كانت، ومازالت، وستبقى حرية الإعلام مطلبا مجتمعيا ملحّا بل ضرورة مجتمعية وسياسية بالنسبة لكل بلد يسير في اتجاه الديمقراطية أو يزعم ذلك. في هذا الشأن ولأنّ مخاطر ثورة الإعلام والاتصال والتطورات الهائلة والسريعة للتكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي (...) تزداد حدّة، فإنّ هنالك ثلاثة أسئلة محورية تفرض إعادة طرحها باستمرار من لدن الدولة والباحثين والإعلاميين: أي مفهوم جديد للإعلام؟ ما المقصود بحرية الإعلام وماهي حدودها؟ ولماذا حرية الإعلام ضرورة مجتمعية وسياسية اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ ذلك ما سنلامسه في هذه الورقة مستحضرين أنّ من حق المواطن والمواطنة أن يعلما ما يجري من حولهما وفي محيطهما، دون ادعاء بامتلاك حقيقة الفهم والمعرفة. في المفهوم الجديد للإعلام.. تفيد القراءة المتمعنة في مجموعة من التعريفات والمفاهيم في استنتاج المفهوم التالي: الإعلام بمفهومه الجديد هو عملية تزويد الناس/ الجماهير بالمعلومات الصحيحة، والأخبار بعد التدقيق في مصادرها، ومختلف وجهات النظر والآراء والأفكار، ونشر المعرفة العلمية والثقافة الهادفة إلى رفع منسوب الوعي لدى المجتمع أفرادا وجماعات، وتقديم محتويات ترفيهية ورياضية وثقافية جادة، وذلك عبر وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزة، والرقمية مثل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات وغيرها، بهدف إحداث التأثير في سلوكيات الأفراد وتشكيل الرأي العام. لكن لن يعفينا تقديم هذا المفهوم الإجرائي والمبسّط للإعلام من تبيان حقائق علمية أوضحها أستاذ الاتصال والإعلام الدكتور محمد طلال ( رحمه الله) في محاضراته وكتابه " الاتصال في الوطن العربي" وكذا الأستاذ في المجال ذاته محمد الأمين موسى في كتابه " في رحاب الصحافة " ومفادها أنّ الإعلام شكل من أشكال الاتصال / التواصل، أي أن الاتصال أو التواصل والمدلول واحد كما أكّد على ذلك محمد الأمين موسى في المرجع أعلاه، مفهوم شامل يتضمن من بين ما يتضمنه الإعلام، يقوم به مرسل محترف يستهدف جمهورا بعينه، وذلك بقصد التأثير فيه من خلال الأفكار والمواقف والرسائل الموجّهة لجمهور المتلقين. ويتم هذا التواصل عبر وسائل متنوعة والقصد ما تمت الإشارة إليه من وسائل إعلام تقليدية ورقمية. والإعلام علم مثل باقي العلوم الاجتماعية أي أنّ له نظرياته ومناهجه ومدارسه، إلخ. وسيستشف الباحث في العلاقة التي تربط الاتصال/ التواصل بمختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية أنّه مرتبط بمختلف هذه العلوم، ولذلك فهو يعدّ علما محوريا يهمّ مختلف العلوم، يتأثر بها ويؤثر فيها. وقد ذهب محمد الأمين موسى في كتابه السالف ذكره إلى أنّ علم النفس هو أهم علم مرتبط بعلم الاتصال. كما أنّ الصحافة تنتمي إلى حقل الإعلام والاتصال. ونستشف من ذلك أنّه ليس كل من حمل " كاميرا " أو " ميكروفون " فهو صحافي، فنادرا ما يؤدي الارتجال إلى نتيجة في الإعلام والصحافة لأنّ المعرفة الإعلامية لا تأتي من فراغ بل هي نتيجة للدراسة العلمية في المسالك المخصّصة لذلك بالجامعات وفي المعاهد والمدارس المختصة في الصحافة وعلوم الإعلام والاتصال. ولا يكفي التكوين النظري في هذا المجال حيث يحتاج الخريجون في كل فروعه دون استثناء إلى تكوين ميداني جيد تحت إشراف الممارسين المهنيين والاحترافيين. في المقصود بحرية الإعلام وحدودها.. ذهب الباحث العربي في الإعلام والاتصال طارق الخليفي في كتابه الجدير بأكثر من قراءة " سياسات الإعلام والمجتمع " إلى أنّ المقصود بحرية الإعلام، أن يكون الإعلام حرا مستقلا لا يهدف إلاّ إلى صالح المواطنين والمواطنات، بعيدا عن الانحياز أو التحيز لسلطة أو هوى أو اتجاه. وبما أن هذه الحرية ليست مطلقة، فهنالك قانون الإعلام الذي يشكّل ضابطا لها. وفي هذا الشأن، فقد قدّم محمد طلال ( رحمه الله) الخبير العربي في مجال الاتصال والإعلام وللمعلومة والحاصل على الدكتوراه في القانون العام، (قدّم) تعريفا مبسّطا ومركّزا لقانون الإعلام والاتصال تفاديا للجدل الأكاديمي وهو التالي: " قانون الإعلام والاتصال يكوّن مجموعة القواعد والأنظمة التي تعرّف حق الإعلام والاتصال وتضبط مظاهره ووسائل ممارسته ". وكما تمت الإشارة سابقا، فالصحافة تنتمي إلى حقل الاتصال وللتوضيح فهي فرع أساسي، عملي، من فروع علم الإعلام. وفي حالة المغرب، بالرجوع إلى دستور المملكة المغربية لسنة 2011 وهو أسمى قانون في البلاد نجد أنه ينص في الفصل 28 منه بشكل صريح وواضح على أن " حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية (...)". وينص الفصل ذاته على مجموعة من الضوابط الدستورية في هذا الشأن ومنها أن السلطات العمومية تشجّع على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به. وأن القانون يحدّد قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها، ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي. وأن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تسهر على احترام هذه التعددية، وفق أحكام الفصل 165من الدستور. وينص الفصل 25 من دستور 2011 على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة. ويمكن للقارئ (ة) الرجوع إلى الدستور للمزيد من المعلومات المتعلقة بحرية الصحافة التي هي جزأ لا يتجزأ من حرية الإعلام وحرية الفكر والرأي والتعبير والإبداع والنشر. خلاصة القول، بناء على ما تقدم وغيره كثير فإنّ ما يقيّد حرية الإعلام والصحافة مرجعيتان: المرجعية القانونية.، وميثاق الشرف بين الممارسين المهنيين. وتنطلق أخلاقيات الممارسة الإعلامية من وعي واضح بالرسالة الإعلامية التي يجسّدها الممارسون، ويتمثل دورهم في ثلاثة أبعاد إنسانية: البعد الوطني.، والبعد الإنساني.، والبعد القومي. والقصد بهذا الأخير في حالة الوطن العربي، البعد المتعلق بالأمة العربية والإسلامية التي تجمعها اللغة والتاريخ والمصالح الاقتصادية والثقافية المشتركة والتي تعيش اليوم مرحلة عصيبة من تاريخها تحتاج إلى المزيد من الجهود السياسية والإعلامية لتجاوز مخاطرها الآنية والمستقبلية. حرية الإعلام ضرورة مجتمعية وسياسية اليوم أكثر من أي وقت مضى.. بداية دعنا نتّفق على أنه لا يمكن الفصل بين المجتمعي والسياسي لأنّ السياسة جزأ لا يتجزأ من المجتمع، فهي تتعلق بكيفية حكمه وتنظيميه بينما ينعكس الواقع الاجتماعي والقصد ثقافة المجتمع وقيمه وتحولاته على السياسة ويؤثر في قراراتها. ولا توجد سياسة ناجحة دون فهم عمق المجتمع. وكذلك فالمجتمعي والسياسي متداخلان ويتأثران ببعضهما البعض. ويذهب العالمون بشؤون السياسة والمجتمع إلى أنه حتى مبدأ فصل السلطات لا يعني قطع الصّلة بينها بل تنظيم العلاقة بينها. وبناء عليه، نعيد طرح السؤال: لماذا حرية الإعلام ضرورة مجتمعية وسياسية اليوم أكثر من أي وقت مضى؟. سنلامس الجواب عن ذلك دون الفصل بين المجتمعي والسياسي نظرا لعلاقتهما التلازمية والمتداخلة كما تمت الإشارة فيما تقدم من سطور. امتلاك الجماهير/ الناس للمعلومات المختلفة والمتنوعة، وتوفّرهم على الحقائق والأخبار التي دقّق الإعلام الحر والمستقل في مصادرها (...) تمكّنهم من تكوين آرائهم واتخاذ مواقفهم المتعلقة بحياتهم الخاصة والمجتمعية. وتمكّنهم من فهم الأحداث والوقائع المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية. وباختصار شديد، تمكّنهم من فهم ما يحيط بهم. وبالنتيجة، يتمكّن المواطنون والمواطنات من اتخاذ القرارات المجتمعية والسياسية الصائبة خاصة في حالة الاستحقاقات الانتخابية. الإعلام الحر، ضرورة لأنّه يمكّن الناس من التعلّم والتوعية والتثقيف والترفيه الهادف إلى بناء شخصية الفرد والمجتمع المتوازنة نفسيا وسلوكيا واجتماعيا، خاصة في زمننا الذي تسود فيه ثقافة التفاهة بل ثقافات التفاهات، وأصبح " البوز" مقياسا للنجاح في الحياة بدلا من الكفاءة العلمية والقدرة على الإبداع والخلق والتفكير النقدي... الإعلام الحر، يساعد على تكوين الرأي العام الذي يعكس وجهة أو جهات نظر عامة الناس ومعتقداتهم وآرائهم واتجاهاتهم حول قضية عامة تهم المجتمع برمته. ويؤثر الرأي العام بشكل كبير في القرارات العمومية السياسية والمجتمعية والثقافية. يعمل الإعلام الجاد المستقل على نشر المعرفة والعلوم والثقافة، من خلال البرامج الحوارية و" الحوار" من أرقى الأجناس الصحفية، ومن خلال التحقيقات الإعلامية والصحفية التي تستند إلى ضوابط علم الإعلام، والوثائقيات (...). ومن أدوار الإعلام الحر والمستقل، العمل على التوجيه من خلال التأثير الإيجابي في الناس/ الجماهير. وما أحوجنا إلى التوجيه الصحيح للشباب والأطفال في زمن الاتجار في البشر والاستغلال الجنسي للأطفال (...). إنّ الإعلام الحر يعمل على تقويم سلوكيات الأفراد والمجتمع. ومن جانب آخر، فالإعلام يعدّ ركيزة أساسية في المجتمعات الديمقراطية إلى جانب القضاء والسلطات الأخرى. وهو يساهم في حماية المصلحة العامة، ومحاربة الظلم والفساد بشتى أنواعه وخاصة منه المالي والإداري والسياسي. ويشكّل الإعلام الحر والمستقل آلية للرقابة على السلطات وعلى أعمال ممثلي المواطنات والمواطنين في الجماعات الترابية. وللإعلام الحر والمستقل دور كبير في بناء الثقافة وتشكيل الوعي الجمعي وتوجيه السلوك الاجتماعي (...). وهي وغيرها عوامل تفضي إلى بناء الديمقراطية الحقيقية. والديمقراطية الحقيقية لا تنبني على ديمقراطية الانتخابات ونزاهتها فحسب، بل يلمسها المواطن العادي في الإدارة والمدرسة والشارع وتتجسد في تراب جماعته وعمالته أو إقليمه وجهته. ولا يمكن الحديث عن إعلام حر في غياب حرية الإعلاميين وتمتّعهم بحقوقهم المادية والمعنوية ومنه الحق في العيش الكريم وحرية التعبير. وللإعلام الحر والمستقل دور كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، والمساهمة الفعلية والفعّالة في تحقيق شروط الاستقرار السياسي بالبلد. إنّ الإعلام الحر والمستقل يساهم إلى جانب القضاء النزيه والتربية على قيم المواطنة والقيم الإنسانية والتعليم النافع للفرد والمجتمع (...) (يساهم) في توفير الشروط الضرورية لبلوغ مرحلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها الغاية المرجوة من لدن الدولة والمجتمع. وعلى خلاف الماضي، فبفضل تطور وسائل الإعلام نظرا للتقدم الحضاري الذي أصبحت تعرفه البشرية، أصبح بإمكان الناس وخاصة منهم الشباب التفاعل مع المرسل الإعلامي والرد على الرسائل الإعلامية والتعبير عن الاحتياجات الخاصة والعامة من شغل وتكوين وتثقيف (...) . وفي ذلك، أحد الجوانب الإيجابية لثورة الإعلام والاتصال والتطورات التكنولوجية حيث أصبح بإمكان دوي القرار السياسي استضافة الأخصائيين في علوم النفس والتواصل والاجتماع والاقتصاد لدراسة هذه الردود والتفاعلات والتعبيرات المجتمعية. مجمل القول، بناء على ما تقدم نخلص إلى استنتاج هام مضمونه إن حرية الإعلام ضرورة مجتمعية وسياسية في الوطن العربي والمغرب منه بالنظر للاعتبارات السابقة الذكر، وللاعتبارات التالية التي لا تقلّ أهمية عنها: – إذا لم تتم تلبية احتياجات الناس المجتمعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى حدّ معقول، فإنّ ذلك سيؤدي إلى بحثهم عن طرق بديلة لتلبية هذه الاحتياجات. وقد يفضي " الصمت " إلى الإخلال بالاستقرار الاجتماعي والسياسي. – يقود تفاعل الجماهير وخاصة منها الشباب والأطفال مع وسائل الإعلام إلى درجة عالية من التبعية النفسية لها. ولنا أن نسأل المختصين في علوم التربية والنفس والاجتماع والتواصل عن نتائج ذلك. – من الممكن أن يسعى الفرد الذي يتفاعل باستمرار مع وسائل الاتصال والإعلام للتحول نحو هذه الوسائل أكثر من التحول نحو الأفراد الآخرين. -إعلامي وباحث