لم تعد العلاقة بين المغرب وفرنسا مجرد امتداد لصورة كلاسيكية رسمتها قرون من الوصاية الاستعمارية والهيمنة الدبلوماسية والاقتصادية، بل تحولت اليوم إلى ساحة تعكس انقلاباً في موازين القوى وارتجاجاً في البنية الذهنية للنخبة الفرنسية التي لا تزال تتعامل مع المغرب وكأنه مجرد هامش تابع للمتروبول. غير أن الواقع مختلف جذرياً، فالمغرب لم يعد ذلك البلد الذي يقبل بسياسات الإملاء أو بإملاءات الحماية المقنّعة، بل صار يفرض شروطه في المعاملات الاقتصادية والدبلوماسية، وينسج قواعد جديدة للعبة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لا على علاقة السيد بالتابع. إن هذا التحول لم تستطع النخبة الفرنسية استيعابه بعد، لذلك لا زالت وسائل إعلامها ومراكز بحثها تنظر إلى المغرب بعيون استعمارية غابرة، متجاهلة أن القرن الحادي والعشرين أنتج مغرباً صاعداً بثقة وإصرار، يستثمر في ذاته ويعيد صياغة حضوره في محيطه الإقليمي والدولي وفق مقاربة استقلالية متحررة من الإرث الاستعماري. الفرنسيون يعيشون ارتباكاً واضحاً أمام هذا المشهد، حيث تتكشف مظاهر التناقض في خطابهم السياسي والإعلامي. فمن جهة يحاولون إظهار نوع من "الاستقرار الدبلوماسي" مع المغرب، ومن جهة أخرى ينخرط جزء واسع من إعلامهم في حملات تشويه منظمة ضد المملكة، وكأنهم يعاقبونها على جرأتها في كسر الطوق التقليدي والبحث عن بدائل وشركاء جدد في آسيا وأمريكا اللاتينية والخليج وإفريقيا. هذا السلوك يكشف أن النخبة الفرنسية لم تتصالح بعد مع تراجع دور بلادها على الساحة الدولية، وأنها ترفض التسليم بأن المغرب لم يعد مجرد رقم صغير في حسابات باريس، بل فاعلاً يملك قراره ويستطيع أن يفرض شروطه على أي علاقة، مهما كانت قوة الطرف الآخر. ولعل هذا ما يفسر تلك النبرة المتعالية التي تصدر عن بعض الساسة الفرنسيين، والتي تحاول الإيحاء بأن فرنسا ما زالت قادرة على التحكم في مصائر الشعوب كما فعلت أيام نابليون بونابارت أو الحقبة الكولونيالية. إن تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا جنوب الصحراء يمثل السياق الأوسع لفهم هذا التوتر مع المغرب، ففرنسا التي كانت ترى القارة فضاءً طبيعياً لهيمنتها الاقتصادية والثقافية، تواجه اليوم انسحاباً متسارعاً نتيجة صعود قوى جديدة مثل الصين وتركيا وروسيا وحتى بعض الدول الخليجية، إضافة إلى بروز فاعلين أفارقة يسعون إلى التحرر من التبعية. وفي هذا الإطار، يظهر المغرب كلاعب مركزي في إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للقارة، فهو لا يكتفي بحماية مصالحه الوطنية بل يطرح نفسه كجسر تنموي واستثماري نحو إفريقيا، من خلال استثمارات في البنية التحتية والمصارف والطاقة المتجددة. هذا الدور يقلق فرنسا التي كانت تعتبر نفسها الوصي الوحيد على إفريقيا الناطقة بالفرنسية، لكنه اليوم يصطدم بمغرب يملك رؤية استراتيجية متحررة من الحماية الفرنسية، وهو ما يدفع النخب الباريسية إلى استحضار خطاب التكبر والتعالي كلما فشلوا في مجاراة صعود المغرب. وإذا ما عدنا إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، نجد أن فرنسا لم تتخلّ يوماً عن نزعتها للتحكم في القرار المغربي، سواء عبر آليات اقتصادية مرتبطة بالاستثمار والديون، أو عبر النفوذ الثقافي والإعلامي الذي سعت من خلاله إلى الحفاظ على ارتباط النخبة المغربية بباريس. غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحولات عميقة، أبرزها أن المغرب نجح في تنويع شراكاته الاستراتيجية، حيث أقام علاقات متينة مع الولاياتالمتحدة، وعمّق حضوره في السوق الصينية والروسية، وفتح قنوات تعاون واسعة مع بلدان أمريكا اللاتينية. هذا التنويع جعل النفوذ الفرنسي يتآكل تدريجياً، وهو ما انعكس على نفسية نخبها التي ما زالت تعيش على أوهام فرنسا العظمى، معتقدة أن الرباط ستظل مرتبطة عضوياً بها. لكن ما يجري اليوم يؤكد العكس: المغرب لم يعد يقبل أن يُعامل كمجرد ملحق بقرار باريس، بل يفرض نفسه كقوة صاعدة لها مصالحها ورؤيتها المستقلة. إن المغرب بتموقعه الجديد لم يعد يطلب اعترافاً من فرنسا أو غيرها، بل يسعى إلى علاقة ندية قوامها التوازن والمصالح المشتركة. لكن النخبة الفرنسية لا تزال ترفض التخلي عن موقع "الأستاذ" الذي يوزع التعليمات، في حين أن المغرب يرفض أن يكون "التلميذ" المطيع. هنا يتجلى جوهر الأزمة: فرنسا لم تدرك بعد أن مرحلة الاستعمار انتهت بلا رجعة، وأن الرهان على خطاب التعالي والتكبر لم يعد ينطلي على أحد، بل صار مثيراً للسخرية أمام تحولات عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فالمغرب لم يعد فقط بلداً نامياً يبحث عن اعتراف، بل قوة إقليمية أثبتت حضورها في ملفات دولية كبرى، مثل قضية المناخ والهجرة ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى دوره الحيوي في الاستقرار الإقليمي بإفريقيا والساحل. وفي المقابل، تعيش فرنسا أزمة هوية سياسية واقتصادية عميقة، فهي لم تعد تملك نفس النفوذ داخل الاتحاد الأوروبي أمام الصعود الألماني والتماسك المتنامي للإرادة الجماعية في بروكسيل، كما فقدت الكثير من مكانتها في الشرق الأوسط وإفريقيا، وأصبح حضورها الدبلوماسي في الملفات الكبرى محدود التأثير. هذه الأزمة انعكست على خطابها تجاه المغرب، حيث تحاول باريس استعادة توازنها المفقود من خلال التشبث بممارسات قديمة لم تعد ذات جدوى. وهكذا نجد أن الحملات الإعلامية التي تستهدف المغرب لا تعبر فقط عن خلافات ظرفية، بل عن صعوبة فرنسا في تقبّل واقع أن المغرب أصبح قوة صاعدة، لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها بل تضع قواعد جديدة للتعامل مع القوى الكبرى. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلاف عابر في العلاقات المغربية الفرنسية، بل هو انعكاس لتحول عميق في النظام الدولي. فالمغرب، الذي كان يُنظر إليه كدائرة نفوذ فرنسية حصرية، أصبح رقماً صعباً يفرض نفسه على الطاولة الدولية، في حين أن فرنسا التي تتغنى بماضيها الإمبراطوري تجد نفسها مضطرة للتأقلم مع واقع جديد لم تكن مهيأة له. هذا التناقض بين "الحنين الفرنسي" إلى الماضي و"الوعي المغربي" بالحاضر والمستقبل هو ما يغذي اليوم توتراً صامتاً، قد يتحول في أي لحظة إلى أزمة مفتوحة إن لم تتحل باريس بالشجاعة لمراجعة مقاربتها. ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة المغربية هو أن التحرر من الوصاية لا يعني قطع العلاقات أو الانغلاق، بل يعني إعادة تعريف الشراكة وفق منطق الندية والاحترام. فالمغرب لم يغلق أبوابه أمام فرنسا، بل لا يزال يعتبرها شريكاً ممكناً، لكن بشروط جديدة ترفض منطق التفوق الاستعماري. وإذا كانت فرنسا لا تستطيع استيعاب هذا التحول، فإنها ستجد نفسها أكثر عزلة أمام منافسة قوى أخرى تملك استعداداً للتعامل مع المغرب كند وشريك استراتيجي، لا كدائرة نفوذ تابعة.