تجسد تطورات المشهد الجيو-سياسي والميداني في الحرب المستعرة بالشرق الأوسط لأزيد من شهر، حالة من "التدافع الاستراتيجي" المعقد؛ إذ يؤكد محللون في العلاقات الدولية أن "قرار إيقاف الحرب لا يخضع لظروف عارضة، بل لمحددات صارمة ترتبط بالقدرة على إخضاع الخصم وتحمل التكاليف الباهظة عسكريا واقتصاديا". وتبرز في هذا السياق "ازدواجية الأهداف" بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما تنخرط الحكومة الإسرائيلية في صراع "وجودي" ضد ما تراه تهديدا إيرانيا مباشرا، تتحرك الولاياتالمتحدة وفق أجندة هيمنة عالمية تستهدف بالأساس قطع طرق إمداد الطاقة عن الصين لضمان تفوقها الاستراتيجي بعيد المدى، مما يجعل استمرار الحرب أو توقفها رهنا بمدى تحقيق هذه الغايات الاقتصادية الكبرى وتجاوز كلفة النزاع التي باتت تلقي بظلالها على النمو العالمي برمته. كما أن فشل رهان "الضربة الخاطفة" في تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية وضع إدارة ترامب أمام مأزق "حفظ ماء الوجه" في ظل التهديدات المستمرة لأمن الطاقة العالمي في مضيق هرمز، وهو ما يعزز المخاوف من أن أي ضغط غير محسوب لتقويض النظام الحالي قد يفضي إلى صعود قوى أكثر تشددا، مما يعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة بعيدا عن رغبات واشنطن المعلنة. محددات إيقاف الحرب خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الأول بوجدة، قال متحدثا لجريدة هسبريس عن مآلات الحرب والتدافع الاستراتيجي، إن "إيقاف الحروب لا يخضع لظروف عارضة، بل يرتبط بالقدرة على إخضاع الخصم وإجباره على الهزيمة، وهو مسار يتطلب تضحيات جسيمة عسكريا وماليا واقتصاديا". كما عرّج شيات على "المحفزات الاقتصادية والطاقية"، مستبعدا "أنْ تكون التبعات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي هي المحفز الأساسي للولايات المتحدة لإيقاف الحرب"، معتبرا أن القرار يرتبط بعاملين محرّكين أساسيين هما واشنطن وتل أبيب. وأبرز الأستاذ ذاته، في تصريحه للجريدة، أن "التناقض حاصلٌ في الغايات الاستراتيجية"؛ فمقابل الرؤية الأمريكية التي تلتقي فيها واشنطن مع إسرائيل في غاية استراتيجية كبرى هي قطع طرق إمداد الصين بالطاقة، وهو هدف حيوي للهيمنة الأمريكية على المديين المتوسط والبعيد، تبرز الرؤية الإسرائيلية حين تنظُر الحكومة الحالية (الأكثر تطرفا) للصراع ك"مسألة وجودية، وتَعتبر إيران تهديدا مباشرا لبقائها". وعن توازنات القوى والتمويل، أكد شيات أن "إسرائيل لا يمكنها الاستمرار في الحرب بدون الدعم الأمريكي، بينما تستطيع واشنطن خوض مواجهة مع إيران بشكل مستقل". ولفت إلى "وجود مؤشرات على تجاوب إيراني مع المطالب الأمريكية، خاصة في الشق الطاقي، لتفادي التكاليف المالية الباهظة للحرب، التي تتحمل الدول العربية جزءا كبيرا منها كمصادر للتمويل". وخلص أستاذ العلاقات الدولية إلى أن "الحرب ستتوقّف عندما تحقق الولاياتالمتحدة أهدافها الاقتصادية الاستراتيجية التي تضمن استمرار هيمنتها الدولية، وربما الوصول إلى صيغة تعايش محددة مع الصين"، بتعبيره. بين الدعاية والميدان من جهته، استحضر محمد نشطاوي، رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيو-سياسية وتحليل السياسات أستاذ جامعي متخصص في العلاقات والقانون الدوليين، تصريح الرئيس الأمريكي (ترامب) بتحديد "مهلة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لإنهاء الوجود العسكري في المنطقة"، معلقا بأن "هذا التصريح يهدف بالأساس لإقناع الناخب الأمريكي بنجاح العملية ضد إيران، تزامنا مع انتخابات التجديد النصفي التي بدأت إرهاصاتها". وأضاف نشطاوي، في تصريح لهسبريس، أن "واشنطن تروّج لنجاحها في القضاء على مقومات النظام الإيراني، واستهداف قادة الصف الأول (بمن فيهم المرشد خامنئي)، وتدمير القدرات النووية والباليستية. كما طرحت "النقاط ال15′′ التي تفرض استسلاما كاملا لطهران يشمل تصفية نفوذها الإقليمي وقطع علاقاتها مع وكلائها (الحوثيين، حزب الله، حماس، والحشد الشعبي بالعراق)". غير أن المحلل السياسي نفسه رصد أن ثمّة "فجوة بين الخطاب والواقع"، وأكد بهذا الخصوص أن "الواقع الميداني يُثبت امتلاك إيران قدرات باليستية فرط صوتية وعنقودية وانشطارية لا تزال قادرة على توجيه ضربات نوعية في العمق الإسرائيلي". وضمن تحليله، أكد "فشل رهان الضربة الخاطفة"؛ إذ كانت الإدارة الأمريكية تعوّل على ضربة استباقية تقضي على القيادة وتدفع الشعب الإيراني أو الأكراد إلى الثورة ضد النظام، "إلا أن النتيجة كانت عكسية؛ إذ توحّد الشعب الإيراني خلف من تبقى من القيادة في مواجهة الحلف الأمريكي-الإسرائيلي". وعن "مأزق مضيق هرمز"، قال نشطاوي إن إدارة ترامب تحاول الخروج من "المستنقع الإيراني" مع حفظ ماء الوجه، خاصة مع تأثر الصادرات من النفط والغاز (التي تمثل نحو ربُع من الطاقة العالمية) بسبب السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز ورفض طهران لأي "مفاوضات مباشرة". وختم منبها إلى أن "تقويض النظام الحالي الذي قَبِل بالمفاوضات سابقا قد يفتح الباب أمام فئات أكثر تشددا للسيطرة على السلطة، مما يعقد الموقف الاستراتيجي الأمريكي مستقبلا".