تحت سماء مثقلة بالغيوم الرمادية التي لم تعد نذير قلق بل علامة خير، يقف سد "دار خروفة" بإقليم العرائش كأضخم دليل ميداني على تعافي المغرب المائي. هنا، وسط مرتفعات جماعة بني عروس، تترجم لغة الأرقام واقعا ملموسا؛ فقد سجلت هذه المنشأة نسبة ملء تاريخية بلغت 59.6 بالمئة، وهو رقم يؤكد بالملموس الإعلان الرسمي للمملكة عن طي صفحة سنوات الجفاف وتجاوز مرحلة الخطر المائي. ويعكس المشهد من أعلى الحاجز الخرساني "الوفرة" بمعناها الحرفي. فالمياه التي اكتست لونا داكنا بفعل حمولة السيول وانعكاس السحب، غمرت مساحات شاسعة كانت بالأمس القريب خارج نطاق الحقينة. وتفيد المعطيات الرسمية ل مصالح وزارة التجهيز والماء أن الحجم المخزن حاليا يشكل سابقة في تاريخ استغلال هذا السد، مما يقطع الشك باليقين حول استعادة الحوض المائي للوكوس لعافيته الكاملة. وبالعودة إلى السجل التقني والتاريخي لهذه المعلمة، فإن "دار خروفة" ليس مجرد خزان مائي عابر، بل هو مشروع مهيكل أشرف الملك محمد السادس على إعطاء انطلاقة أشغاله في فبراير 2010. وقد رصدت له الدولة حينها استثمارا ماليا ضخما ناهز 1.5 مليار درهم، ليكون صمام أمان مائي للمنطقة. ورغم أن السنوات الأولى لاستغلاله تزامنت مع دورات مناخية جافة أبطأت وتيرة الملء، إلا أن التساقطات الأخيرة مكنته من استعراض قدراته التخزينية الحقيقية، حيث تبلغ سعته الإجمالية 480 مليون متر مكعب. ويكتسي هذا المخزون الاستراتيجي الذي تحقق اليوم، أهمية بالغة تتجاوز حدود الإقليم. فمن الناحية التقنية، صمم السد ليضطلع بمهمة حيوية مزدوجة؛ أولا، تأمين تزويد ساكنة طنجة الكبرى والمراكز الحضرية المجاورة بالماء الصالح للشرب، مواكبا بذلك التوسع الديموغرافي والاقتصادي لقطب الشمال. وثانيا، وهو الأهم بالنسبة للفلاحين، ضمان سقي المدار الفلاحي "ريصانة-سواكن" الممتد على مساحة شاسعة تبلغ 21 ألف هكتار. ويوضح الوقوف في عين المكان الفرق بين الأمس واليوم؛ فالبنية التحتية من قنوات ومآخذ مياه، التي ظلت تنتظر هذه اللحظة، باتت اليوم تعمل بطاقتها القصوى. الفلاحون الذين عاينوا امتلاء السد لم يعودوا يتحدثون عن "خطر العطش"، بل عن تدبير موسم فلاحي واعد بامتياز. وفي ظل استمرار الأجواء الغائمة واحتمالات هطول المزيد من الأمطار، يبدو سد دار خروفة وقد تحول من مشروع يواجه تحديات الملء، إلى خزان فائض يجسد السيادة المائية للمملكة، معززا القناعة بأن البنية التحتية للسدود قد نجحت في امتحان الجفاف وخرجت منه أقوى، موفرة رصيدا مائيا كافيا لسنوات قادمة.