الزواج هو الحياة الشرعية المشتركة القائمة بين الرجل والمرأة، لغاية بناء الأسرة والإنجاب، سيراً على صيرورة الحياة خلفاً عن سلف في المجتمع. والزواج، وإن لحقه الكثير من الإصلاح على مستوى الشرع والحياة العامة بالتنظيم والاحتفالية والاهتمام الاجتماعي بشؤون المرأة التي خرجت من بيت الزوجية كراعية للأطفال، إلى دائرة الاشتغال إلى جانب الرجل في المجتمع، ومنه تبوأت المكانة التي رفعت من قدرها وعطائها بالبيت والمجتمع، وأصبحت عضواً نشيطاً في المجتمع، كما هي سند بالبيت. الزواج في العصر الإسلامي: الزواج في الإسلام يرتبط بأحكام الشرع واجتهادات فقهاء العصر، التي تواكب روح التطور في المجتمع، عملاً بحديث الرسول مع معاذ بن جبل يوم ولاه على اليمن، بعد أن حبذ اجتهاده. ومن حياة الرسول بالمدينة، وزواجه من عائشة، نقدم رواية مشايخنا على النحو التالي: جاء بالرواية المروية على سبيل العلم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين طلب من أبي بكر الصديق الزواج من عائشة رضي الله عنها، بعثها والدها أبو بكر إلى مقام الرسول، وهي تحمل إليه من بيت أهلها طبقاً من التمر. وكان من ذلك التواصل بين أبي بكر الصديق والرسول الرؤية القبلية للزواج. بعدها تأتي الخطبة من الأهل، ثم استئذان المخطوبة لأجل الموافقة الشفوية على الزواج. ومن زواج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه أنجب من سيدتنا خديجة السيدة فاطمة الزهراء، وقضى بالزواج مع سيدتنا عائشة رضي الله عنها تسع سنوات هجرية. الزواج بالنظام الإسلامي: الزواج في العصور الإسلامية الأولى كان يجري بالزوجة الواحدة من الفئات المحدودة الدخل، وبالتعدد لدى الفئات الميسورة، أو من حالات رفع الضرر عن أحد الزوجين. ومن عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأة جاءت تطلب حقوقها الزوجية من زوج غاب عنها لمدة ستة أشهر، فاستجاب عمر لحقوقها. والإسلام بعد أن جاء بالعتق من الرق، جعل من المرأة سيدة في بيتها، ورفع الاستعباد عن أبنائها. الزواج بالعصر الاجتماعي: نخص بالعصر الاجتماعي حياة المرأة في المجتمع الإسلامي، بعد رفع الحجاب عنها من داخل البيت، وخروجها للمجتمع لطلب العلم والعمل، بعد أن كانت تحكمها التقاليد العائلية الموروثة عن الحياة الجماعية، إذ كان الأبكار من الزواج لا ينظران بعضهما إلا ليلة العرس من دخول بيت الزوجية، ما عدا إن كانا يعيشان من قرب عائلي، أو من ريعان الطفولة في الوسط الجماعي. وقد كان لهذه الالتفاتة أثرها في سواد زواج القرب، بدافع المخالطة التربوية والحفاظ على العش العائلي. غير أن التعدد ساهم في التمازج وتجديد الحياة في نسل الأسرة، خارج محيط الجماعة والعائلة. والزواج من مناطق خارج تراب الجماعة، ظهر في العصر الذي توسعت فيه العلاقات العامة من الجماعة والمجتمع، والتي سمحت للمرأة بالمعاصرة والتجديد من التقاليد الموروثة، والتعايش مع الحياة الجديدة الجارية على المحيط المجتمعي. غير أن الانفتاح بقي متحكماً فيه على يد الأسرة، التي كانت تتصاهر فيما بينها عن طريق العرف والمخالطة، وكان الجانبان من كبار الأسرة هم من لهم الحق في الرؤية، حيث تتقدم عائلة أهل الزوج بزيارة بيت الخطبة ورؤية الخطيبة، للتأكد من سنها وملامحها وقوام جسمها من مستوى تربيتها، من نظرتها ومجالستها للمقبلين على رؤيتها من بيت أهلها. وبينما أسرة الفتاة حين تبدي رغبتها في المصاهرة، تتقصى هي الأخرى أخبار الفتى ومدى صلاحيته للزواج، ثم تسعى لرؤيته عن بعد، قبل أن تدعوه للرؤية عن قرب. وكانت المصاهرة وطلب الزواج يتم بين الجانبين عن طريق الجماعة من الطرفين، وحسب التقاليد المرعية بالوسط الجماعي. هذا ما كان يجري على زواج البكر، التي كان إذنها صماتها، وهو موافقتها على طلب الزواج. بينما زواج الثيب فيه إعراب عن نفسها، من ذاتها باللسان والقول المعبر عن رضائها. ذلك ما اصطلح عليه الفقه الإسلامي في العصر الاجتماعي. زواج الثيب: المرأة الثيب هي المطلوبة للزواج، والتي سبق لها أن تزوجت زواج البكر. وزواج الثيب يختلف عن زواج البكر، من الولاية ومن الصداق ومن الإعراب، إذ الثيب تتزوج من غير حاجة إلى إذن وليها، ويسمح للزوج رؤيتها ومحاورتها والأخذ بإعرابها عن نفسها من رفض أو قبول. ضرب من المثل لزواج الثيب: لنضرب مثلاً من زواج عائلي ساد من أربعينيات القرن العشرين، بين امرأة سابقة من الزواج، برجل معدد الزوجات، يشتغل في مجال العدلية بالمناطق القروية، وكان السوق الأسبوعي يشكل مقر عمله، ويوم تسوقه والنفقة على أهل بيته. ومرة وهو عائد من السوق مع مرافقه من التسوق، صادف من طريق العودة جمعاً من الفتيات من موقع سقاية وهن يقمن على جلب حاجياتهن من الماء من سانية القرية الغزيرة المياه. وقف لترتوي ذابته من الماء، فإذا به تلمح عيناه الفتاة الثيب التي أسرت قلبه، فطلب من مرافقه أن يكشف له من الرؤية عن وجهها، ثم راح يسأل عن أهلها. ومن غير بعد عنها، لقي الجواب من مرافقه، وأنها ثيب من زواج عائلي، وما لبث أن حبذ الزواج منها. تواصل الزوج مع أهل الزوجة: كان والد الثيب من ضعف حاله المادي راعي بقر الجماعة، مقابل أجر محدد في نصف رطل من الشعير للبقرة. استدعى الرجل العدل أب الفتاة لوجبة العشاء من السوق، وقد أصاب الراعي الدهشة من دعوة رجل على قدر من الجماعة. بعد أن حضر عنده، خاطبه في سبب دعوته، معتذراً من ضعف حاله المادي، فخاطب الرجل أن الاستضافة تأتي على سبيل المصاهرة، وما كان من الضيف إلا أن يلقي بالاستشارة على ولية أمرها، وأن ليس له ما يقوله من محلها في شأن يخص المضيف، وشأن البنت التي مرت من زواج أولي. إعراب الثيب: تقدم الزوج المعدد إلى بيت الخطبة، لمعرفة رأي الزوجة، من خلال مقابلة شخصية وسماع صريح تحت إشراف والديها. وهكذا كان إعرابها، أنه رجل متزوج بأكثر من زوجة، وأنها لا تستطيع العيش معه في وسط أعزل عن مفارقة بيت أهلها عند ذاك، قبل أن يبني لها بيتاً ويستقر معها من بيت أهلها، ويتكفل بالنفقة العائلية، من الإقامة معها من بيت أهلها. عند ذاك انتهت حياة الرعي عن والدها، وأصبح مرافقه من يوم السوق، وعاش الزوجان الحياة المبتغاة بالرفاه والبنين، راضون عن حياتهما وبنوتهما، والأخوة سائدة مع الزوجات فيما بينهن كما عليه الحال بين أطفالهن. كان هذا مثالاً من حياة التعدد الزوجي والحياة العائلية من وسط جماعي، والرؤية القبلية من الزواج، في النظام الإسلامي. وهكذا حال الرجل الذي شق طريق الحياة بالأسرة عبر مشاق كثيرة، قد اقتنع أن يجد السند في المرأة من الساحة الاجتماعية ليخدم بلده وبيته بيد وأخرى تنبعث منهما الحياة بروح جديدة قوامها الرجل والمرأة. عام الأعراس: في بلاد المغرب حين يمطر الموسم من وقته، يرفع الفلاحون أعينهم بالأجواء، وحين يمعنون القزح، يقولون جاءت عروس الشتاء بالعام من طلعة الأعراس، وكأن السماء مرآة تلتقط من الأرض زينة العرس وتزين بها السماء.