نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة عرضا للكاتبة هند سمير، التي أجرت ما أسمته "تقييم التصور الروسي والصيني للعسكرة الأمريكية للفضاء"، حيث أشارت إلى أن "الأنشطة العسكرية الأمريكية تطورت في مجال الفضاء الخارجي لتثير منافسة جيوسياسية دولية مع كل من الصينوروسيا"، قبل أن تفصّل في الموضوع من خلال محاور اختارت لها عناوين "هل التهديد حقيقي؟"، و"طبيعة ردود الفعل"، و"دورة الاستجابة". هذا نص المقال: تطورت الأنشطة العسكرية الأمريكية في مجال الفضاء الخارجي لتثير منافسة جيوسياسية دولية مع كل من الصينوروسيا. ففي العام 1985، تم إنشاء قيادة الفضاء الأمريكية لتنسيق استخدام الفضاء الخارجي وتنفيذ مبادرة الدفاع الإستراتيجي، ثم تم دمج هذه القيادة عام 2002 مع القيادة الإستراتيجية الأمريكية إثر هجمات 11 سبتمبر 2001. وبحلول العام 2018، أصدرت إدارة ترامب إستراتيجية الفضاء الوطنية الأمريكية، ثم تم إنشاء قوة الفضاء الأمريكية "USSF" في العام 2019. تلا ذلك إصدار وزارة الدفاع الأمريكية إستراتيجيتها الفضائية عام 2020. في المقابل، شجبت بكينوموسكو "العسكرة" الأمريكية للفضاء و"السيطرة" عليه، إذ اعتبرت الصين في كتابها الأبيض للدفاع لعام 2019 أن الأنشطة الأمريكية "تقوض الاستقرار الإستراتيجي العالمي"، وتدفعها إلى "الحصول على قدرات إضافية في مجالات الدفاع النووي والفضاء الخارجي والسيبراني والصاروخي". بموازاة ذلك، أدرجت موسكو التهديد المتمثل في "استكشاف الفضاء" في أحدث إستراتيجية للأمن القومي الروسي، كما أدانت أيضاً عسكرة الفضاء من قبل واشنطن، معتبرة أنها "انتهاك للقانون الدولي". في هذا الإطار، تناولت مؤسسة "راند" الأمريكية تقييم تصورات روسياوالصين للأنشطة العسكرية الأمريكية في مجال الفضاء في تقرير بعنوان "الرؤى الصينية والروسية واستجاباتها للأنشطة العسكرية الأمريكية في مجال الفضاء". وسعى التقرير إلى فهم كيف تطورت التصورات الصينية والروسية للأنشطة العسكرية الأمريكية في الفضاء؟ وما ردود فعل الدولتين لمواجهة هذه الأنشطة؟ استند التقرير في تقييمه إلى المنشورات الحكومية الصينية والروسية، والمجلات العسكرية، والتقارير الأكاديمية، ووسائل الإعلام المحلية المكتوبة باللغة الأم للبلدين. وتم اختيار عينة تمثيلية من "الأحداث" الأمريكية في مجال الفضاء لتحليلها، بدءاً من مبادرة الدفاع الإستراتيجي (1983) وإنشاء قيادة الفضاء الأمريكية (1985)، مروراً باختبار الليزر الكيميائي المتقدم بالأشعة تحت الحمراء "MIRACL" (1997)، وعملية "Burnt Frost" (2008) وحتى برنامج التوعية بالظروف الفضائية المتزامنة مع الأرض "GSSAP" (2014). واستثنى التقرير الأنشطة الفضائية المدنية الأمريكية، كالاستخدام التجاري للفضاء، واستكشاف الفضاء، ورحلات الفضاء البشرية وغيرها. هل التهديد حقيقي؟ يشير تقرير "راند" إلى أن مراجعة المصادر الأولية الروسية والصينية تعكس تصوراً مستداماً لديها بأن الأنشطة العسكرية الأمريكية المتعلقة بمجال الفضاء مهدِّدة وتشي بنية الولاياتالمتحدة العدائية. وتتوافق هذه النتيجة مع الحجة القائلة إن الدول تميل إلى المبالغة في تقدير قدرات خصومها؛ وهو ما يساعد على فهم سبب نظرة الصينوروسيا للأنشطة العسكرية الأمريكية في مجال الفضاء على أنها تهديد، وأن هذا التصور كان السرد المتسق الذي انعكس في المصادر الأولية باللغة الأم منذ مبادرة الدفاع الإستراتيجي. ويبدو أن تصرفات الولاياتالمتحدة يتم تفسيرها من خلال عدسة "حالة العلاقة في وقت معين"، فعندما تكون العلاقات السياسية بين واشنطنوبكين أو موسكو أكثر تصادماً يُنظر إلى الإجراءات نفسها على أنها أكثر تهديداً. وفي المقابل، عندما تكون هذه العلاقات أكثر ودية "نسبياً" لا يُنظر إلى الإجراءات المماثلة على أنها تهديد. علاوة على ذلك، ففي حين أن تصور التهديد كان ثابتاً بمرور الوقت، إلا أنه كان هناك تعميق للشعور بالعداء منذ عام 2008، بعد إصدار سياسة الفضاء الوطنية لعام 2006 وعملية "Burnt Frost" أو "الجليد المحترق" التي أسقطت فيها سفينة حربية أمريكية قمراً اصطناعياً معطلاً. ورغم أن التحليلات الصينية والروسية التي تمت مراجعتها أشارت إلى نهج تعاوني أكثر إيجابية تجاه الفضاء من قبل إدارتي كلينتون وأوباما، إلا أنها مازالت تركز على الاستمرارية المتصورة لسياسة الفضاء العسكرية الأمريكية العدائية والعدوانية. ويوضِّح ذلك أن التصورات السلبية الموجودة في بكينوموسكو يمكن تعزيزها بسهولة نسبياً من خلال الإجراءات الأمريكية التي يُنظر إليها على أنها عدائية، في حين أن الإجراءات الأمريكية التي يُنظر إليها على أنها غير عدائية ليست ذات تأثير قوي مماثل، ما ينتج عنه تحسن طفيف في التصورات الصينية والروسية. بصفة عامة، يبدو أن العامل الرئيسي الذي يشكِّل التصورات الصينية والروسية للتهديد الأمريكي هو الإمكانات العسكرية طويلة المدى للأنشطة الأمريكية المختلفة المتعلقة بالفضاء، بدلاً من التأثير المباشر لنشاط أو سياسة معينة في ذلك الوقت. وتعمل الصينوروسيا على التحوط من رهاناتهما على أن التكنولوجيا قد تحقق في النهاية النيات المتوقعة للولايات المتحدة لعسكرة الفضاء. فعلى سبيل المثال، يبدو أن المصادر الروسية التي شملها البحث تجاهلت الجدوى الفنية لمبادرة الدفاع الإستراتيجي في وقت تطويرها، لكنها مع ذلك أعربت عن قلقها بشأن الآثار المترتبة عن مثل هذه المبادرة، أي إنها تشير إلى أن الولاياتالمتحدة تسعى إلى عسكرة الفضاء. ووفقاً لتقرير "راند"، هنالك محركان رئيسيان يقودان التصور الصيني والروسي للتهديد؛ الأول أنهما ينظران إلى الأنشطة العسكرية الأمريكية في الفضاء على أنها تهديد للردع النووي لكل منهما، والثاني أنهما قلقتان بشأن نيات وقدرات واشنطن في الفضاء المضاد، مثل عملية "Burnt Frost"، وكذلك بشأن قدرة الأقمار الاصطناعية الأمريكية على الطيران عن كثب وسرية، فضلاً عن القلق أيضاً بشأن نيات وقدرات الوعي بمجال الفضاء الأمريكي الأوسع، مثل "GSSAP". وفي حين أن البعض قد يجادل بأن هذه التصورات ليست حقيقية، أي مجرد دعاية لإثارة وجود تهديد أمريكي، فإن الاتساع الهائل للمواد الروسية والصينية التي تم الاعتماد عليها في هذا التقرير واتساقها الواسع بمرور الوقت يشير بقوة إلى أن هذه المخاوف تعكس اتفاقاً بالإجماع داخل حكومتي بكينوموسكو.. بغض النظر عما إذا كان المحللون الأمريكيون يتفقون مع هذه التصورات الأجنبية أم لا، إذ يجب عليهم قبولها على أنها حقيقية وأن يأخذوها في الاعتبار عندما يفكرون في الأنشطة المستقبلية. طبيعة ردود الفعل في حين أن ثمة تصوراً لروسياوالصين بأن الأنشطة الأمريكية في الفضاء تعد تهديداً، إلا أنه من الصعب تحديد ما إذا كانت ردود الفعل العامة الصينية والروسية مبالغاً فيها عن قصد. أحد الأمثلة التي تشير إلى وجود قدر من الخطاب المتضخم عن قصد هو السرد الذي قدمه أحد المحللين الروس في ما يتعلق بعمليةBurnt" "Frost في مقال شدد فيه المؤلف على الندرة النسبية لقمر اصطناعي معطل، حيث استخدم هذه الملاحظة لاستنتاج أن الوضع قد يشير إلى عدم كفاءة برنامج الفضاء الأمريكي مع عواقب وخيمة على المجتمع الدولي. بينما في مقال لاحق كتبه المؤلف نفسه جادل بأن الحادث كان ذريعة لاختبار أسلحة الهجمات الفضائية، إذ أكَّد أن الولاياتالمتحدة بالغت عمداً في تضخيم المخاطر المحتملة لتبدو وكأنها "منقذ" للبشرية بدلاً من معتد محتمل. وبحسب تقرير "راند"، يبدو أن الصينوروسيا تحاولان تحقيق توازن خطابي حساس من خلال الحجج الدقيقة التي تصف تصرفات الولاياتالمتحدة بأنها تهديد بينما تصف أفعالهما المتشابهة بأنها غير مهددة. على سبيل المثال، فرغم أن بكين لطالما انتقدت عسكرة الفضاء الأمريكية، دافعت وزارة الخارجية الصينية عن اختبار بكين للأقمار الاصطناعية لعام 2007، بعد 12 يوماً من الواقعة، قائلة إنه "لم يكن موجهاً إلى أي دولة ولا يشكل تهديداً لأي دولة". من جانبها، تصف روسيا تصرفات الولاياتالمتحدة في الفضاء بأنها عدائية وعدوانية بشكل متزايد، مع التركيز على إجراءات محددة، مثل اختبار "MIRACL" وعملية "Burnt Frost". ويركز التوازن الروسي على إدانة واشنطن باعتبارها عدوانية في الفضاء، بينما تدَّعي روسيا أنها قوة فضائية متساوية لا تخشى الولاياتالمتحدة؛ فترى روسيا بالتالي أن أفعالها لا تشكل تهديداً، وأنها تأتي لمساعدة المجتمع الدولي، باستخدام براعتها التقنية في ارتياد الفضاء لمواجهة تحركات الولاياتالمتحدة لعسكرة الفضاء. دورة الاستجابة لدى كل من واشنطنوبكينوموسكو ميل عام للإشارة إلى الجانب الآخر على أنه تهديد تتطلب أفعاله رداً، ما يديم دورة فعل ورد فعل يمكن التنبؤ بها إلى حد ما، رغم أن ظهورها علناً قد يستغرق وقتاً طويلاً. فمن خلال الأحداث الأخيرة، مثل إستراتيجية الفضاء الوطنية الأمريكية لعام 2018، وإنشاء قوة الفضاء الأمريكية "USSF"، والخطاب الأكثر عدوانية الذي استخدمه قادة القوات الجوية الأمريكية، يستنتج تقرير "راند" أن الولاياتالمتحدة تتفاعل ببساطة مع تصرفات الصينوروسيا. عرض لواء أمريكي وجهة نظر مفادها أن الولاياتالمتحدة كانت بحاجة إلى إجراءات أكثر عدوانية لضمان أن تظل واشنطن دائماً المفترس وليست الفريسة عندما يتعلق الأمر بالتنافس والردع والفوز في المجال الفضائي، وبالفعل قدمت ميزانية السنة المالية 2019 أكبر إنفاق على الفضاء منذ عام 2003، حيث وفرت التمويل لضمان تحقيق تصور أن تكون مفترساً لا فريسة. ورغم صعوبة الوصول إلى أي نوع من الاستنتاجات القاطعة حول ما إذا كانت الإجراءات الصينية أو الروسية في الفضاء قد تم اتخاذها رداً على الإجراءات الأمريكية السابقة أو الأحدث، إلا أن هناك بعض المؤشرات على أن الإجراءات الأمريكية السابقة قد أثرت في تصورات بكينوموسكو لأنشطة الولاياتالمتحدة الحالية، تماماً كما أثرت الإجراءات الصينية والروسية السابقة في واشنطن. على سبيل المثال، يستشهد المسؤولون في روسياوالصين بالأنشطة الفضائية الأمريكية لدعم الحجج السياسية المحلية بشأن الموارد والتمويل وتحديد أولويات أنشطتها المتعلقة بالفضاء. علاوة على ذلك فإن المصادر الصينية والروسية التي تمت مراجعتها تصف الولاياتالمتحدة باستمرار بأنها "المحرك الأول"، في حين أنهم يحاولون ببساطة اللحاق بالركب لمواجهة جهود الولاياتالمتحدة لتحقيق السيادة العسكرية. ويتم تقديم هذا المنظور في كل من الكتابات الخارجية الروسية والصينية سواءً (باللغة الإنجليزية) والداخلية (باللغة الأم). المصدر Alexis A. Blanc, Nathan Beauchamp-Mustafaga, KhrystynaHolynska, M. Scott Bond, Stephen J. Flanagan, Chinese and Russian Perceptions of and Responses to U.S. MilitaryActivities in the Space Domain, the RAND Corporation, 2022.