يندرج سؤال الأمازيغية ضمن القضايا الراهنة التي تفرض إعادة التفكير في مسألة الهوية المغربية، فهو يحمل بين طياته أبعادا مختلفة، منها ما هو تاريخي وما هو ثقافي وما هو لغوي لساني. إن الأمازيغية ليست فقط لغة تواصل، ولا إرثا ثقافيا يستحق العناية والاعتراف، بل هي ذاكرة زاخرة بالدِّلالات والإيحاءات التي تمثل المغرب بخاصة، وشمال إفريقيا بعامة. إننا إزاء إرث رمزي أسهم في تشكيل الوعي الجمعي للعالم، وترك لمسة في أنماط العيش، حتى قبل تَشَكُّلِ الدولة من منظورها الحديث. من هذا المُنطلق، تُؤَسِّسُ الأمازيغية لتصور شاسع للهوية باعتبارها سيرورة تاريخية متحوِّلة، لا مُعطى ثابتا جامدا يظن في نفسه الكمال، ذلك أن الهوية هي نتاج التفاعل الحي والدائم بين الذاكرة والتاريخ، وبين المحلي والكوني. إننا نلاحظ أن مسار الهوية المغربية، خاصة بعد الاستقلال، قد رَكَّزَ على اختزال الهوية الوطنية في بعدها العربي – الإسلامي، وفي هذا الأمر حيف كبير، إذ إن هذا الطرح لَعِبَ دورا كبيرا في تهميش الأمازيغية إِنْ لغويا أو ثقافيا. وقد أدى هذا الاختزال إلى توتر هوياتي بشكل مُعلن أحيانا، ومضمر في أحايين أخرى. ومن هذا المنطلق، نفهم نزوع المكون الأمازيغي إلى الاحتجاج في مراحل معينة، وسعيه الحثيث إلى تحقيق الاعتراف والإنصاف. لقد برز الخطاب الأمازيغي كفاعل يحاول الانتصار للمشترك والكوني، ويدعو إلى إعادة التوازن بين المكونات الهُوياتية المغربية، دون تبني خطاب القطيعة، فالغاية كانت وستبقى استعادة مُكَوِّن أساسي وأصيل من مكونات الذات المغربية التي اتسمت عبر التاريخ بالتعدد والتنوع والاحترام المتبادل. ومع بزوغ فجر القرن الحالي، عرف المغرب جُملة من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، التي حتَّمت انتقال سؤال الأمازيغية من مرحلة المطالبة بالاعتراف إلى أفق أرحب تَبَنَّى مطلب الإنصاف، وضرورة إعادة الاعتبار لهذا المُكوِّن ثقافيا ولغويا. وقد جاء الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كتتويج لمسار طويل من النضال والاحتجاج السلمي، إذ تم ترسيم اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية، ومن الواضح أن هذا الاعتراف شَكَّلَ انعطافة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر، إذ أعاد هذه القضية المشروعة إلى الضوء، وأخرجها من الهامش لتكتسب مشروعية دستورية وقانونية. إننا نرى أن هذا الاعتراف بالرغم من أهميته، إلا أنه سيظل "بلا معنى"، إذا لم يتحول إلى فعل حقيقي يشمل المجالات كلها، خاصة التعليم والإدارة والإعلام.. فالنص الدستوري على الرغم من قيمته السامية إلا أنه قد يصطدم بتعثر التنزيل الواقعي الذي من شأنه بث الروح في النص ومنحه القيمة التي يستحق. إن إنصاف الأمازيغية ثقافيا، يفرض، في هذا الصدد، تثمين حضورها كَمُكَوِّن أساسي من مكونات الهوية المغربية، وتمكينها من الأدوات التي تُسعفها في أداء رسالتها المعرفية والإبداعية والثقافية، ما سيمكنها من الإسهام في إنتاج المعنى، وترسيخ القيم، وتحقيق التنوع الهُوياتي داخل الفضاء العمومي، بعيدا عن وهم "المساواة" بين اللغات. فمن يظن أن إنصاف الأمازيغية يمكن أن يتحقق عبر خَنْدَقَتِهَا في الجانب الفلكلوري والبهرجة الثقافية، واعتبارها مجرد إطار تراثي جامد، أو مكون تعليمي هامشي، لهو محدود الفكر وحبيس الرؤية الضيقة، لأن إنصافها الحقيقي لا يكون إلا بإدماجها في عوالم الحداثة الثقافية المُتَجدِّدة، المُؤْمِنَةِ بالاختلاف والتعدد، والتي ترى في الهُوية مُعطى مُرَكَّبًا يجب أن ينفتح على الجميع، وأن يحترم حقوقهم اللغوية والثقافية والفكرية. وهذا من شأنه أن يُمَكِّنَ الأمازيغية من مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها عالمنا اليوم. لا شك إذن، أن أُفُقَ الأمازيغية، يتجاوز المنظور الضيق لمسألة الهوية. إنه يؤمن بالتلاقح الثقافي، ويعتبره إحدى ركائز الثقافة المغربية، فهي ثقافة انتصرت، وما تزال، للمشترك الإنساني على مَرِّ العصور، ولم تعر اهتماما لوهم النقاء العرقي أو الانغلاق والتقوقع على الذات، بل، استندت إلى التفاعل الإيجابي والمستمر بين روافد ثَرَّة، أمازيغية وعربية وعِبرية وإفريقية وأندلسية، وهو تفاعل دينامي أنتج في الأخير هُوية مُركَّبة، أضحت حُضنا استوعب الجميع في ظل الاختلاف. إننا بصدد فعل حضاري تحوَّل في المغرب إلى مصدر إبداع وغنى، لا إلى بؤرة صراع وتوتر ونزاع. لقد أسهمت الأمازيغية في إغناء المشهد الثقافي المغربي، تحقق لها ذلك، وهي تنخرط بثبات في المشاريع الثقافية التي تبنتها الدولة مؤخرا وجهات مستقلة أيضا، فأضحى حضورها في مجالات الأدب والموسيقى والسينما والمسرح والفنون البصرية حضورا لافتا، حيث أُعِيدَ الاشتغال على الذاكرة المشتركة، واللغة في دِلالاتها العميقة، والرموز الأمازيغية والأساطير، ما خَصَّبَ المشهد، وبث فيه روح المعاصرة والتحديث، فأضحى نموذجا للمزاوجة بين المحلي والكوني. وبذلك تمكنت الأمازيغية من الانتقال من الدفاع عن الذات إلى الإسهام في الاحتفاء بالمُشترَك الثقافي والإنساني، فتحولت الأمازيغية من الاحتجاج إلى إنتاج المعنى النبيل السامي. إننا نعتقد أن مستقبل الأمازيغية لن يكون إلا بقدرتها على الانتقال من منطق الذاكرة إلى منطق المشروع الثقافي والفكري والتاريخي، ومن الاعتراف الرمزي إلى الإدماج الحقيقي في المؤسسات وفي المشاريع الإبداعية الحقيقية، لأن الرهان المستقبلي لا يتمثل في مجرد الاعتراف الشكلي، بل في قدرتنا على بناء مجتمع وَاعٍ بأهمية التعدد اللغوي والثقافي باعتباره كنزا وطنيا ورافعة أساسية لتحقيق التنمية والإقلاع الثقافي. ونرى أن النافذة التربوية والإعلامية، ستظل حاسمة في هذا المسار، لأنها ستضمن للأمازيغية رَاهِنِيَّتَهَا واستدامتها وتجدُّدها ومواكبتها لمتغيرات العصر. وهذا من شأنه أن يؤهلها لخدمة الإنسانية والانخراط في مشاريعها الحضارية والتاريخية والثقافية. لهذا وغيره، يظهر أن سؤال الأمازيغية سؤال مُرَكَّب، لا يمكن حصره في البعدين اللغوي أو الهوياتي فقط، وإنما وجب النظر إليه بوصفه سؤالا حضاريا وثقافيا وسياسيا يكشف الحُجُب عن طبيعة الهوية المغربية التي تحتاج إلى كل أبنائها المؤمنين بالاختلاف. فالأمازيغية ليست إرثا جامدا نحاول استحضاره، إنما رسالة تُبنى، ووعيا يتجدد، ونبضا للسلام والتسامح والحب لا يخبو ولا يأفل، في ظل أفق خلَّاق، وتفاعل إيجابي بين كل المكونات على اختلاف مرجعياتها، بما يؤسس لمشروع ثقافي مغربي متميز ومختلف يجابه التصورات القاصرة، والوثوقيات الجامدة التي تسعى لإثارة النعرات والصراعات الطائفية. وتأسيسا على ما سبق، يظهر أن المسألة الأمازيغية لم تعد تحتمل اختزالها في متاهات الاعتراف والإقصاء، بل أضحت قضية أساسية تفرض النظر إليها بعمق وتَجَرُّد لفهم حقيقة الهُوية المغربية نفسها، فهي هوية مختلطة مُرَكَّبة، نتجت عن الاحتكاك والمثاقفة لا الانغلاق والانعزال، إنها ليست حبيسة الماضي، بل رافد دينامي أسهم ويسهم في منح الهوية معانيها السامية. لقد بين مسار الأمازيغية، ونضال أبنائها، وإسهامهم في إخراجها من الهامش إلى الضوء، قصور التصورات العنصرية لمفهوم الهوية، كما شجع على إعادة النظر في علاقة السلطة باللغة والثقافة. فالاعتراف الدستوري رغم أهميته ومراميه السامية، يبقى مرتبكا إن لم يتحول إلى فعل حقيقي يتجاوز النصوص إلى التنزيل على أرض الواقع، وفق إرادة سياسية وثقافية تستطيع أن تُمَارِس، وتُفَعِّل، وتحوِّل الهوية إلى مشروع وطني ومجتمعي، يُمَكِّن الأمازيغية من أداء أدوارها التربوية والمعرفية والإبداعية، ويجعلها فاعلة في إنتاج التغيير والخطاب الإيجابي لا موضوعا للسِّجال والاتهامات المجانية. إن التفكير في مسألة الأمازيغية مدخل إلى فهم إشكالات الثقافة في المغرب، وإشكالات الهوية وتشعباتها، في ظل عالم تتسارع فيه الأحداث، وتبحث فيه الأمم الواعية عما يجمعها أكثر مما يفرقها. إن معارك المستقبل لا يمكن أن تُخاض بعيدا عن الذاكرة وحتمية تثمينها وتشذيبها من كل الشوائب، فَقَدَرُ الهُوية دائما هو أَنْ تتفاعل وتحتك وتتلاقح، إنها في انغلاقها تفقد قيمتها، وقدرتها على التماسك والبقاء، أما انفتاحها الخلَّاق فيعني التأسيس لمشروع ثقافي واجتماعي وطني ينتصر لكل أبنائه ويُوَحِّدُ نظرتهم إلى الوطن والعالم والوجود. -أستاذ باحث