في أول ظهور له مع "أسود الأطلس".. محمد وهبي يحلل تعادل المغرب والإكوادور بمدريد    رأسية العيناوي تمنح "أسود الأطلس" تعادلا متأخرا أمام "إلتري كولور"    المنتخب المغربي يتعادل مع الإكوادور في أول مباراة تحت قيادة محمد وهبي    الاتحاد الدولي للملاكمة يرحّب بالقرار الأولمبي لتحقيق عدالة منافسات السيدات    هدف متأخر يمنح أسود الأطلس تعادلاً ثميناً أمام الإكوادور    الإشادة بالجرائم توقف ثلاثينيا بطنجة    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    أربعة أشهر حبسا لمتهم رفض أداء نفقة طليقته بالحسيمة    بنك المغرب يضخ 160,2 مليار درهم في السوق النقدية خلال أسبوع    "الطاقة الذرية" تنادي بضبط النفس    تداولات حمراء في بورصة الدار البيضاء    المشجعون المغاربة يخلقون أجواء حماسية في مدريد قبيل المباراة الودية لأسود الأطلس أمام منتخب الإكوادور    جمعية حقوقية : فقدان جنين بعد رفض تقديم الإسعاف لسيدة حامل بمستشفى الناظور    توقيف مبحوث عنه في الاتجار الدولي بالمخدرات بمنطقة واد لاو قرب تطوان    ماذا بقي من المنتدى الوطني للمدرس؟    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    نادي المحامين بالمغرب يفند ادعاءات الاتحاد السنغالي ويهدد بوضع الكأس تحت الحجز القضائي    ولد الرشيد يتباحث مع وزير كوستاريكي    الخطوط الملكية المغربية تدشن خطا مباشرا بين بروكسل وتطوان    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    نعي شهيد الواجب الوطني ضابط الأمن رشيد رزوق    تصعيد إيراني وتحركات أميركية مترددة    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم        "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات    لجنة من "فيفا" تتفقد جاهزية أكادير لاحتضان مباريات مونديال 2030        هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من يبني الوطنية؟ ومن يهدمها؟
نشر في هسبريس يوم 25 - 10 - 2009

إن الظواهر الاجتماعية التي أخذ يعج بها المغرب منذ زمن ليس باليسير لتدعونا جميعا إلى إبداء قدر من القلق على مستقبله بالقلق على مستقبل أبنائه الأجيال الصاعدة . ظواهر اجتماعية تضرب في العمق خصوصيات الهُوية الأصيلة للمغاربة و تكشف بالملموس أنهم في مواجهة غزو ثقافي رهيب يهدد معنى وجودهم باعتبارهم مغاربة مسلمين . و إن الأمر ليستشري و يسري فينا رويدًا رويدًا ، حتى إن الجهات التي كنا نظن أنها في منأى عن أي انحراف أصبحت وكرا للكثير من السلوكات الشاذة ؛ فأصبحتَ ترى أطفالا و شبابا في مقتبل العمر يسلكون سلوكات ما وجدنا لها في أصالتنا الأصيلة أصلا ، تائهون في خيالات و أوهام قد لا يستفيقون منها إلا بعد فوات الأوان و قد لا يستفيقون منها أبدا . الأسرة تعاني ، و الجيران يعانون ، و المدرسة تعاني ، و المجتمع بأسره يعاني من جيل لا يكاد يراعي لأحدٍ و لا لمكانٍ أيّة حرمة ... ""
و يبقى سؤال الهُوية سؤالا ملحّا ..؛ يلح علينا في السؤال كلما تناهت إلى مسامعنا الأشكال الجديدة المتجددة للانحرافات الشاذة و الخطيرة التي أصبح يتخبط فيها مجتمعنا : من أنا و نحن ؟ و من ذاك و هؤلاء ؟
تقول المسَلمة الأولى أننا ، نحن و هؤلاء جميعا ، كلنا بشر بنو آدم و حواء . من تراب نحن جميعا ؛ أي لا فرق بين جميع البشر أينما كانوا و وقتما كانوا . كلهم من تراب . بناء على هذه المسلمة فإنه عند أي إنسان يستوي المكان و الزمان سواء أكان في شرق الأرض ، أم في غربها ، أم في جنوبها أم في شمالها . الأرض كلها تسَعُه . مسلمة ترفعنا جميعا عن مرتبة الأنعام ؛ فنكون بذلك نحن و هؤلاء جميعا الإنسان الذي كرمه الله عز و جل و حمله في البر و البحر و فضله على كثير مما خلق تفضيلا ؛ الإنسان الذي حُمّل أمانة الخلافة في الأرض ... يا أيها الناس ..؛ و إن الإنسان لفي خسر .
و تقول المسَلمة الثانية أننا ، نحن ، مسلمون ... و هنا تميُّزُنا الأول و الأساس عن غيرنا . ميزة الإسلام . و أن تكون مسلما معناه أن تكون فيك مواصفات معينة ليست عند غيرك من الناس ؛ مواصفات معينة تميزك عن غيرك من الناس . مواصفات يصبغك بها انتماؤك للإسلام . عندها إذن تشير إلى هؤلاء بمميزات أخرى تميزهم : هذا مسيحي ، و ذاك يهودي ، و أولئك مجوس و بوذيون و ملحدون ، إلخ . مُسَلمة ترفعنا نحن المسلمون بمختلف درجات رقينا في تقربنا إلى الله عز و جل عن بقية الناس ؛ نحن الذين فُضّلنا عن غيرنا من الأمم بأننا نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر و نؤمن بالله ؛ نحن المكلفون بتبليغ الرسالة قولا و عملا ... و إنه » و العصر ، إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر « ..؛ فيا أيها الذين آمنوا .
و تقول المسَلمة الثالثة أنني أنا " أنا " . و هنا يبدأ تميزي أنا عن مجموعة " نحن " . بل هنا تطفو على سطح اللُّحمة التي تجمعنا تفاصيل دقيقة مختلفة الألوان و الأشكال : وطن ، و لغة ، و أعراف ، و قبلية ، وتجاور و ..، قرابة ، و أسرة و فرد . هنا تبدأ في الظهور انتماءات أخرى أكثر دقة و حساسية تختلف من حيث صلابتها أو هشاشتها ... بل هنا تقول المسلمة الرابعة أن انتمائي يمكنه أن يتفتت إلى ما هو أدق وأدق حسب إرادتي فأعيشَ عند قعرها في أنانيتي و عزلتي وحيدا منفردا ، لا أطيق أحدا و لا يطيقني أحد .
الانتماء إذن هو انتماء إلى مجموعات مختلفة موحّدة . الأمر أشبه بحلقات متحلقة حول مركز واحد هو الشخص المقصود بتحديد انتمائه . كل حلقة تنتمي إلى حلقة أخرى ..، فنجد في الأخير أن الفرد ينتمي إلى مجموعة كبيرة داخلها مجموعات صغيرة . لا يمكن إلغاء كل تلك الانتماءات لصالح انتماء واحد ، لكن لا بدّ أن يكون أحد هذه الانتماءات هو المهيمن و المسيطر على غيره ؛ معناه أنه قد تتعارض و تتصادم في نفس الفرد خلال مواقف معينة عدة انتماءات فيَكلُ أمرَها إلى الانتماء الحَكَم الذي له الهيمنة و السيطرة عنده كيْ يقرر السلوك المناسب . و هنا تظهر درجات انفتاح الشخص على محيطه . أدنى الدرجات و أحطّها تكمن في انعزاليته و أنانيته و تركزه حول ذاته ؛ ثم تليها درجات أرقى و أرقى رقيا نسبيا بحسب عدد الحلقات التي تستوعبها نفسية الفرد ؛ و على درجات هذا الرقي لا بد أن يسترشد الفرد بنور قيم أخلاقية نبيلة تجعله أقدر على قبول و استيعاب الآخرين .
و إنه من المعلوم بالضرورة في ديننا الحنيف أن آصرة العقيدة أقوى من أية آصرة أخرى سواء أكانت قرابة ، أم قبلية ، أم قومية أم وطنية ضيقة أم غيرها . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :» لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله و ولده و والده و الناس أجمعين « ( متفق عليه ). و قال الله تعالى :» إن الذين يحادّون الله و رسوله أولئك في الأذلين . كتب الله لأغلبنّ أنا و رسلي ، إن الله قوي عزيز . لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادّون من حادّ الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيّدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم و رضوا عنه ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون . « ( المجادلة ، الآيات : 20 ، 21 ، 22 ) ... ألا إن حزب الله هم المفلحون .
والانتماء إلى الإسلام هو الانتماء الأصل و الحَكم الذي يحق أن تكون له الهيمنة و السيطرة . » يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و رسوله إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ، ذلك خيرٌ و أحسن تأويلا « ( النساء ، الاية 59 ) ... هو الأحق بالهيمنة و السيطرة لأن ذلك خيرٌ و أحسن تأويلا .
والمواطنة بدورها انتماء ... انتماء يجد له دعاةً و مبشرين متحمسين يعتقدون أنه الأحق بالهيمنة و السيطرة على غيره من الانتماءات الأخرى كيفما كانت . و في هذا الصدد يدعون إلى واجبات و حقوق المواطنة ..؛ و خدمة الوطن ..؛ و النضال من أجل الوطن ...، و الوطنية ...إلخ . فنميز في الأخير ما بين أنا المواطن المغربي ..، و أنت المواطن السوري .، و أنت المواطن المصري ..؛ إلخ ... و ما أظن تلك الكلمات و باقي مشتقاتها التي يلفظ بها كل يوم على مسامعنا إلا أنها أضحت أشكالا متضخمة الحجم فارغة المضمون ، لم تعد تحمل في حقيقتها أي معنى في نفوس سامعيها ..، مجرد فقاعات ، كلما ازدادت تضخما زاد احتمال انفجارها و اندثارها .
إنه بعودتنا إلى تاريخ ظهور مفهوم " الوطنية " سواء أبالمغرب أم بغيره من البلدان العربية الإسلامية نجده في حقيقة الأمر مجرد وعاء فارغ لم يكن ليعمُره و لا ليعطيه معنى في نفوس الذين سموا ب" الوطنيين " غير الإسلام . بمعنى آخر صريح : لا شرعية للوطنية و لا قبول إلا بالإسلام . الفكرة الوطنية بدون الإسلام جثة هامدة لا روح فيها و لا حياة . و لنستشهد هنا بما قاله الأستاذ عبد الكريم غلاب باعتباره أحد رواد الحركة الوطنية المغربية وشهودِها ، قال :» و ظل الدين و ما يزال عاملا فعّالا في الفكرة الوطنية حوله يتداعى المواطنون للدفاع عن الوطن . و يكفي أن نقول أن معظم المعارك التي خاضها المغاربة ضد خصومهم في المغرب و الأندلس و إفريقيا كان باعثها الدين ، و نجحت بالدين . و كان الدين القاسم المشترك بين جميع المواطنين مهما تباعدت أقاليمهم و اختلفت قبائلهم . و لذلك كانت معارك التحرير المسلح ضد الأجانب (...) تتخذ من الدين وسيلة لتجميع المواطنين حول الفكرة الوطنية الجهادية . و كانت الحركة الوطنية الحديثة في منتصف العشرينيات و أوائل الثلاثينيات (...) كذلك ذات طابع إسلامي « ( تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب ، ص : 16 ). و يشهد لهذا القول أن الحركة الوطنية المغربية انطلقت من المساجد ، و كان من أوائل أشكال احتجاجاتها الدعاء ( قراءة اللطيف ) ، و تزعمها شباب من خريجي القرويين و باقي المدارس العتيقة . و قبلها قامت المقاومات المسلحة على أساس ديني : فالشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين زعيم المقاومة بالجنوب شيخ زاويةٍ ، سعى أتباعه في الدعوة إلى مبايعته بالصحراء و سوس و درعة على أساس مكانته الدينية الصوفية ، و فعلا تم لهم ذلك فالتف الناس حوله؛ و الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي زعيم المقاومة بالشمال قامت قائمته على أساس الدين و فعلا تم له ذلك فالتف الناس حوله ... بل حتى إذا أخذنا مجالا ضيقا مثل صاغروا معقل قبائل آيت عطا الأمازيغية بالأطلس الصغير نجد أن قائمتهم قامت على أساس الدين ؛ ففي خضم ما يُحكى عن مقاومتهم الشرسة ضد الاستعمار الفرنسي و أذنابه بزعامة القايد الكلاوي نجد أن من بين أسباب رفضهم و رفض القائد البطل عسو أبسلام الخضوع للمستعمر هو غيرتهم على نسائهم من أن يكنّ عرضة للمهانة بسبب ما كان يفعله الكلاوي من إجبار نساء المستضعفين على الرقص له و لرجاله في رقصات " أحواش " و الغيرة من الإسلام ؛ و نجد أن شعاراتهم الجميلة (1) التي كانوا يرددونها و هم يصارعون العدو الكافر في قمة بوغافر تفوح منها رائحة الإسلام الزكية الطاهرة تحُث الجميع على الجهاد و الصمود ؛ و حتى استسلامهم المشرف للعدو الكافر كان من بين شروطهم فيه أن لا تتدخل فرنسا في الشؤون الدينية للسكان ... غيرة على الدين .
و يستمر الإسلام هو الملهم لكل التحركات " الوطنية " ؛ فقيام الحركة الوطنية كان الدين باعثه الأساسي . و قد أقول بأنه لولا الغيرة على الدين لما ولدت و لما وجدت هذه الحركة . يحكي رواد الحركة الوطنية فيما ألفوه من كتب أن الوطنيين الأوائل كانوا من خريجي المدارس العتيقة حيث تسود علوم الشريعة الإسلامية ، و كان باعث روح النضال فيهم هو الإسلام باعتبار أن النضال هو مجرد مرادف من مرادفات كلمة " الجهاد " ، و هكذا باعوا أنفسهم و بذلوا كل ما كانوا يملكون في سبيل " الوطن " باعتبار أن " حب الأوطان من الإيمان " ..؛ لم يكونوا ينتظرون أن تُرَصّع صدورهم بالأوسمة و النياشين و لا أن تقام لهم التماثيل ، بل كانوا ينتظرون إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة في سبيل الله .
كان الإحساس الذي يعمُر قلوب الوطنيين الأوائل آنذاك هو أن انحراف المغاربة عن شريعتهم هو سبب هَوَانِهم على أعدائهم ، فكانت حركتهم حركة صحوة إسلامية و إصلاح ديني تستمد مشروعيتها من أنها قامت لإقامة الدين ؛ و يبقى المسجد هو دائما و أبدا المنطلق . جاء في المرجع السابق : »من التحديات التي كان يمارسها الاستقلاليون في بداية الحركة ما كان يقوم به مثلا الشهيد الأستاذ عبد العزيز بن إدريس ، فقد كان ينتقل بين القرى على غير هدى ، و يبدأ بالمسجد أو ما يمكن أن يكون شبه مسجد . و مع أول جار له يؤدي الصلاة يُكون الخلية الأولى في القرية لكتلة العمل الوطني « (هامش ص : 55 ) . وعى الوطنيون خطورة المستعمر على عقيدتهم و مخططاته للعبث بشريعتهم و القضاء على هُويتهم ، فشرعوا بكل ما أُوتوا من قوة في إلقاء الدروس الدينية بالمساجد و بناء المدارس الحرة لبعث و إحياء الشعور بالهوية العربية الإسلامية في النفوس و تخليص معتقدات المغاربة مما علق بها من خرافات و تقاليد تنافي الدين . اشتهر الأستاذ علال الفاسي بدروسه عن تاريخ الإسلام ، و شرع آخرون بإلقاء دروس عن تاريخ المغرب بنكهة إسلامية طبعا تبدأ مع إدريس الأول سليل الدوحة النبوية الشريفة . و اشتهرت الحركة الوطنية كذلك بمقاومتها الشديدة للزوايا المنحرفة عن الدين باعتبار أن الحركة تنهل من معين السلفية سواء أفي إطار دعوة جمال الدين الأفغاني و محمد عبده أم في إطار الدعوة الوهابية .
و لقد عانى هؤلاء كثيرا لأجل ما كانوا يجاهدون ؛ عانوا في أنفسهم ، و في أهليهم و في أموالهم . تُرى ، ما الذي كان يدعو هؤلاء لبذل كل ذاك الجهد و العناء ؟ ما هي تلك الروح التي كانت تسكنهم فتحركهم و تحثهم على الثبات ؟...
بل ما الذي سيدعونا نحن إلى بذل الجهد و تحمل العناء ؟ و ما هي تلك الروح التي ستسكننا فتحركنا و تحثنا على الثبات ؟...
أنتم يا دعاة الانفتاح حسب فهمكم ، و الحداثة حسب فهمكم ، و الديمقراطية حسب فهمكم ، و التسامح حسب فهمكم وكل القيم النبيلة التي تدعون إليها حسب فهمكم تقصدون سرابا و وهما سميتموه مواطنة ، و واجب المواطنة ، و الوطنية ، و التربية على المواطنة . تقصدون جثة هامدة لا روح فيها و لا حياة .
أنتم أيها المقلدون ، الذين لا نرى لكم فيما تنقلون عن أساتذتكم الغربيين إبداعا ، تتجرؤون بالقول على مسامعنا و بالفعل على أنظارنا ، تقولون و تفعلون أشياء و أشياء تستفز هُويتنا و تسخر منها بدعوى ما تدعون إليه حسب فهمكم . وتظنون وتظنون ..، رصيدكم الكثير من الظنون ..، و تتهمون أمثالنا بالظنون ... هويتنا أنتم تمسخونها و كأنكم تحاولون طمسها ، فتختزلونها في مظاهر هجينة تعرضونها على السياح بفخر ، و كأن المغاربة ما هم غير أكلات و رقصات ونتف من العادات ..؛ وقد كان عهدنا بالمغاربة أنهم كانوا ينشرون الإسلام بشبه الجزيرة الأيبيرية و السودان الغربي ، و يجودون بنفحات من صوفيتهم على الشرق . إنكم تعرضون المغرب على زواره بمثل ما كان يُعرض سكانَ إفريقيا على الأوربيين من قِبل المستكشفين : شعوب بدائية همجية تمارس طقوسا غريبة و عجيبة " غير متحضرة " عموما ؛ مجرد " فلكلور" ، و من بين معاني الفلكلور حسب المعجم : الطريف التافه الذي لا قيمة له و لا معنى ... فما حيلة السائح غير الفرجة الباسمة سخرية ثم العودة توًّا إلى بلاد الحضارة.
إنكم تصنعون لنا " مواطنين " تائهين كأنه لا هوية لهم و لا معنى ..؛ جل همهم التفكير بعيدا عن هذا الوطن ، فهذا طابور من " المواطنين " ينتظر بكل ما يملك من صبر للظفر بتأشيرة للذهاب إلى الخارج ، و ذاك طابور آخر يبحث له عن سماسرة الهجرة السرية للعبور إلى الخارج ..، أما من انقطعت بهم السبل و كانوا ينتظرون مضطرين فإنهم يهاجرون بأنفسهم بعيدا عن عادات وتقاليد وطنهم ليستقروا بها أي بأنفسهم في عادات وتقاليد الخارج ، و ما أسهل الهجرة عن هذا الوطن عبر الفضائيات و الإنترنيت !..، و عموما فإن لهم رغبة شديدة في الذهاب بعيدا و العيش بعيدا عن هذا الوطن .
إن المتتبع لمخططاتكم يمكن أن يخلُص في نهاية تتبعه إلى نتيجةٍ نهائية مؤدّاها : أنكم تهدفون من وراء جهودكم المضنية إلى إحداث بلد ممسوخ ؛ بلد نسخة طبق الأصل لفرنسا أو أمريكا أو غيرها قلبا و قالبا ...
... لا تتعبوا أنفسكم بكثير عناء ، فإن صناعتكم تذهب بعيدا عن هذا الوطن إيمانا منها بأن النسخة نسخةٌ و الأصل أصلٌ ، و إن النسخة مهما بلغت جودة النسخ لن ترقى إلى جودة و أصالة الأصل . بتعبير صريح : إذا لم تكن مواطنتي المغربية مميزة بروحها العربية الإسلامية ، فإنه لا معنى لحياتي بالمغرب ..، إذا كانت مواطنتي المغربية ستسكنها روح غربية فرنسية أو أمريكية أو غيرها فالمنطق سيقودني إلى أن أذهب إلى حيث الغرب و فرنسا و أمريكا فإن العيش هناك حسب الروح التي ستسكنني أحسن و أفضل ...
------
(1) ورد في كتاب " الكفاح المغربي المسلح " أن نساء آيت عطا كن ترددن هذا الشعار ( بالأمازيغية ) لتحفيز الرجال على الصمود أثناء نشوب القتال ضد الجيش الفرنسي : أوتات أيعرمن ، أوتات إرومّين ، أوتات غردات ، أعديلات تيتي ، هاتي وانّا يمّوتن كالجهاد إدّا غا سالجنة ، إزايد العز إيّايتماس .
معناها باللسان العربي : اضربوا أيها الشباب ، اضربوا النصارى ، اعدلوا و صوبوا الضربات ، فإن من مات في الجهاد كان مصيره الجنة ، و زاد العز لأهله .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.