في ظل النقاش العمومي المتزايد حول نجاعة العمل البرلماني وضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، لم يعد تقييم أداء ممثلي الأمة ترفا فكريا، بل ضرورة ديمقراطية ملحة. فبينما تضج قبة البرلمان بالنقاشات، تظل "لغة الأرقام" هي الحكم الأكثر حيادية وصدقا لقياس النبض الحقيقي للمؤسسة التشريعية. من هذا المنطلق، وتفعيلا لدور الإعلام في المساءلة والتدقيق، تضع هسبريس مجلس النواب تحت مجهر رقابة "صحافة البيانات". في هذه السلسلة الخاصة نغوص بعمق في أرشيف الولاية التشريعية، لا لنحاكم الأشخاص، بل لنسائل الأداء، ونقيس المردودية، ونكشف بالأدلة والرسوم البيانية ما قد يتوارى خلف الخطابات السياسية الرنانة. وارتكزت عملية جرد الحصيلة على احتساب عدد الأسئلة المسجلة رسميا باسم كل نائب في الموقع الإلكتروني للمجلس، باعتبارها الوثيقة المرجعية للمساءلة. جدير بالذكر أن هذا الجرد يهم الأسئلة الأساسية المطروحة، دون احتساب "التعقيبات" أو المداخلات العارضة ونقاط النظام خلال الجلسات، وذلك لقياس "المبادرة الرقابية" الموثقة والمعدة سلفا، وفصلها عن التفاعلات الآنية. الجزء الثاني: كواليس "مصنع الأسئلة الشفوية".. من "تكتيك المخزون" إلى صدمة "الثلاجة" أثار حديث هسبريس في الجزء السابق عن النواب الذين لم تُسجل بأسمائهم أي أسئلة شفوية جدلا واسعا. فعلى الرغم من أن أسماءهم غابت عن "داتا" الأسئلة المسجلة رسميا لدى إدارة المجلس، إلا أن عددا منهم يظهرون خلف الشاشات خلال الجلسات العامة وهم يتناولون الكلمة ويطرحون أسئلة قطاعية. وبينما يواجه البعض تهمة الصمت، يبرز في واجهة البيانات نواب كسرت أرقامهم سقف التوقعات. تظهر الأرقام تفاوتا صارخا في عدد الأسئلة المسجلة، حيث يستحوذ عدد قليل من النواب على حصة الأسد، هؤلاء هم في الغالب رؤساء الفرق البرلمانية. هذا "النشاط المفرط" ليس دائما مجهودا فرديا خالصا. يعود جزء كبير من هذا التراكم إلى منطق "عمل الفريق"؛ إذ يتم غالبا تسجيل أسئلة الفريق بأسماء رؤساء الفرق أو نواب محددين لضمان برمجتها، أو لطرحها نيابة عن زملائهم المتغيبين أو أولئك الذين لم يسعفهم الحيز الزمني. هذه الأرقام تعكس "تكتيكا" برلمانيا لاستنفاد الحصة الزمنية للفريق. هذه المفارقة تطرح إشكالا جوهريا حول "مصنع الأسئلة": من يجتهد لكتابة السؤال الشفوي؟ وهل الرقم المسجل يعكس مجهودا فرديا للنائب أم عملا جماعيا للفريق؟ الجواب يأتي على لسان أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، الذي كشف لهسبريس عن آلية "مخزون الأسئلة" التي يعتمدها رؤساء الفرق لتغطية النقص أو غياب مبادرات فردية من بعض النواب. ووضح التويزي هذه الآلية قائلا: "بصفتي رئيسا للفريق، أتحمل مسؤولية ضمان استمرار النشاط الرقابي. حينما لا يرسل النواب أسئلة بأسمائهم، لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي، لذلك نقوم بإعداد مخزون من الأسئلة الجاهزة باسم رئاسة الفريق". وأضاف التويزي مفككا لغز التباين بين البيانات والواقع: "خلال الاجتماعات الأسبوعية، نراجع القطاعات الحكومية المبرمجة. إذا كان النائب قد اقترح سؤالا باسمه ندرجه، وإذا لم يفعل، نلجأ إلى مخزوننا ونمنحه سؤالا جاهزا ليطرحه في الجلسة العامة". وبهذا، فإن "عددا من النواب الذين يظهرون في البيانات بصفر سؤال قد طرحوا فعليا أسئلة عديدة داخل القبة، لكنها كانت مسجلة باسم الفريق أو رئيسه، وتم منحهم فرصة إلقائها نيابة عن المجموعة"، يشرح التويزي، وهو ما يفسر تقنيا ظهور رئيس الفريق بمئات الأسئلة "باعتباره صاحب المخزون"، بينما يظهر نواب آخرون بلا رصيد رغم مشاركتهم في الجلسات وطرح أسئلة أمام الكاميرات. "واضع السؤال" ليس هو "صاحب السؤال" في السياق ذاته، فكك محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، هذه المعادلة بوضوح أكبر، مميزا بين "المسجِّل الإداري" للسؤال وبين من يطرحه فعليا. وقال شوكي لهسبريس: "يجب أن نميز بين واضع السؤال وصاحب السؤال. نحن نشتغل بمنطق الفريق، ولدينا إنتاج جماعي للأسئلة". وشرح رئيس فريق "الأحرار" أن الأسئلة ذات المضمون المشترك "غالبا ما تُسجل باسم رئيس الفريق، لكن هذا لا يعني غياب مساهمة النواب". وأضاف موضحا مسار السؤال داخل الفريق: "النائب قد يساهم بالفكرة أو الصياغة خلال اجتماعات الفريق، ولأنه مهتم بقضية معينة أو عضو في لجنة معنية، فإنه هو من يتكلف بطرح السؤال ومساءلة الوزير، حتى وإن لم يكن السؤال مسجلا باسمه في البداية". هذا "التنميط" في تدبير الأسئلة يجعل من المستحيل، بلغة الأرقام، تمييز الخيط الأبيض من الأسود، فلا يمكن معرفة النائب الذي سهر على إعداد سؤاله والبحث في ملفاته عن ذلك الذي اكتفى بتلاوة ورقة جاهزة أُعدت في "مطبخ الفريق". وبالتالي، فإن هذا المنطق، وإن كان يحل إشكال تدبير الزمن، إلا أنه يُذيب المجهود الفردي في بوتقة الجماعة، ويحرم النواب المجتهدين من "بصمتهم التشريعية" الخاصة، بينما يمنح في المقابل "مظلة حماية" لآخرين للاختباء خلف نشاط فرقهم دون تقديم قيمة مضافة حقيقية. بورصة الأسئلة إذا كان "منطق الفريق" هو المحرك الخلفي لإنتاج الأسئلة، فإن البيانات تكشف أن هذا المحرك لا يدور بالسرعة نفسها لدى جميع الفرق. تُظهر إحصائيات الأسئلة الشفوية المسجلة تفاوتا شاسعا في "الإنتاجية"، يعكس موازين القوى داخل القبة، وأيضا تباين الاستراتيجيات في "ملء المخزون". تضع لغة الأرقام فريق الأصالة والمعاصرة في صدارة المشهد بفارق "فلكي" عن أقرب منافسيه. فقد استحوذ "الجرار" بمفرده على 38% من إجمالي الأسئلة المسجلة، برصيد بلغ 5972 سؤالا، وهو رقم يعكس ما أشار إليه رئيس الفريق بخصوص استراتيجية "المخزون" المكثفة. في المرتبة الثانية، يحل فريق التجمع الوطني للأحرار (قائد الائتلاف الحكومي) بنسبة 15%، متبوعا بقطب المعارضة الرئيسي، الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، الذي سجل بنسبة 14%، مما يجعله المنافس الأشرس للأغلبية في "معركة التسجيل". هذه الأرقام لا تعكس فقط نشاط النواب، بل هي ترجمة رقمية لقاعدة "التمثيل النسبي" التي تحكم البرلمان. فالمادة 284 من النظام الداخلي تنص على توزيع الغلاف الزمني للجلسات بناء على حجم الفرق. وبالتالي، فإن الفرق الكبرى تمتلك حيزا أكبر لتكديس الأسئلة لضمان تغطية حصتها الزمنية الأوفر، بينما تجد الفرق الأقل تمثيلية نفسها محاصرة بحيز زمني ضيق لا يستوعب إلا النزر اليسير من الأسئلة، مما يفسر انخفاض معدلات تسجيلها. لغة الأرقام: استحالة حسابية عند إخضاع هذه المعطيات لعملية حسابية بسيطة، نكتشف الهوة السحيقة بين "الطموح المسجل" و"الواقع المطروح". فبقسمة الآلاف من الأسئلة المسجلة على عدد الجلسات المحدودة زمنيا (3 ساعات ونصف الساعة للجلسة)، يتضح أن الطاقة الاستيعابية للبرلمان لا يمكنها بأي حال من الأحوال استيعاب هذا السيل الجارف من الأسئلة المسجلة. وتؤكد البيانات هذه "الاستحالة الحسابية" بشكل قاطع، حيث تكشف الإحصائيات أن 21% فقط من مجموع الأسئلة الشفوية المسجلة هي التي تمت الإجابة عنها فعليا داخل القبة، بينما ظل ما نسبته 79% من الأسئلة حبيس الرفوف أو ما يمكن تسميته "ثلاجة الأرشيف". المثير للانتباه أن الفرق التي سجلت أكبر عدد من الأسئلة هي التي سجلت أقل نسبة من الإجابة، ففريق الأصالة والمعاصرة مثلا، رغم تصدره القائمة، لم يتلق أجوبة سوى على 12% من مخزونه الضخم، بينما ظلت 88% من أسئلته بدون إجابة. في المقابل، نجد أن الفرق الصغرى (كالفريق الدستوري) حققت نسب إجابة مرتفعة (55%) لأنها لم تعتمد سياسة إغراق المخزون؛ إذ لا يتجاوز عدد أسئلة الفريق الدستوري المسجلة خلال الفترة المدروسة 332 سؤالا، مقابلا آلاف الأسئلة لفرق أخرى كالأصالة والمعاصرة. هل السؤال هو المعيار الوحيد؟ رغم أهمية هذه الإحصائيات في رسم خريطة النشاط البرلماني، إلا أن قراءتها بمعزل عن سياق "عمل الفريق" قد تؤدي إلى استنتاجات مجحفة في حق بعض النواب. ففي رد على سؤال هسبريس حول ضرورة إعادة النظر في آلية وضع الأسئلة لضمان "المحاسبة الفردية" لكل نائب ومعرفة "من يشتغل ومن لا يشتغل"، رفض محمد شوكي اختزال العمل البرلماني في عملية "وضع السؤال" فقط. وأوضح أن "مفهوم الفريق" يعني أن الإنتاج فكري وجماعي، مشددا على أن "الاجتماعات ليست صورية، بل هي مطبخ حقيقي للنقاش وصياغة المواضيع". واعتبر رئيس فريق الأحرار أن تقييم النائب بناء على عدد الأسئلة المسجلة باسمه هو تقييم قاصر، قائلا بلهجة حازمة إن "طرح الأسئلة هو مجرد جزء بسيط من العمل البرلماني. هناك مراقبة عمل الحكومة، وهناك صياغة الأسئلة داخل اللجان، وهناك العمل التشريعي والدبلوماسي. اختزال نشاط النائب في ما إذا كان قد وضع سؤالا أم لا، هو تبسيط مخل بمهام المؤسسة التشريعية". هذا الطرح الذي يقلل من مركزية "السؤال الشفوي" كمعيار وحيد للتقييم، يجد صداه في التحليل الأكاديمي لظاهرة العمل البرلماني. يرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن ممارسة الرقابة البرلمانية، خاصة في شقها الشفوي، تتطلب "حدا أدنى من الكفاءة السياسية والتقنية"، سواء تعلق الأمر بالقدرة على صياغة سؤال دقيق أو فهم الملفات القطاعية المعقدة. وأشار الأستاذ الجامعي ذاته، ضمن تصريح لهسبريس، إلى واقعة سوسيولوجية لا يمكن إغفالها، هي أن "بعض النواب يصلون إلى المؤسسة التشريعية بمنطق تمثيلي محلي أو انتخابي أو مصلحي، من دون أن يواكب ذلك دائما تكوين كافٍ في أدوات العمل البرلماني". هذا النقص في التكوين قد يدفع هؤلاء إلى نوع من "التحفظ أو الإحجام عن المواجهة العلنية" تحت قبة البرلمان. لكن استاتي استدرك موضحا أن البرلمان "لا يشتغل بمنطق الأفراد المعزولين، بل بالبعد الهيكلي"، حيث تتدخل الفرق البرلمانية لتعويض هذا النقص عبر "اختيار نواب بعينهم لتمثيلها في لحظات المساءلة، إما لخبرتهم أو لقدرتهم التواصلية". والأهم من ذلك، لفت المحلل السياسي الانتباه إلى "الوجه الخفي" لجبل الجليد البرلماني، وهو اللجان النيابية الدائمة التسع، مبرزا أن هذه اللجان، وإن كانت "أقل ظهورا إعلاميا" مقارنة بالجلسات العامة الصاخبة، إلا أنها "أكثر تأثيرا من حيث المضمون وصناعة القرار". فداخل هذه القاعات المغلقة، تناقش النصوص القانونية في تفاصيلها الدقيقة، وتمارس "رقابة تقنية دقيقة يصعب اختزالها في لحظة السؤال الشفوي داخل الجلسة العامة". من "فخ المحلية" إلى "مثلث الهموم" يتجاوز دور "مطبخ الفريق" الذي تحدثنا عنه سابقا مجرد ملء الحصة الزمنية، ليمارس دورا بيداغوجيا حاسما في توجيه بوصلة الرقابة. فالمعطيات والشهادات تكشف أن جزءا كبيرا من مقترحات النواب يخطئ العنوان، ويخلط بين مهام "نائب الأمة" ومهام "المستشار الجماعي"، مما يستدعي تدخلا لتصحيح المسار قبل الوصول إلى الجلسة العامة. في تصريح لهسبريس، شخص أحمد التويزي هذا "الفخ المفاهيمي" الذي يسقط فيه النواب تحت ضغط الناخبين، قائلا: "المواطن يحاسب النائب بمنطق: ماذا حققت للإقليم؟ فيضطر النائب لمحاولة طرح أسئلة تدبيرية صرفة، من قبيل تشييد (سقاية) في دوار ناءٍ، أو إصلاح رصيف، أو توفير حافلة". وأضاف رئيس فريق "الأصالة والمعاصرة" أن رئاسة الفريق تتدخل هنا للعب دور "الكابح"، موضحا: "لا يمكننا السماح بمرور سؤال حول رصيف في جلسة مخصصة للسياسات العامة. البرلماني ينوب عن الأمة وليس عن حيه فقط. لذلك، نوجه النواب نحو ممارسة الرقابة على التوجهات الكبرى للدولة بدلا من الغرق في المحلية". من "السقاية" إلى "سياسة الماء" بعد خضوع مقترحات النواب لعملية الفرز هذه، وإسقاط الأسئلة المحلية الضيقة، تفرز لنا مصفاة الفريق ما يمكن تسميته "مثلث الهموم اليومية" للمغاربة، حيث تتوجه المدافع صوب الوزارات ذات الطابع الاجتماعي والخدماتي المباشر. تتربع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات على عرش القطاعات الأكثر مساءلة ب10%، في انعكاس مباشر لأزمة الجفاف البنيوية. تلاحقها مباشرة، بالنسبة نفسها (10%)، وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، نتيجة الاحتقان الاجتماعي الذي شهده القطاع. فيما تشكل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية الضلع الثالث للمثلث ب 9%، تزامنا مع أوراش الحماية الاجتماعية. ما وراء الأرقام.. من "تقييم الفاعل" إلى "أثر الفعل" في ختام هذا التشريح الرقمي لآلية الأسئلة الشفوية، تضع رقية أشمال، أستاذة القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، النقاط على الحروف من منظور دستوري، مذكرة بأن ما يُنقل عبر التلفزيون العمومي "لا يغطي سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد". وأشارت الأستاذة الجامعية ذاتها، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن دستور 2011 أناط بمجلس النواب مهام جسيمة تتجاوز المساءلة اللحظية، لتشمل التشريع وتقييم السياسات العمومية. وقالت أشمال إن السؤال الجوهري يجب ألّا يقف عند حدود الإحصائيات، بل أن يتعداها إلى "مدى أثر هذه الأسئلة على تقييم وتجويد السياسات العمومية"، موضحة أن "معيار الأثر هو الميزان الحقيقي لقياس نجاعة الآليات المتاحة، سواء تعلق الأمر بالسؤال الشفوي أو الكتابي أو الاشتغال العميق داخل اللجان". وخلصت أستاذة القانون العام إلى أن البوصلة الحقيقية ليست هي "الظهور الإعلامي" للنائب، بل "رضا المواطن عن تلبية حاجياته". ودعت في هذا الصدد إلى تغيير زاوية النظر، قائلة: "يجب أن نتجاوز منطق تقييم 'الفاعل' (النائب) إلى منطق التمحور حول 'الفعل' (النتيجة والأثر)".