يُعدّ ضريح مولاي إدريس (إدريس الثاني) من المعالم التاريخية التي يُقبل على زيارتها زُوار المدينة العتيقة لفاس، لكنَّ اللافت هو أنَّ الجهات المسؤولة عن الشأن السياحي لا تُوفّر للزائر أيَّ معلومة عن الضريح، عَدا تاريخ ولادة إدريس الثاني، منقوش على مستطيل رخامي عند بوابته. لا يُسمح للسياح الأجانب بالولوج إلى داخل الضريح، إذْ يكتفون فقط بالتقاط صور من الخارج، أما السياح المغاربة فلا يجدون بعد تجاوز عتبة بابه سوى قبر مُحاط بإطار خشبي محفوف بثوب أحمر نُقشت عليه آيات قرآنية، فضلا عن شواهدَ تحمل أسماء "الشرفاء الأدارسة"، المدفونين هناك. المعلومة الوحيدة المتوفّرة عن "إدريس الثاني" داخل الضريح مدوّنة على لوحة معلّقة في مكان خفيّ، وتشير إلى أنَّ قبره لم يُعرفْ إلا بعد مُضيّ 608 سنوات على وفاته. وحسب ما هو مدوّن على اللوحة، فإنَّ المولى إدريس الأزهر "وُجد جسده كما هو، فَلمْ يلحق به التراب أيَّ أذى أو تغيير". هذه المعلومة يردّدها بحماس كبير "مقدّم" الضريح، ويُضيف إليها أنَّ الذين اكتشفوا قبر إدريس الثاني، مؤسّس مدينة فاس، المتوفى سنة 828 ميلادية عن عمر 36 سنة، عثروا على بقعة من الدم على وجهه.. "بْحالّا حطّيتيه فالقبر، لأنه كان من الصديقين"، وفق تعبيره. عدا هذه المعلومة، لا توجد معلومات أخرى، سوى خطبة قصيرة لإدريس الثاني، ودعاء لأهل مدينة فاس، أمّا نصّ تدوين البيعة، المكتوب بخط صغير، فجرى تعليقه من طرف المسؤولين عن تسيير الضريح في مكان عالٍ على الجدران، يحتاج زائر المكان لقراءته إلى مِجهرِ يقرّب به كلماته إلى مُقلتيْه. في جنبات ضريح إدريس الأزهر، تنتشر قبور "الشرفاء الأدارسة"، مستوية بالأرض يسير عليها الناس. وكأغلب المآثر التاريخية المغربية ثمّة إهمال يتجلى بشكل واضح في ركام من الأتربة والأحجار وجريد النخل وأكياس بلاستيكية عندَ دُرجٍ في قاع الضريح، يبدو من خلال شكله أنّه عمّر هناك طويلا. عند عتبة باب الضريح الأوسط المُفضي إلى الباحة يجلس أشخاص يسمّون "الشرفاء"، يتجاذبون أطراف الحديث، وبين فينة وأخرى يردّدون أذكارا وأعينهم تراقب الداخلين؛ وما إن يلمحوا زائرا يقصده أحدهم، طمَعا في نيْل صدقة، مقابل تقديم بعض المعلومات عن الضريح. مُلاحقة "الشرفاء" لزوار ضريح إدريس الثاني تثير انزعاجهم.. "مددْتً يدي إلى جيبي فقط لإخراج هاتفي، فجاء أحد "الشرفاء" عندي ظنّا منه أنني سأمنحه مالا"، يقول أستاذ جامعي صادفناه في الضريح؛ أما "المقدم" فيقول، جوابا على سؤال لهسبريس حول مهمّتهم: "حاضيين الضريح، وْكيورّيو للناس". لكنَّ المعلومات التي يقدّمها "الشرفاء" لزوار ضريح إدريس الأزهر لا تُعطى بالمجان؛ هم لا يطلبون شيئا بشكل مباشر، لكنهم يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة، فما إنْ يلمسوا رغبة من الزائر في مغادرة المكان ينبرون في الدعاء له، عساه يفهم المغزى منه، ويمدَّ يده إلى جيبه و"يُكرمهم" بصدقة.