يحاول مصطفى بايتاس دائما أن يكون خفيف الظل. وهذه هي مشكلته. دائما. دائما. وفي كل مرة. يحاول أن يكون مرحا. وذكيا. ونبيها. لكنه وهو يحاول. يقع في الفخ الذي نصبه لنفسه. فتنقلب خفته إلى ثقل لا يحتمل. ثقل يجثم عليه. وعلى منصبه. وعلى أدائه. وعلى الحكومة التي ينطق باسمها. وعلى صورتها. فما بالك والأمر هذه المرة يتعلق باللحم. وبثمنه في السوق. لكن الوزير. وبروح دعابة نادرة. أخبرنا أنه اشتراه ب75 درهما. في سوق من الأسواق. مبتسما. غير مبال. ثم موجها الدعوة إلى أحد الصحافيين كي يأخذه معه في زيارة ثانية لنفس السوق. ورغم كل ما يقع للسيد بايتاس. ورغم كل تبعات ذكائه وخفة دمه. فإنه لم يستفد من الدرس. ولم يتعلم. ولم يكف. ولم يتدخل أي شخص ليقدم له النصيحة. وفي كل مرة. وفي كل أزمة. يحاول أن يؤكد لنا أنه يتوفر على روح دعابة. وعلى حس سخرية لا نظير لهما. وأنه أذكى من الذين يسألونه. وأنه قادر على إفحامهم. بينما يفشل دائما في ذلك. ولا تسعفه أبدا طريقته وأسلوبه. ويضعانه في موقف محرج. له. ولدوره. وللحكومة. ورغم كل هذه المدة التي قضاها وزيرا. فإنه لم يقتنع بعد بأن عليه أن يغير خطته. وأن لا يمزح في أمور لا تقبل المزاح. وفي اللحم. وفي الأسعار التي يكتوي بها المواطن هذه الأيام. فليس عيبا أن لا تكون لك روح النكتة. ليس عيبا أن لا تتقن الفكاهة. ليس عيبا أن لا تضحك أحدا. لكن العيب. كل العيب. هو أن تستمر في استفزاز الناس. كما يفعل دائما السيد مصطفى بايتاس. وبدل أن يُضحك الناطق الرسمي باسم الحكومة المغاربة. يثيرهم. ويغضبهم. ويجعلهم يهرشون جلودهم. ويشتمون الحكومة. وبدل أن يطمئنهم. يجعلهم يتأكدون أن الحكومة لا تبالي بهم. ويشعرون أن وزيرا من وزرائها يعيش في مغرب لا غلاء فيه. بينما المغاربة يعيشون في مغرب آخر. وفي كل مرة يستعرض فيها الوزير مهاراته. ويبتسم ابتسامته تلك. التي يعتقد أنها كافية للإقناع. يغيظ كل من يسمعه. رغم أنه ليس مضطرا أبدا إلى أن يكون خفيف الظل. ولا أحد يطلب منه ذلك. كما أنه ليس مضطرا إلى أن يمشي في الأسواق. لا هو. ولا باقي الوزاء. في تواصل مصطنع. ومتأخر. كما أنه ليس مضطرا إلى أن يختلط بالبسطاء. ويتنكر. و يخبر الناس بالأسعار. لأنهم يعرفونها حق المعرفة. ويعرفون كم ثمن اللحوم. ويعرفون تلك الرخيصة. ويعرفون كل شيء. ويعرفون أسواقا لا يتجاوز فيها سعر الكيلو من اللحم 50 درهما. ويعرفون أسواقا لا أحد يعرف أي لحم يباع فيها. ولأي حيوان. كل هذا معروف. وليسوا في حاجة إلى بايتاس كي يدلهم عليه. لكن الناطق الرسمي للحكومة وكعادته يكذب المغاربة. ويكذب غلاء الأسعار. مبتسما. لاجئا إلى شعبوية مفضوحة. شعبوية لا يبذل فيها أي جهد. محاولا أن يبدو خفيف الظل. وكأيها الناس. لكن روحه لا تسعفه. وتخونه في كل مرة. وبدل أن يطمئن المغاربة. يثير غيظهم .وحنقهم. و يدفعهم إلى أن لا يكتفوا فقط بتحمل عبء غلاء الأسعار. بل أيضا عبء ثقل دم الحكومة. ونباهة الناطق الرسمي باسمها. والذي لا يكف عن التجول في الأسواق. ليكذب معاناة الناس. وليكذب الأسعار. وليكذب الواقع. متحدثا عن مغرب متخيل يعيش فيه. ويتمتع. لوحده. ويأتي منه. بين الفينة. ليطل علينا. وليخبرنا بما اشتراه من أسواقه. ثم يعود بعد ذلك إلى مغربه الجميل. مغرب بايتاس. الذي لم يعثر عليه المغاربة في أي مكان. ولا في أي مدينة. مغرب لا يعاني فيه أحد مغرب لا أزمة فيه وكل شيء فيه رائع وكل من فيه يستمتع بروح دعابة السيد بايتاس. وبأثمنته وتخفيضاته التي لا تصدق.