لا يمكن لعابر تلال وروابي وشعاب قبيلتي المذاكرة والزيايدة بإقليم بنسليمان أن لا تشده تلك الأهازيج الشعبية لمجموعات عبيدات الرمى، حيث تمتزج حركات الرجال مع ضجيج البندير والمقص، في مشهد صوفي يسافر بك في رحلة ماتعة عبر تعرجات تاريخ المنطقة... يُستحضر فيها شجعان القبيلتين أيام التدخل الاستعماري في بداية القرن الماضي... مرورًا بتفاصيل الأحداث التي عرفتها المنطقة، أو تلك التي ميزت تاريخ المغرب أيام الاحتلال الفرنسي... بالإضافة إلى مظاهر الحياة اليومية لسكان القبيلتين. بداية الحكاية كانت مع المحشة والميلودي الشطيطيح من دوار أولاد طالب، والغوات من دوار لبيض، والفينش من دوار أولاد البهلول، واستمرت الحكاية مع المرحوم المقدم البشير العبدي من المذاكرة، ومحمد بن الطاهر البوعزاوي، ومحمد لشهب، والطاهر بن أحمد العثماني، وبوشعيب بن الركيك، وغيرهم كثير من الرواد. لم يكن كلامهم يعبر دائمًا عن الفرح... ولم يكن كلامًا عابرًا يتيه مع أول هبة ريح... ففي عز الفرجة يحضر الألم... فتتحول النكبات إلى قصائد للحياة... ويحول العويل إلى رقصة حالمة بغد مشرق. فحين قصفت البوارج الفرنسية مدينة الدارالبيضاء في بداية غشت 1907، وحولتها إلى خراب، تغنى عبيدات الرمى بالواقعة وقالوا: (الدار البيضا تهرسات باش بقينا نضادوا)، وهو الأمر الذي أكده القبطان الفرنسي "كراسي" بالقول: "إن الدارالبيضاء بعد 7 غشت لم تعد مسكونة إلا بالموتى". وواكبت الأغنية المحلية الأحداث التي رافقت الزحف الفرنسي على قبيلتي المذاكرة والزيايدة، في مطلع سنة 1908... مرة أخرى تحضر الكلمة النابعة من الجرح لتسجل قتامة المشهد... ويتحول الغناء إلى وثيقة تاريخية مفعمة بالصدقية، وممزوجة بقوة وعمق المشاعر، راسمة احتفالية خالدة بشهداء القبيلتين... حيث ردد شيوخ عبيدات الرمى، ومن ورائهم كبار وصغار القبيلتين، على مر السنين، مقاطع كثيرة تتغنى في مرثيات بشجاعة القوم، أذكر منها ما يلي: جيب التاريخ الأول للحمر بن منصور قايدي كون بقى كون برد قلبو في الجويف كولو لجحفة لي ادنا مشى لجنة نوضوا ضربوا هيجوا كل من هو نفسو باردة صنا الخير في النصارى والكومية شواونا واستمرت الحكاية مع نفي السلطان المغفور له محمد الخامس، حيث ردد المنشدون تلك "القصيدة" الغنية بإيحاءاتها الوجدانية، والتي رصدت بدقة المشاعر الشعبية الجياشة، التي عكست الارتباط بين السلطان وشعبه. جاء في بعض منها ما يلي: رفدوا الخامس كاع بكينا عليه حلفوا الخاينين كالو عمر عرشو لرجع ليه كالوا القضية في العيد وحتى حولي ما قربوا ليه لي عيد ودار الضحية الوطن جبدوا ليه عينيه مولاي الحسن كال لينا صبرو هد الشي علينا مقدر لا مشينا دابا نرجعوا والوطنية تدبر را القضية دايرها غير الكلاوي عوج الظهر كان حضوري للأعراس والمناسبات العائلية التي يحضرها عبيدات الرمى فرصة للتأمل في تلك الكلمات التي توثق لتفاصيل الأحداث التي عرفتها القبيلتين والمناطق المجاورة، بل لامست أيضًا بعمق العديد من قضايا الوطن... في سنة 1989 كنت مطالبًا بإنجاز بحث لنيل الإجازة في التاريخ... اتفقت مع أستاذي المرحوم إبراهيم ياسين على أن يكون موضوع بحثي كالتالي: "قبيلة الزيايدة والاستعمار الفرنسي من خلال الأدب الشعبي"... عندها بدأت رحلة بين عوالم المجهول والمعلوم... أقارن مضامين الوثائق والدراسات التاريخية ذات الصلة بالأحداث، والكلام الموزون الذي يسافر بك بدون استئذان في متاهات أفراح وأتراح القبيلتين... في يوم من الأيام قررت زيارة المقبرة المسيحية بمدينة بنسليمان، أو كما يسميها سكان المنطقة "روضة النصارى"، المجاورة لمقبرة سيدي امحمد بن سليمان، لعلي أجد ما يلبي فضولي العلمي... ويغني بحثي... هناك كانت المفاجأة... وجدت قبرين يحملان لوحين كتب على كل واحد منهما ما يلي: توفي رحمه الله Boumenjel Salah Ben Mohamed 18 Compagnie Tué au Combat de Ber Rebah 16 Février 1908 توفي رحمه الله Tayeb Ben Ali Ben Mohamed Meftah 10 Compagnie Tué au Combat de Ber Rebah 17 Février 1908 مجموعة من الأسئلة حاصرتني وأنا أقف على القبرين: ما هي جنسية القتيلين؟ ولماذا دفنا في مقابر النصارى؟ وماذا عن معركة برابح؟ بالرجوع إلى المصادر التاريخية، يلاحظ أن الجيش الفرنسي الذي هاجم قبائل الشاوية، ومن ضمنها قبيلتي المذاكرة والزيايدة، بقيادة الجنرال داماد DAMAD، كان يتكون من أزيد من 5000 جندي و1500 فرس وبغل، وتعزيزات من المدفعية، وقناصة أفارقة، ورماة من السنغالوالجزائر. فحسب هذه الإشارة التي أوردها علال الخديمي في رسالته حول حادثة الدارالبيضاء واحتلال الشاوية 1907-1908، فمن غير المستبعد أن تكون أصول القتيلين جزائرية. وفيما يتعلق بمعركة برابح فالمعطيات التاريخية تتحدث عن معركة أيام 16 و17 و18 فبراير 1908، حين هاجم الجنرال داماد DAMAD المنطقة بواسطة ثلاثة طوابير، انطلقت من ثلاث مناطق مختلفة، على أن تجتمع بأرض المذاكرة، حيث انطلق طابور الكولونيل توبان TAUPIN من فضالة وبوزنيقة، وطابور الكولونيل بريلارد BRULARD من برشيد ومديونة، والطابور الثالث قاده الجنرال داماد DAMAD نفسه عبر الساحل والتيرس، وكان من نتائجها تسجيل 33 بين قتيل وجريح في صفوف الجيش الفرنسي، من بينهم ضابطين، وهما بول بولهو P.BOULHAUT وأحمد بن محمد، من قوات توبان TAUPIN (علال الخديمي. حادثة الدارالبيضاء). وبعد إخضاع قبيلة الزيايدة، كرمت القوات الفرنسية الضابط الفرنسي، حيث أقامت مركزًا عسكريًا، بالقرب من مدفن الولي الصالح سيدي امحمد بن سليمان الجزولي، حمل الاسم التالي: CAMP BOULHAUT، ونطقه الأهالي كَنْبُولُو أو القشلة، وسيشكل هذا المركز فيما بعد النواة الأولى لمدينة بنسليمان، التي ستحمل اسم الولي الصالح المذكور، بعد الاستقلال. أما الضابط الثاني فلم أقف له على أثر. يلاحظ من خلال هذه المعطيات الموجزة، أن رماة من الجزائر شاركوا في معركة برابح، وقتل منهم من قتل، ومن المرجح أن القتيلين من فرقة الرماة المذكورة. بعيدًا عن التحليل الأكاديمي للأحداث والوقائع التاريخية، فما يهمني هو أن فرقًا عسكرية جزائرية شاركت في قتل المغاربة منذ صيف 1907، في وقت كان فيه سلاطين المغرب يقدمون الدعم للمجاهدين الجزائريين على الحدود الشرقية للمملكة، وما قدمه السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام من دعم للأمير عبد القادر الجزائري في مقاومته للاحتلال الفرنسي للجزائر، لن ينساه التاريخ. لقد أتى رماة الجزائر سندًا للغزاة... فلم ترضَ بهم مقابر المسلمين... فكرمهم المسيحيون بأن دفنوهم بمقابرهم، رغم أن علماء المسلمين عبر العصور اتفقوا على حرمة دفن المسلم في مقبرة الكافر، وحرمة دفن الكافر في مقابر المسلمين، إلا للضرورة القصوى. فهل سيلتمس كراغلة الجزائر يومًا ما استرجاع رفاة القتيلين لتدفن في الجزائر، أو على الأقل أن تدفنا في مقبرة سيدي امحمد بن سليمان المجاورة للمقبرة المسيحية؟ أم أنهم سيتنكرون لهما، كما تنكروا لجماجم شهدائهم المنزوية في إحدى أركان متحف الإنسان بباريس؟ لا يهمني التماسهم من عدمه... ما يهمني أن عداء الكراغلة راسخ منذ زمن... وأن أرضنا الطيبة تحتضن هذه الرفاة في سلام لمدة جاوزت 117 سنة... وأن دفنهم في مقابر الغزاة دليل على أن داء العطب قديم...