أثارني في الحلقة الأخيرة من برنامج » حوار «، الذي بثته القناة الأولى يوم الثلاثاء الماضي 29 يونيو 2010 ، السؤال الأخير الذي طرح على الضيف القيادي في حزب الحركة الشعبية. والمثير في السؤال ليس طرحه من طرف الأستاذ طارق أتلاتي، الذي عبر عن موقف مضمر لدى قاعدة عريضة من الشعب المغربي، أو حتى توقيت طرحه، باعتباره السؤال الذي ختمت به الحلقة أي أنه أتى في الوقت الضائع، لكن المثير هو المبررات التي كيلت لتبرير التناقض في تعامل الدولة وصناع القرار الحكومي مع العربية: بين الواقعين الدستوري والتداولي، والذي أثبتت بشكل واضح التذبذب الذي تعانيه الدولة في تعاملها مع اللغة الرسمية. هذا التذبذب دفع منشط البرنامج إلى تقمص لباس المحامي عن الدولة والمدافع الأمين عن أخطائها بغية تبرير ممارسة أحد أعضاء الحكومة في اختياره لغة موليير للحديث عن تنمية بلاد أجدير . وإذا كان الأستاذ عباس الفاسي ، الوزير الأول ، يفتخر بأن العروض التي تقدم دوما في المجلس الحكومي لا تكون إلا عربية اللسان، وهو ما استبعد وقوعه بشكل مطلق، لأن الذي يقدم كلمته أمام صاحب الجلالة بالفرنسية لن يتهاون في تقديم كل عروضه أمام أقرانه الوزراء بلغة فرنسية ، فإن السؤال البسيط الذي يطرح بعيدا عن التبريرات الساذجة التي قدمها صاحب » حوار «وضيفه : هل هناك قناعة حقيقية برسمية العربية في المغرب ؟ في كثير من الأحيان نضطر إلى البحث في التعريفات لفهم الوقائع . فاللغة الرسمية كما أشرنا في مقالات سابقة وفي أبسط التعاريف هي اللغة المنصوص عليها في القانون أو الدستور والمستعملة لزاما في كتابة القوانين والتواصل في المجالس الإدارية والحكومية. وإثباتها في نص الدستور لم يأت من فراغ بل هو في الحالة المغربية على الأقل اختيار وطني فرضه التراكم التاريخي والحضاري للأمة . والتنصيص الدستوري يجر معه تبعات قانونية وإلزامات تشريعية . وأول هذه الالتزامات هو الاستعمال في الفضاءات العمومية والدوائر الحكومية . والمطلع العرضي على ما يقع في ربوع المملكة يصل إلى أن التصنيف الدستوري للغة ليس إلا عنصرا شكليا دفع بالبعض إلى التشكيك في وضعها. ولذلك أمثلة عديدة نختار منها الآتي : * تمتلئ شوارع الوطن بالعديد من اللافتات والإشارات والتعابير التي تلوث البيئة اللغوية للمتلقي المغربي . فمن هجوم فرنسي وإنجليزي على شوارعنا، مرورا بالتدريج المتعمد للخطابات، إلى استخدام العربية الهجينة ... تتآلف الآليات التواصلية البصرية والإشارية لتمنعنا من الحرف العربي والكلام العربي بكل مستوياته الفصيحة أو حتى الوسيطة . * الحرب المعلنة مؤخرا على العربية من طرف الفرنكفونيين ورواد التدريج هي قبل كل شيء حرب على نص دستوري . وغياب الدولة عن الفعل الاجتماعي واللغوي يجد أبرز تجلياته في غياب المتابعة للمدمنين على محاربة كل القيم الوطنية واللغة آخر المظاهر . عندما يفرض عليك ولوج إحدى الوزارات فإنك تجد نفسك تعيش خارج الوطن. فهناك وزارات اختارت بأتمها أن تكون سفارات حقيقية للعالم الفرنكفوني. بل إن الترقية في المسار المهني ، في العديد من الوزارات والإدارات، يفرض عليك إتقان آليات ومهارات. وهذا ليس إلا عنوان آخر من عناوين التمكين للغة الفرنسية . في التعليم والإعلام والشأن العام مظاهر عديدة تطرقنا لها في أكثر من مناسبة تخفي وراءها توجها معاديا للقانون. إن ما أثاره صاحب »حوار « بالرغم من سذاجته جدير بالتأمل في الدوافع الحقيقية للذين يمتهنون الابتعاد عن لغة الضاد والحديث في كل مناسبة بلغة موليير وهوجو . فليتمعنوا في مثال مضاد : تصوروا لو أن الأمر يحدث في فرنسا وفي مجلس حكومي يقوم وزير ليحدث أقرانه ؟ تصوروا معي ما الذي يحدث أو سيحدث؟ لن أترك لكم فرصة التصور فالمثال الواضح والبسيط أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك لم يتمالك نفسه في جلسات البرلمان الأوربي حين تكلم أحد أعضائه الفرنسيين بالإنجليزية فغادر قاعة اجتماعات ببروكسيل ولم يعد الرئيس إلى القاعة إلا عندما قبل العضو تقديم مداخلته بالفرنسية . هذا الحدث خارج فرنسا وفي اجتماع أوربي يجمع كل الألسن وليس بوجود أجنبي واحد أو أجنبيان فقط . إن قانونية اللغة ورسميتها تفرض على الدولة الحرص على تداولها على الأقل في الاجتماعات الرسمية والعمومية قبل أن نتبجح بانتمائنا إلى أمة يجمعنا معها اللسان قبل كل شيء . كما أن استعمال اللسان الآخر قد يبرر نسبيا حين يكون الاجتماع مع خبراء أجانب وفي موضوعات عامة ، أما وأن الحضور مغاربة والموضوع تنمية منطقة لا يفهم أهلها غير العربية فكيف نساهم في القرب من الإنسان المغربي ونبلغه المعلومة ونشركه في التنمية المستدامة التي من أهم عناصرها المؤسسة التركيز على الإنسان كما قال مبدعها ؟، كيف ذلك ونحن نتكلم بلسان النخبة ونفرض تعتيما لسنيا على قاعدة عريضة من الشعب .؟ فالتنمية البشرية لا تتوقف على وجود مجتمع زراعي أو مجتمع صناعي، وإنما على إيجاد " مجتمع المعرفة " ومجتمع المعرفة لا يكون كذلك إلا بلغة حمالة للمعرفة. وكما قال الدكتور الجابري رحمه الله : نحن لا نستطيع أن نتخيل أن الشعب المغربي سيصبح في يوم من الأيام شعبا يتكلم الفرنسية أو الإنجليزية! فما الذي نريده من الشعب إذن حين نفرض عليه لغة لا يفهمها أو حتى إن فهمها لا يرغب في التواصل بها . إن رسمية اللغة تلزم الدولة بالجرأة على فرضها على موظفيها ومديريها ووزرائها، في الاجتماعات والجلسات العامة، وتلزم المجتمع من خلال هيئاته المدنية والقضائية بفرضها ومتابعة كل إخلال بها . فللنص الدستوري حرمته .