تشابُك الحدود البحرية في الشريطين الأطلسي والمتوسطي أورث صراعاً جيو إستراتيجيا في منطقة شمال إفريقيا التي تموج بثروات طبيعية هائلة، حيث برزت خلافات ناشئة ومتفاقمة بين ثلاثة بلدان، في ظل الحديث عن احتياطات غازية ونفطية قد تُشكّل محركّا رئيسيا في التوتّر الدبلوماسي الراهن، بالإضافة إلى الخلاف القانوني والسياسي المتعلق بمسألة "السيادة". وقد شكّلت "الحرب البحرية" الناجمة عن صراعات الغاز مسرحا للجدل السياسي في منطقة الشرق الأوسط، إذ انتقلت من الصراع المائي القديم العهد بين لبنان وإسرائيل إلى الصراع النفطي القائم بين تركيا من جانب واليونان وقبرص من الجانب الآخر، وصولا إلى الصراع حديث العهد بين تركيا ومصر بشأن الثروات الطبيعية. حالة التصعيد الجيوسياسي ما زالت متواصلة بخصوص ترسيم الحدود البحرية، حيث بدأت تبرز ملامح الخلاف الدبلوماسي في شمال إفريقيا أيضا، ويتعلق الأمر بكل من المغرب والجزائر من جهة وإسبانيا من جهة ثانية، نتيجة عدم التوصّل إلى اتفاق ثنائي مشترك يخصّ الحدود البحرية، التي أصبحت تشكل بؤرة صراع تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والقانونية والأمنية. النزاع المغربي-الإسباني في 22 يناير المنصرم، صادق البرلمان المغربي بالإجماع على مشروعيْ قانون يُبسطان سيادة المغرب البحرية على الأقاليم الجنوبية، ويخلقان منطقة اقتصادية خالصة تبلغُ 200 ميل؛ ما أثار "توجس" الجار الإسباني الذي امتعض من الخطوة، في ظل تأكيد المغرب أن إجراء الترسيم "سيادي" و"داخلي". ومن هذا المنطلق، أفرزت الخطوة المغربية تداعيات كبيرة من الجانب الإسباني؛ فعلى الصعيد الرسمي شرعت "المملكة الإيبيرية" في القيام بتحركات دبلوماسية متسارعة لاحتواء الوضع وإقناع الرباط بالتراجع عن القرار، أو على الأقل التفاوض بشأنه، لتحلّ المشرفة على الجهاز الدبلوماسي الإسباني بالمغرب، سعياً منها إلى معرفة خبايا الموضوع. الأحزاب الإسبانية تفاعلت مع "الأزمة الصامتة" حينئذ بكثير من "التوجس"، حيث أجمعت مختلف القوى السياسية على مواجهة خطوة البرلمان المغربي بشأن الحسم في ترسيم الحدود البحرية للأقاليم الجنوبية للمملكة، إذ توحّدت الحكومة المركزية بمدريد والحكومة المحلية بجزر الكناري على معارضة المخرجات التي ستترتب عن العملية التشريعية بالرباط. الصراع الجزائري-الإسباني-الإيطالي بعد الأزمة التي نشبت بين الرباطومدريد، برزت بوادر خلاف دبلوماسي ثانٍ بعد إعلان الجزائر تحديد حدودها البحرية، بعد مضيّ قرابة سنتين على إصدار الحكومة الجزائرية لمرسومين يخصان المناطق "البحرية الاقتصادية الخالِصة" مع كل من إسبانيا وإيطالي على التوالي، ما دفع الدولتين الأوروبيتين إلى رفض فحوى المرسومين. هكذا، وجّهت إيطاليا اتهامات إلى "قصر المرادية"، تندد بالتوسع البحري "الأحادي الجانب" من لدن حكومة الجارة الشرقية، لا سيما المنطقة البحرية المقابلة لجزيرة "سردينيا"، لافتة إلى أن الخطوة اتُخذت دون التوصل إلى أي اتفاق مبدئي مع البلدان المجاورة، داعية إلى إجراء مفاوضات دبلوماسية مكثفة تهمّ الموضوع في قادم الأسابيع. إسبانيا بدورها احتجت على الخطوة الجزائرية، حيث أعربت أرانشا غونزاليس لايا، وزيرة الخارجية الإسبانية، عن امتعاضها من عدم التفاوض مع مدريد قبل صياغة القرار الوطني، لا سيما أن الحدود المُعلن عنها تلامس تقريبا أرخبيل "جزر البليار"، حيث اتفق الطرفان على عقد لقاءات دبلوماسية مستعجلة؛ لكنها تؤجل من حين إلى آخر دون معرفة الحقيقة الكاملة للتأجيل. أبعاد جيو-اقتصادية هل تتعلق إشكاليات الترسيم ب"مصالح متشابكة" بين أطراف النزاع أو توجهات جيو-سياسية بالدرجة الأولى؟، سؤال طرحناه على المهدي فقير، الباحث الاقتصادي المغربي المتّتبع لأطوار الملف، فأجاب بأن "كل دولة لها سيادتها الداخلية، لكن ما حدث يتعلق بإشكالية توازنات تهم منطقة شمال إفريقيا". لذلك، قال فقير، في تصريح أدلى به لجريدة هسبريس الإلكترونية، إن "المغرب بوصفه دولة ذات سيادة من حقه استغلال الغاز الطبيعي، غير أنه توجد توازنات ترتبط بالمنطقة"، واستدرك: "إسبانيا والجزائر لم يتوقّعا أن عملية الترسيم ستُفضي إلى هذه الاكتشافات الكبيرة من الغاز الطبيعي". وأضاف الخبير الاقتصادي عينه أن "الجانبين الاقتصادي والجيوسياسي متداخلان في الموضوع؛ لكن أرى أن صانع القرار المغربي لم يستخدم هذه الورقة الإستراتيجية أبدا ضد الأطراف المعنية (ورقة الغاز)"، ثم زاد: "المغرب يعي التوازنات الجيواستراتيجية القائمة في المنطقة". وتابع المتحدث عينه بالقول إن "المملكة سوف تتعامل بتوازن مع الملف، ولن تمنح الفرصة لأي طرف بأن يضغط عليها"، مشددا على أن "الغاز ستكون ورقة تاريخية في يد المغرب والجزائر، فإذا تعاون البلدين بشأن هذه الموارد الطبيعية فسيُحقق ذلك مصلحة كلا البلدين". تحديات أمنية وسياسية محمد بنحمو، أستاذ العلاقات الدولية، توقّف عند المسألة بالإشارة إلى أن "القرار سيادي بالدرجة الأولى إلى المغرب؛ لأنه يتعلق بالسيادة الداخلية على المجال البري والجوي والبحري الوطني"، مبرزا أن "المملكة تسعى أيضا إلى مواكبة مختلف التشريعات القانونية الدولية المنصوص عليها بهذا الخصوص". وبالنسبة إلى بنحمو، فإن "ما يُقال بخصوص الثروات المعدنية والخيرات الكائنة في المجال البحري للمغرب لا مانع منه"، مستطردا بأن "الأمر يتعلق بالمصالح المغربية كيفما كانت، لكن يبقى بالقرار سيادي في ظل قيام عدة دول بتأمين مختلف مجالاتها البحرية للاستفادة منها". وذهب رئيس المركز المغربي للدراسات الإستراتيجية قائلا: "المغرب له من الكفاءة والخبرة والإرادة لبسط سيادته الكاملة على مجاله البحري من طنجة إلى الكويرة، حتى يتمكّن من تأمينها من وجود الأنشطة غير المشروعة، سواء تلك المتعلقة بالتهريب أو الجريمة العابرة للحدود أو الإرهاب".