سلطت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مساء أمس الجمعة، الضوء على "تجربة المغرب في مجال حقوق الإنسان، باعتبارها ثمرة مسار إصلاحي عميق وتراكمي، ذي أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية وثقافية، لا يمكن اختزاله في مجرد توالي إجراءات أو إصلاحات معزولة"، مشيرة إلى أنه "مسار يعكس اختيارات وطنية صريحة وواضحة تجعل من الكرامة الإنسانية أساسا للعمل الجماعي". وأبرزت بوعياش، في عرض بمناسبة تقديم مؤلف جماعي حول موضوع "حقوق الإنسان: التحديات والآفاق المعاصرة في عالم معولم"، بمقر المحكمة العليا بالمكسيك (Suprema Corte de Justicia de la Nación)، أن "تطور حقوق الإنسان في المغرب يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار ترسيخ البناء الديمقراطي، ويطمح إلى نقل الكرامة الإنسانية من مفهوم مجرد إلى مرجعية مركزية توجه الإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية، لتصبح حقوق الإنسان إطارا ناظما للتشريع وللسياسات العمومية". واستعرضت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مقومات مفهوم الدولة الحامية أو المدافعة عن حقوق الإنسان كما يتجسد في التجربة المغربية، انطلاقا من خمسة مرتكزات أساسية، تتمثل في "احترام سيادة القانون وتفادي أي انتهاك من قبل الدولة نفسها"، و"حماية الحقوق عبر آليات قضائية وغير قضائية"، و"النهوض بحقوق الإنسان من خلال السياسات العمومية"، و"ضمان فعلية الحقوق عبر الولوج إلى العدالة والمساواة أمام القانون، خاصة لفائدة الفئات الهشة"، و"إرساء مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، استنادا إلى الرقابة الديمقراطية ومسؤولية السلطات العمومية". وذكّرت المسؤولة الحقوقية المغربية بأن "المغرب شهد، منذ أكثر من عقدين، منعطفا حاسما جعل حقوق الإنسان في صلب النقاش العمومي، وعزز انخراط المواطنات والمواطنين، وأسفر عن إحداث هيئة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة لمعالجة انتهاكات الماضي، شكلت توصياتها أساسا لإصلاحات دستورية وتشريعية ومؤسساتية كبرى، من بينها تعزيز المسار الديمقراطي والنهوض بفعلية حماية حقوق الإنسان والنهوض بها". وبالمناسبة ذاتها، جددت بوعياش التذكير بالمرتكزات الثلاثة التي تقوم عليها المقاربة المغربية في الإصلاح، المتمثلة في "البحث عن التوافق بدل التسوية"، و"ابتكار الحلول الملائمة للسياق الوطني"، و"الإشراك والمشاركة الواسعة لكافة الفاعلين في إطار مقاربة تشاركية تشمل مختلف جهات المملكة". ولم يفت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الوقوف، في هذا السياق، على "الدور المحوري الذي اضطلع ويضطلع به المجتمع المدني المغربي في تعزيز تملك المعايير الدولية والترافع من أجل ترجمتها إلى سياسات عمومية ملموسة". ومع الإقرار بأن "تطور مثل هذه المسارات لا يكون دوما خطيا ويخضع لنقاشات وانتقادات وتحديات في مرحلة التنفيذ"، شددت بوعياش على أن "الالتزام بحقوق الإنسان في المغرب يتعزز جيلا عبر جيل وأضحى خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه"، مضيفة أن "العمل الوطني يعتمد على مقاربتين متكاملتين هما مقاربة تفاعلية لمعالجة الانتهاكات، ومقاربة وقائية تجعل من حقوق الإنسان رافعة للتنمية الشاملة والمستدامة". في ختام كلمتها، أكدت آمنة بوعياش أن "المغرب يتجه اليوم نحو مرحلة أكثر تقدما يتعزز معها مبدأ ربط المسؤلية بالمحاسبة من خلال تعزيز مؤسساته وتوطيد حماية الحقوق، ولا سيما حقوق الفئات الأكثر هشاشة"، واعتبرت أن "التجربة المغربية تبرز أن بناء دولة حامية أو مدافعة عن حقوق الإنسان هو مسار تدريجي وتشاركي، يقوم على الحوار والتكيف مع الخصوصيات الوطنية، مع استحضار كونية حقوق الإنسان بأبعادها الثلاثة: الوقاية، الحماية والنهوض". يشار إلى أن المؤلف الجماعي الذي يضم مساهمة باسم آمنة بوعياش يمثّل "إسهاما نوعيا مشتركا تلتقي فيه خبرات ومسارات من مناطق جغرافية متعددة وتجارب متنوعة، يربط التحديات العالمية بوقائع ومبادرات وممارسات وحلول محلية، تجتمع في هدف واحد هو الدفاع عن حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية". جدير بالذكر أن "هذا المؤلف الجماعي المتوفر بمرجع المحكمة العليا بالمكسيك صادر بدعم وتعاون من الجامعة الإسبانية 'الملك خوان كارلوس' والمحكمة الانتخابية التابعة للسلطة القضائية للمكسيك، إلى جانب جهات أخرى، وقد شارك في تأليفه، إلى جانب آمنة بوعياش، عدد من الخبراء والمتخصصين في القانون وحقوق الإنسان، معظمهم من بلدان أمريكا اللاتينية، ولا سيما المكسيك وكولومبيا والبرازيل وبيرو والإكوادور، إضافة إلى خبراء من دول أخرى من بينها إسبانيا والمغرب وجورجيا".