراض ومجاعة هي قدر إلهي وعقاب الله لعباده عن ما يقترفون من خطيئة وخروج عن طاعة الحاكم.
أقول قولي هذا من اجل وضع كلام الأستاذ عبد الإله بن كيران في سياق ما راكمته الشعوب من تضحيات في سبيل إحقاق الديموقراطية والحرية ..وأن ما صرح به في كونه يدافع على الملك والملكية بالقول انه ضد الملكية البرلمانية، وأنه مع الملكية التنفيذية والتقريرية التي تتجسد في شعار الملك يسود ويحكم ، فهو بذلك يتماهى مع ما كان يصرح به رجال الدين المسيحيين في دفاعهم المستميت على نظام الحكم المطلق ، ولا اظنه بذلك يدافع عن الملكية أو الملك ونحن في القرن الواحدوالعشرين ، بل يدافع عن حقيقة تصوراته المذهبية والفكرية المنافية للديمقراطية والحداثة ،حتى وإن اعتمد هذه الاخيرة كالية تكتيكية وليس قناعة استراتيجية للوصول إلى السلطة من أجل توفير المزيد من الشروط للتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع في انتظار ما يمكن أن تتطور اليه الاحداث، حتى يستظهر ما يبطنه في استراتيجيته التي هي ،استراتيجية الإسلام السياسي السني ،التي تروم الى اقامة دولة الخلافة على عموم البلاد الاسلامية في حدها الاقصى، وفي التحكم في مؤسسة العرش في حدها الادنى ، عندما تضعف هذه الاخيرة و تفقد شرعية وجودها، وينأى المجتمع عنها بعد.ان ينسب إليها كل الاخفاقات في تدبير السياسات العمومية ،وذلك بحكم المسؤولية السياسية للملك بصفته رئيسا للدولة ،حتى وهو غير خاضع للمحاسبة ،وهو ما يتنافى أيضا حتى مع الأنظمة الديموقراطية الرأسية .وبالتالي فدفاعه عن الملك بالشكل الذي يدعيه ،وفي القرن الواحد والعشرين بما تشهده شعوب العالم بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة من تحولا ت عميقة ، ونزوع الى الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ، لا يمكن اعتباره دفاعا عل العرش بل هو في عمقه يسعي الى اضعافه في افق تقويضه او احتواىه ، بعد ان يفقد المجتمع ثقته منه نهاىيا نتيجة ما يعيشه من احباطات متكررة ،واوضاع اقتصادية وسياسية صعبة ترخي بظلالها على فئاة اجتماعية واسعة والتي اصبحت في غالبيتها مدركة، حتى وان لم تعلنه علانية وبشكل جهور ، ان الملك بصفته رئيسا للدولة يتحمل القسط الوافر من المسؤولية حتى وان لم يكن خاضعا للمسائلة القانونية والدستورية ،وهو ما يمكن استنتاجه كذلك مما وصل اليه المجتمع من مراحل متطورة في وعيه الجمعي، الذي فقد الثقة في الوسائط والمؤسسات ،واصبح يتجه نحو رفع مطالبه للملك مباشرة بصفته رئيسا للدولة.
إذن وفي مثل هذه الأوضاع والظروف الدولية والوطنية، فأن من يريد ان يطور نظام حكمنا السياسي ،ولا اقول الدفاع عن العرش ،هو من يتجرأ بقول الحقيقة للحكام ، وتنبيههم الى ما هم عليه، وإلى ما يحيط بنا من أخطار تمس استقرارنا السياسي والاجتماعي، وأن لا خلاص الا بتوفير شروط الانتقال إلى الملكية البرلمانية كمدخل من مداخل الانتقال إلى الديمقراطية ،وليس الدفاع عن الحكم المطلق وما يصاحبه من فساد سياسي واقتصادي الذي يشكل سمة ملازمة لانظمة الحكم اللا ديمقراطية سواء كانت ملكية أو جمهورية والتي تشكل البيئة الحاضنة ل ترعرع كل انواع التفكير السلفي والخرافي .
كما ان الاستاذ بنكيران والرعيل الأول من جماعته ،حتى وإن أبدوا هذا الدفاع المشكوك فيه عن الملك والعرش، بحكم الوعد الذي قطعوه على أنفسهم أمام شيخهم الدكتور الخطيب في هذا الشأن. إلا أن لا ضمانة مع المنتسبين الى حزبهم من الشباب المتشبع بالفكر السلفي ومنهج النبوة ،الذين يكفرون الحاكم والمحكوم ،وكل من يخالفهم الرأي ،ويعتبرون أنفسهم في حلة من الوعد الذي قطعه أسلافهم من الرعيل الأول لحركة الإخوان المسلمين .
2/اليسار والمسألة الديمقراطية والملكية
صحيح أن اليسار بكل مكوناته قد عمل في مرحلة تاريخية الى احداث التغيير بالقوة ، ومنهم من تبنى نظرية العنف الثوري من اجل انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية خاصة في أواخر الستينات ومرحلة السبعينيات من القرن الماضي ،التي كانت تشهد مدا واسعا للفكر اليساري ليس على مستوى المغرب فقط ، بل على مستوى العالم .وهي المرحلة كذلك التي عمد الملك الراحل الحسن الثاني من خلالها الى تعليق العمل بالمؤسسات الدستورية، ليتحول على اثرها الى الحاكم المطلق والمستبد بالشأن السياسي، مع كل ما رافق هذه المرحلة من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في حق معارضيه من التقدميين واليساريين .لكن وابتداء من اواخر السبعينات وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي التي اتسمت بانهيار حائط برلين وانهيار الكثير من الانظمة الاشتراكية عبر العالم ، عمد الكثير من اليساريين المغاربة الى احداث مراجعات فكرية تؤسس لفعل سياسي جديد يقطع مع العنف الثوري كالية لحسم السلطة، ويتبنى النضال الديمقراطي الجماهيري عبر ما يتيحه ما سمي آنذاك ب الهامش الديمقراطي الذي اتى نتيجة للتضحيات التي قدمها المجتمع المغربي وفاعليه السياسيين من وسط واقصى اليسار ، وليس الإسلاميين أمثال الأستاذ عبد الاله بنكيران ، الذي كان يضع وجماعته حينها يده في يد وزارة الداخلية ويقدم فروض الطاعه والولاء ،والتعبير عن استعداد جماعته لوأد اليسار من الشارع واجتثاثه من الجامعات كما ورد في رسالته الشهيرة لوزير الداخلية المرحوم ادريس البصري سنة 1986 . بالاضافة الى الوضع المأزوم الذي وصل إليه نظام الحكم في المغرب وما شهده من عزلة داخلية وخارجية توجت بمحاولتين انقلابيتين في ظرف سنة واحدة ، يمكن إضافة كذلك التطورات الماساوية التي شهدتها الأقاليم الصحراوية .. كل هذا ادى بالملك الراحل الى إطلاق ما سمي آنذاك بالمسلسل الديموقراطي والاجماع الوطني، إيذانا بعودة المؤسسات الدستورية في أواسط السبعينات من القرن الماضي .
وقد توجت هذه المراجعات السياسية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات بنقاشات حادة بين صفوف أغلب مكونات اليسار حول المسألة الديمقراطية التي تم اعتبارها خيارا استراتيجيا ،واعتبار المرحلة مرحلة للنضال من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ،وبالتالي تبني الدفاع عن مجموع القيم الانسانية التي تجد أصولها الفكرية والفلسفية في أنظمة الحكم الليبرالية والراسمالية دون أن يغفل اليسار عن جوهر مرجعيته التي تحازب الفئات الشعبية المتضررة في المجتمع .
وفي سياق تبني القوى التقدمية واليسارية لاستراتيجية النضال من أجل الديموقراطية ،كان لا بد من تغيير الموقف من المؤسسة الملكية بالنسبة للكثير من مكونات اليسار في اتجاه تبني موقف الملكية البرلمانية بديلا للملكية المطلقة ، كمدخل من مداخل الانتقال إلى الديموقراطية وتطويرا لها ،وليس دفاعا عنها ، بما ينسجم ومطالب الشعب المغربي في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .وذلك بعد أن اقتنع غالبية اليساريين المغاربة كون الديمقراطية كآلية للحكم والسلطة ،ليست بالضرورة صفة ملازمة لنظام الحكم الجمهوري ، كما الاستبداد ليس بالضرورة صفة ملازمة لنظام الحكم الملكي.
إذن فمطلب الملكية البرلمانية عند اليساريين المغاربة هو نتيجة صيرورة تاريخية من التضحيات والمراجعات الفكرية والسياسية ، تهدف إلى تطوير نظام حكمنا السياسي بما ينسجم ومتطلبات التغيير الديموقراطي، وليس تهجما على العرش و الملك ،أو دفاعا عنهما ،كما يروج الاستاذ عبد الالاه بنكيران وجماعته.
3/اليسار والموقف من الوحدة الترابية
مما يجدر الاشارة اليه في هذا الصدد، كون أن اليسار الجديد ،و في مرحلة الصراع العنيف مع الملكية والنظام السياسي المغربي الذي كان قد علق العمل بجميع المؤسسات الدستورية، و أعلن حالة الاستثناء التي مارس من خلالها ابشع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في حق معارضيه ،وخاصة اليساريين منهم ، يبرز مشكل جهة الصحراء الغربية التي كانت لا تزال تحت الاحتلال الإسباني ، والذي تصدر مواجهته ثلة من المناضلين الصحراويين الذين كانوا يدرسون في الجامعات والمعاهد المغربية ، وكان بعضهم ضمن صفوف مناضلي اليسار الجديد ،الذي كان في نفس الأن يشهد مدا جماهيريا واسعا ،خاصة في الحقل الطلابي . فكان موقف اليسار الجديد من قضية الصحراء موقفا انفعاليا أكثر مما هو عقلاني ومفكر فيه ،وأن مساندته لجبهة البوليساريو في مراحل معينة لم يكن موقفا استراتيجيا يروم الى فصل الصحراء عن عمقها المغربي ، بقدر ما كان موقفا تكتيكيا يروم إلى تأسيس بؤرة ثورية في الجنوب لتشكل قاعدة خلفية في مواجهة النظام السياسي . وهو الموقف الذي أملته ظروف المرحلة وما كانت تشهده من صراع مرير مع نظام الحكم وما يتسم به من استبداد. لكن وفي إطار تطور عملية الصراع السياسي في المغرب ، والمراجعات السياسية التي أقدمت عليها جل مكونات اليسار في شأن نظام الحكم والمسألة الديموقراطية، كان من الطبيعي أن يطور اليسار موقفه من قضية الصحراء ،وكان من رواد المنتقدين لانفراد الدولة في تدبير هذا الملف في إطار موقف هلامي قائم على مغربية الصحراء . وهو الموقف الذي لا يستحضر التعقيدات التي أوصلته الدولة إليها بتدبيرها السيء لهذا الملف ،وبعد أن أصبح متداولا بين اروقة الامم المتحدة . فكان أول من عبر عن موقف مغاير ومتقدم في شأن هذه القضية ، هي حركة الديمقراطيين المستقلين عندما طالبت في صيف 1997 بالحل السياسي المتفاوض عليه على أساس لا غالب ولا مغلوب ،وبما يضمن حق الأقاليم الصحراوية في الحكم الذاتي في إطار جهوية سياسية تشمل باقي الجهات التاريخية في المغرب، وبما يخدم بناء وحدة المغرب الكبير.وهو الموقف الذي تبناه المؤتمر الاندماجي لليسار الاشتراكي الموحد المنعقد بالدار البيضاء في سنة 2000 بعد أن أجريت عليه بعض التعديلات من طرف باقي المكونات الاخرى وخاصة منظمة العمل الديموقراطي الشعبي .كما طورت بعض مكونات اليسار الاخرى كذلك موقفها من هذه القضية مطالبة بالحل السلمي المتفاوض عليه .هذا دون أن نغفل أن اليسار كان دائما في أدبياته يطالب بتحرير ما تبقى من الثغور المحتلة.
اذن فموقف اليسار تاريخيا من الوحدة الترابية هو موقف ثابت ، حتى وإن خضع في مراحل تاريخية معينة لحسابات تكتيكية أملتها ظروف الصراع العنيف مع نظام الحكم، ولا مكان للمزايدة عليه في هذا المجال من طرف الأستاذ عبد الإله بنكيران وجماعته، الذي ابدى عجزه حتى في إبداء الرأي في هذه القضية، عندما اقترح الملك محمد السادس صيغة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية سنة 2003 وطالب الأحزاب بتقديم مقترحاتهم في هذا الشأن.
خلاصة
اذن فالاستاذ بنكيران مع كل احتراماتي له , لا يدافع عن الملكية ولا على على الملك، بل يدافع عن مبررات وجود جماعته ومرجعيتها المنافية لقيم الديمقراطية والحرية، والتي لا يمكن أن تستمر وتتقوى الا في اطار نظام حكم شمولي يستمد مشروعية حكمه من الله ومن أهل البيت ،الذي ،ينتسب هو ايضا اليهم حسب تعبيره ، مما يجعله وريثا شرعيا للحاكم باسم الله ، وليس من الشعب الذي يجب أن يبقى ضمن إطار الرعية التي عليها واجب الطاعة للحاكم والمرشد أو الفقيه . وما تهجمه على اليسار واتهامه بالكفر والإلحاد وخيانة الوطن ، سوى محاولة يائسة لإظهار ولاء زائف، على حساب تضحيات اليسار من أجل مغرب حر ديمقراطي ومتعدد يقر بالحريات بما فيها حرية المعتقد وحق ممارسة الشعائر الدينية للمغاربة، مع التنصيص على فصل الشأن الديني عن الشأن السياسي ،حتى لا يترك المجال مفتوحا لاستاذنا الجليل وجماعته، اوغيره من السلفيين في التوظيف السياسي لموروثنا الروحي و الديني ، و اقحامه في الصراعات والأمور السياسية التي هي شأن دنيوي .وحتى لا يتحول هذا الارث الروحي والديني المشترك بخصوصياته المغربية الى مجال للمنازعات المذهبية والطائفية.
طنجة في 19 يناير 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.