في سياق سعي المنظومة التربوية بالمغرب إلى تجديد المدرسة العمومية والارتقاء بجودة التعلمات، تم إطلاق تجربة «مدارس الريادة» في التعليم الابتدائي منذ ما يقارب ثلاث سنوات، باعتبارها مشروعا إصلاحيا يقوم على توظيف الوسائط الرقمية، واعتماد بيداغوجيات حديثة، وتحسين مردودية المتعلمين في المواد الأساسية كالرياضيات ضمن قطب العلوم، واللغة العربية والفرنسية والأمازيغية – مؤخراً – ضمن قطب اللغات. غير أن المتتبع لهذه التجربة ميدانياً سيلاحظ منذ الوهلة الأولى مجموعة من الاختلالات البنيوية والتربوية التي تطرح أكثر من علامة استفهام حول شروط تنزيل هذا المشروع، ومدى جاهزيته لتحقيق الأهداف المعلنة والمرجوة. هذه الملاحظات بطبيعة الحال مبنية على الممارسة الصفية الميدانية المباشرة، والتي تهدف بالأساس إلى إبراز مكامن الخلل بغية تصحيحها لتحسين الأداء من جهة الأساتذة، وتجويد التعلمات بالنسبة للمتعلمين. ومن أبرز الإشكالات التي أفرزتها تجربة مدارس الريادة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر (علاقة بالمتعلم) ما يرتبط بالاستعمال المكثف للسبورات التفاعلية داخل الفصول الدراسية، خصوصاً في المستويات الأولى من التعليم الابتدائي. فالأطفال، بحكم أعمارهم وحساسية نموهم الجسدي، يجدون أنفسهم أمام تعرض يومي ومطول للأشعة الناتجة عن إضاءة السبورات التفاعلية، وما يصاحبها من إضرار بالعيون جراء التركيز المستمر أثناء الدرس. وقد بدأنا نسجل عدداً من حالات التعب البصري من خلال الطلبات المستمرة من قبل المتعلمين للجلوس في المقاعد الخلفية، وضعف التركيز لديهم، وهو ما يتناقض مع مبدأ المدرسة الدامجة الآمنة التي تضع صحة الطفل الجسدية والنفسية في صلب العملية التعليمية، هذا فيما يتعلق بالجانب الصحي للمتعلمين. إلى جانب ذلك، نذكر على مستوى الجانب التقني مشكل انعدام توفير الدروس الرقمية في الوقت المناسب، وهو عنصر محوري في نجاح هذا النموذج القائم أساساً على الرقمنة. ففي كثير من المؤسسات المنخرطة، يجد الأساتذة أنفسهم أمام فراغ بيداغوجي ناتج عن تأخر تحميل الدروس أو عدم جاهزية المحتويات الرقمية اليومية، ما يدفعهم إلى الارتجال أو العودة إلى الدروس السابقة أو القيام بتأجيل الدروس المبرمجة سلفاً إلى الحصة الموالية، وهو ما يفقد المشروع انسجامه ويحول الرقمنة من رافعة للتعلم إلى عبء إضافي يربك التخطيط الزمني للدروس ويؤثر سلباً على سير الحصص. ومن الملاحظ أيضاً ما يثيره موضوع شارة الريادة من جدل واسع داخل الأوساط التعليمية، حيث تم إقصاء عدد كبير من المؤسسات المنخرطة في المشروع للموسم الدراسي 2024/2025 من هذه الشارة، دون تقديم توضيحات رسمية حول المعايير المعتمدة في التنقيط أو آليات التقييم. هذا الغموض في منح الشارة من عدمه خلق شعوراً بالإجحاف وعدم الرضى وتكافؤ الفرص، وأفرز نوعاً من الإحباط لدى كل من أطر التفتيش والمراقبة والأطر التربوية والإدارية التي بذلت مجهودات كبيرة دون أن تحظى بالاعتراف اللازم من طرف الوزارة الوصية. كما أن غياب الشفافية في نشر نتائج التقييم يضرب في العمق مبدأ الحكامة الجيدة، ويجعل النتائج عرضة للتأويلات بدل أن تكون محفزاً على التنافس الإيجابي. كما تثير مسألة المنحة المرتبطة بهذه الشارة الكثير من التحفظات، خاصة في ظل إقصاء عدد من المؤسسات المنخرطة في المشروع من الحصول عليها. هذا الإقصاء لا ينعكس فقط على صورتها الاعتبارية، بل يمتد أثره المباشر إلى الأساتذة العاملين بها، من خلال حرمانهم من الاستفادة من المنحة. وفي غياب معايير واضحة ومعلنة، يشكل هذا الإقصاء ضرباً لمعنويات الأطر التربوية والإدارية، وكذلك أطر التفتيش والمراقبة التي انخرطت بجدية في تنزيل هذا المشروع الوطني، وبذلت مجهودات إضافية في ظروف صعبة. كما أن إقصاء مؤسساتهم من الشارة يعد التفافاً غير معلن على تلك المجهودات، وقد نعتبرها رسالة مبطنة تكرس الإحباط بدل التحفيز، وتناقض منطق تشجيع المبادرة والاجتهاد داخل المدرسة العمومية. ولا يمكن فصل هذه الاختلالات عن الإشكال الأكبر المتعلق بعدم إعداد وتوفير البنى المادية واللوجستية المناسبة في جل المؤسسات المنخرطة في تجربة مدارس الريادة. فعدد من المدارس تفتقر إلى قاعات تناسب طرق الاشتغال وفق هذا النموذج، كما تعرف نقصاً في التجهيزات اللازمة، ناهيك عن انعدام استفادة الأساتذة من خدمة الربط بالإنترنت، ما يفرض عليهم الاعتماد على اشتراكاتهم وصبيبهم الخاص الممول من جيوبهم. كما لن تفوتنا الفرصة للحديث عن الاكتظاظ داخل الأقسام، والذي يجعل من الصعب تفعيل بيداغوجيا التعلم النشط التي يفترضها هذا النموذج، ويحول الوسائل الرقمية إلى مجرد ديكور تربوي لا يحقق الإضافة المرجوة. إضافة إلى ما سبق، يطرح نموذج التدريس المعتمد في مدارس الريادة إشكالاً عملياً لا يقل أهمية عما سبق، يتمثل في ارتباطه الكلي بالتزود المستمر بالتيار الكهربائي. فاعتماد الحاسوب والمسلاط والوسائط الرقمية يجعل العملية التعليمية رهينة باستقرار التيار الكهربائي، فكل انقطاع مفاجئ للتيار، مهما كان ظرفه، يؤدي إلى ارتباك كبير في سير الدروس، وتعطيل الحصص، وضياع الزمن المدرسي، في غياب بدائل بيداغوجية مهيأة سلفاً. هذا الوضع يبرز هشاشة النموذج الرقمي حين لا يواكبه تصور احتياطي يضمن استمرارية التعلم في مختلف الظروف. ويضاف إلى ذلك اعتماد الكراسات فقط بدل الدفاتر والكتب، حيث إن هذا الاختيار، وإن كان يهدف إلى توحيد التعلمات وتبسيطها، قد يكرس نوعاً من الاتكالية لدى المتعلمين. فالكراسات الجاهزة تقلص مساحة المبادرة الفردية، وتحد من فرص التدريب على التنظيم الشخصي، والكتابة الحرة، وبذل الجهد الذاتي في بناء التعلمات. كما أنها تربي، بشكل غير مباشر، على قيم التطبيع مع الحد الأدنى من المطلوب، وعدم تشجيع الاجتهاد والمثابرة، وهي قيم تتنافى مع رهانات مدرسة تسعى إلى تكوين متعلمين مستقلين، ناقدين، وقادرين على التعلم الذاتي. إن هذه الإكراهات المذكورة تؤكد أن تجربة مدارس الريادة، رغم ما تحمله من وعود إصلاحية، تحتاج إلى مراجعة شاملة تلامس الجوانب البيداغوجية، والتقنية، والاجتماعية، والنفسية. فنجاح أي نموذج تربوي لا يقاس فقط بجمالية تصوره النظري، بل بمدى قدرته على التكيف مع الواقع، وإنصاف الفاعلين، وضمان استدامة التعلم في مختلف السياقات. ومن دون معالجة هذه الاختلالات بجرأة وشفافية، سيظل مشروع مدارس الريادة تجربة معلقة بين طموح التحديث ومحدودية التنفيذ. إن تجربة مدارس الريادة، رغم نبل أهدافها وطموحها الإصلاحي، تكشف عن فجوة واضحة بين التصور النظري والتنزيل الميداني. فالإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح عبر إدخال أدوات رقمية فقط، بل يتطلب رؤية شمولية تضع المتعلم في صلب الاهتمام، وتضمن له شروط السلامة الصحية، وتوفر الحوامل الرقمية في وقتها، وتعتمد الشفافية في التقييم، وتؤسس لبنية تحتية متينة قادرة على احتضان التغيير. دون ذلك، ستظل مدارس الريادة تجربة متعثرة، تحتاج إلى وقفة تقييم صريحة وشجاعة تعيد تصويب المسار قبل تعميم نموذج لم تكتمل شروط نجاحه بعد. -أستاذ التعليم الابتدائي – تخصص أمازيغية