مرافعة من أجل عقيدة واضحة تجاه مغاربة العالم للصمت، في خضم النقاشات العامة، حكمته أحياناً. لكن حين يكون الأساس على المحك — ثقة المستثمرين، وكرامة الملايين من أبناء الوطن، واتساق الخطاب الرسمي — يتحول الصمت إلى تكلفة باهظة. التعبير اليوم ليس فعل احتجاج عقيم، بل ممارسة للمسؤولية المواطنية والمهنية تجاه وطن لا يتحمل أي تشويش في مسيرته نحو الريادة. في ديسمبر 2022، أمام العالم أجمع في قطر، اكتشف الجميع مغرباً لم يعرفوه من قبل: منتخباً وطنياً حمله أبناء ولدوا وترعرعوا في أصقاع أوروبا، فاختاروا قميص أسد الأطلس وقادوا المملكة إلى نصف نهائي كأس العالم. لم يكن ذلك مصادفة جغرافية. كان ثمرة يانعة لجالية منتمية، مُقدَّرة، عاشقة لجذورها في أعماق وجدانها. وحدة الكلمة المؤسسية: رهان المصداقية في وقت يخوض فيه المغرب معارك شرسة على الساحة الدولية لاستقطاب رؤوس الأموال، وتأمين نقل التكنولوجيا، وتكريس سيادته الاقتصادية، فإن اتساق الخطاب ليس ترفاً تواصلياً. إنه شرط المصداقية. في إطار أنشطتي المهنية، التقيت مرات عدة بوزير الصناعة والتجارة رياض مزور، لا سيما في استقبالات المستثمرين والمنتديات الاقتصادية. كان خطابه خطاب رجل الدولة الحديث: دبلوماسياً، منضبطاً، منسجماً مع طموحات المملكة الصناعية. والتناقض الصارخ مع تصريحاته الأخيرة يدعو إلى وقفة تأمل — ليس في شخصه، بل في الوظيفة. الوزير لا يتحدث بصوته الشخصي، بل هو أمين على سلطة عامة تؤثر كل كلمة ينطق بها على صورة بلد بأكمله وتوقيعه أمام العالم. لا يمكن، في آنٍ واحد، التغني بجاذبية "العلامة المغربية" أمام الشركات متعددة الجنسيات، وإطلاق تعميمات تجرح مجتمع المغاربة المقيمين في الخارج. هؤلاء ليسوا مراقبين من الخارج: إنهم سفراء المملكة الحقيقيون، ومستثمروها العاطفيون، وفي أغلب الأحيان حصنها الاقتصادي في أوقات الأزمات. الإخلال بهذا الرابط بكلام غير محسوب هو إخلال بصروح دبلوماسيتنا الاقتصادية، وتآكل لثقة الأسواق. تجاوز الاعتراف الرمزي نحو الأمن التشريعي آن الأوان للتحرر من النظرة العاطفية إلى الجالية. مغاربة العالم لا يطلبون امتيازات ولا يسعون لامتنان زائف، بل يطالبون بإطار واضح، وإدارة رشيقة، وأمن تشريعي راسخ — والأهم: الاحترام. حين احتضن المغرب أبناءه في العالم بدلاً من إبعادهم، أبهر الجميع رياضياً ورمزياً. نفس منطق الأداء ينطبق على الاقتصاد والابتكار والاستثمار. إن التعميمات الصادرة عن السلطة التنفيذية لا تجرح الأفراد وحسب، بل تنخر ثقة مجتمع يعشق وطنه ويُسهم بعمق في اقتصاده، رغم عقبات هيكلية قائمة. لقد أكدت توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس — حفظه الله ونصره — مراراً على الدور الاستراتيجي للجالية. في الخطابات الملكية، يُعتبر مغاربة العالم رافعة هيكلية للمغرب الغد. كل خطاب حكومي يبتعد عن هذا الثابت يُفرز تنافراً يُشوش الإشارة المرسلة للشركاء الدوليين. الجالية: رافعة للقوة الناعمة والسيادة الجالية المغربية ليست ظاهرة متجانسة، بل منظومة إنسانية بالغة التنوع. ثمة فارق جوهري يطمسه التعميم: المهاجر الجديد، والطالب الذي يكتشف العالم، والمهني المستقر — وعلى حدة، أبناء وأحفاد الجالية. وُلدوا وترعرعوا على بُعد آلاف الكيلومترات، غير أنهم يحملون المغرب في أفعالهم واستثماراتهم وهويتهم العميقة. هنا تظهر الحقيقة بشكل أوضح. المغربي الذي وُلد وتكوّن في وطنه ثم هاجر — كالوزير نفسه — يعرف بلده ومؤسساته ولغته؛ لديه مرجعيات راسخة. أما ابن الجيل الثاني أو الثالث، الذي لم يعرف المغرب إلا عبر حكايات أبويه، وعبق صيف في طنجة، أكاديروجدة أو الدارالبيضاء، وقيم تُغرس في الصمت — فذلك يملك خياراً. خياراً حقيقياً، حراً وسيداً. بإمكانه الاستثمار في بلده الحاضن، أو الإبحار نحو آفاق أخرى. العالم كله مفتوح أمامه. ومع ذلك، يختار المغرب. لا إكراهاً، بل حباً لوطن اختاره بقدر ما وُلد فيه. رغم إدارة أحياناً معادية وعقبات متكررة، يعود ويستثمر ويبني. هذا الاختيار ليس بديهية: إنه فعل إيمان. وهذا الفعل بالذات هو ما تأتي التصريحات المتهورة لتجرحه أو تثبّطه. هل يريد المغرب مستثمريه — أم تحويلاتهم فحسب؟ هل يريد شركاء بنّائين — أم موردي عملة صعبة يُحتفى بتحويلاتهم بينما تُعرقل مشاريعهم؟ لا يمكن الطموح إلى أموال الجالية مع إغلاق الباب أمام طاقتها وخبرتها وانتمائها. ثمة مفارقة لا يجرؤ كثيرون على تسميتها. في الوقت الذي يُجهد فيه بعض الفاعلين الاقتصاديين — ومنهم من يتقلد مناصب سياسية — لإخراج رؤوس أموالهم، وتوظيف أصولهم في العقار الأجنبي، وتنويع محافظهم خارج الحدود الوطنية، يفعل المغربي المقيم في الخارج العكس تماماً. يُحوّل. يستثمر. يبني على أرض لم يسكنها أحياناً قط، لكنه يحملها في قلبه بدون شروط. الوطنية لا تُقاس بالإقامة، بل بالالتزام. فالسؤال يطرح نفسه، بكل الرصانة التي يستحقها: من يُعطي الدرس الحقيقي في الوطنية الاقتصادية — من يُخرج الأموال، أم من يُعيدها؟ ومن يحق له أصلاً أن يُلقّن دروس المغربية والانتماء. هذه الجالية في كل مكان: في مختبرات أرقى الجامعات العالمية، حيث يُقدّم باحثون مغاربة إسهامات علمية رائدة؛ في وادي السيليكون وبرلين، حيث يبني رواد أعمال مغاربة شركات بأثر عالمي؛ في مستشفيات أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث ينقذ أطباء مغاربة الأرواح وهم سفراء صامتون للمملكة؛ وعلى خشبات المسارح الثقافية الدولية، حيث يتألق الإبداع المغربي. وهي في الأرقام أيضاً: أكثر من 115 مليار درهم تحويلات في 2023، تتجاوز عائدات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر. يُضاف إلى ذلك مليارات مستثمرة في العقار المغربي — استثمارات هائلة تموّل التنمية المحلية مباشرة. ومع ذلك، يدفع هؤلاء أثماناً للتذاكر الجوية بين الأغلى في العالم للعودة إلى أرضهم، في منطق تسعيري يتحدى كل معقول. أثبت مونديال 2022 بجلاء: القوة الناعمة لا تُفرض بمرسوم. تُبنى بالثقة فيمن يحملون المغرب في قلوبهم أينما كانوا. لا تمييز بين مغاربة "هنا" ومغاربة "هناك". نحن أعضاء في جسد واحد. كل محاولة لتقطيع هذه الهوية، ولو عن غير قصد، خطأ استراتيجي جسيم. نحو انسجام حتمي مع طموح المملكة مغرب 2026 — المقبل على استضافة أحداث كونية وتحويل نموذجه التنموي — لم يعد يتسع للارتجال اللفظي. يجب أن تعكس الكلمة الحكومية التميز المنشود، وأن تبقى منسجمة مع الرؤية الملكية والطموح الذي يُقدمه المغرب للعالم. احترام الجالية هو احترام توقيع المغرب. هو ضمان أن يشعر كل مواطن، أينما أقام، بأن مؤسسات بلده تحميه وتُقدّره. الجالية المغربية ليست عبئاً. إنها قوة جبارة في انتظار التحرر. فلنحترمها ببساطة. بهذا الشرط وحده نبقى، عبر كل الحدود، مغاربة بكل فخر واعتزاز. -خبير في استراتيجيات السرد | السياسات العامة | أنظمة دعم المقاولات