التحصين الاقتصادي والاجتماعي للقضاة ضمانة للاستقلال القضائي أثار الموضوع مؤخرًا إشكالًا مشروعًا حول مدى سلامة ربط الزيادة في أجور القضاة بمفهوم "تحصين الاستقلال القضائي"، وقد حذر بعض الباحثين والمهتمين من احتمال الانزلاق إلى توظيف رمزي لمفهوم دستوري يربط استقلال القاضي بتحسين الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للقضاة. غير أن هذا التحفظ، في تقديرنا، يتجاهل أن البعد الاقتصادي والاجتماعي ليس عنصرًا عرضيًا في منظومة الاستقلال، بل مكونًا بنيويًا من مكوناته، وشرطًا من شروط فعاليته العملية. وهو ما ذهب إليه زميلي الأستاذ عبد الرزاق الجباري، الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب، إذ أكد أن تحسين الوضعية المادية للقضاة لم يكن مطلبًا معزولًا عن الغاية الأسمى، وهي تعزيز استقلال القاضي ذاته، باعتباره المدخل الجوهري لاستقلال السلطة القضائية. أولاً: الاستقلال كضمانة موضوعية لا كمفهوم تجريدي إن استقلال القضاء لا يختزل في بعده الأخلاقي، وإنما يتجسد كذلك في وضع مادي موضوعي يمكن القاضي من أداء وظيفته في منأى عن مظاهر الحاجة أو الارتهان. فالأمن الاقتصادي والاجتماعي يشكلان سياجًا واقيًا يحد من قابلية التأثير، لا بمنطق "معادلة الإغراء بالأجر"، وإنما بمنطق تقليص الهشاشة وتعزيز الأمن المهني. وعليه، فإذا كانت الضمانات الإجرائية وقيود عدم القابلية للعزل أو النقل أو التأديب إلا وفقًا للقانون قد وُضعت لتحصين الوظيفة، فإن تحسين الوضعية المادية يندرج في السياق ذاته. ثانيًا: التأصيل الدولي لتحصين الاستقلال عبر الشروط المادية لقد كرست الأممالمتحدة، من خلال "مبادئها الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية" الصادرة سنة 1985، ضرورة توفير شروط خدمة وأجور ملائمة للقضاة تكفل صون استقلالهم. ويؤكد هذا التوجه أن الاستقرار المادي ليس ترفًا وظيفيًا، بل ضمانة معترفًا بها في الفلسفة القانونية الكونية والمقارنة. إن استحضار هذه المعايير لا يعد توظيفًا بلاغيًا لمفهوم دستوري، بل هو استناد إلى مرجعية كونية تعتبر أن استقلال القضاء لا يكتمل إلا بتأمين شروط ممارسته الواقعية، ومنها الشروط الاقتصادية والاجتماعية. ثالثًا: التحصين لا يعني التشكيك إن التحصين، في المفهوم القانوني، هو إجراء وقائي يهدف إلى تعزيز الضمانات وتوفير شروط الاطمئنان والاستقرار. فالقانون لا يُبنى على افتراض سوء النية، بل يقوم على وضع آليات تحمي المؤسسات من أي تأثير محتمل، مهما كان مصدره. لذلك فإن تحسين الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للقضاة يندرج ضمن منطق تقوية الاستقلال، لا ضمن منطق الشك فيه. ومن ثم، فإن تحسين الأجور لا يُفهم منه التسليم بقابلية القاضي للإغراء، كما أن آليات التصريح بالممتلكات أو قواعد التنافي لا تفترض الفساد، وإنما تؤسس لبيئة مؤسساتية شفافة. فالمبدأ هنا هو تقوية شروط العمل ضمانةً لسلامة الأداء. رابعًا: البعد الدستوري للكرامة المهنية إن استقلال السلطة القضائية، كما كرسه دستور المملكة المغربية، لا ينفصل عن مبدأ الكرامة المهنية للقاضي، وهذه الكرامة، وإن كانت ذات بعد معنوي، فإن لها ترجمة اجتماعية واقتصادية ملموسة. فصون المكانة الاعتبارية للسلطة القضائية يقتضي أن تنعكس هذه المكانة في شروط ممارسة الوظيفة. خامسًا: التحصين الاقتصادي مسار تدريجي يواكب التحولات الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة وتعقيد المهام القضائية. وحتى الزيادات الجزئية تكتسب دلالة مؤسساتية إذا جاءت ضمن سياسة عمومية واضحة تعكس اعتراف الدولة بمركز القاضي ودوره المحوري في حماية الحقوق والحريات. سادسًا: إن الدفاع عن تحسين الوضعية المادية للقضاة لم يكن حكرًا على الجمعيات المهنية أو النقاشات العمومية، بل وجد صداه أيضًا في مواقف مؤسساتية صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي ما فتئ في تقاريره وتوصياته يؤكد على ضرورة توفير شروط مادية واجتماعية ملائمة لممارسة الوظيفة القضائية، باعتبارها من ضمانات الاستقلال وحسن سير العدالة. فحين يصدر هذا التوجه عن المؤسسة الدستورية المؤتمنة على حماية استقلال السلطة القضائية، فإن ذلك يضفي على مطلب الزيادة بعدًا مؤسساتيًا يتجاوز الطابع الفئوي، ويؤكد أن التحصين الاقتصادي والاجتماعي يُنظر إليه ضمن رؤية متكاملة لتعزيز مكانة القاضي وصيانة استقلاليته. – الكاتب العام لنادي قضاة المغرب