أجواء باردة في أول أيام رمضان بالمغرب    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    إنهيار جليدي بكاليفورنيا.. العثور على ثمانية متزلجين متوفين من بين التسعة المفقودين    نجم المنتخب المغربي ينافس على جائزة خاصة في "الليغا"    بمشاركة المغرب.. أول اجتماع ل "مجلس السلام" وهذا ما سيناقشه    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    عملية الإحصاء الخاصة بالخدمة العسكرية تبدأ من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    أخنوش يترأس المجلس الإداري للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي    عضو نافذ بالكاف يطلق تصريحات قوية بعد أحداث نهائي "الكان"    "ويفا" يفتح تحقيقا في مزاعم سلوك تمييزي ضد فينسيوس    "البام" ينتصر لوهبي في "معركة المحامين" ويهاجم أخنوش    انطلاق عملية جرد خسائر المساكن والمحلات التجارية لفائدة المتضررين من الفيضانات    شخص موضوع بحث قضائي يقفز من الطابق العلوي لمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ويُصاب بجروح خطيرة    الأمن يوقف متورطين في سرقة وكالة لتحويل الأموال    ما الدول التي أعلنت غداً أول أيام رمضان وأيها الخميس؟    طقس أول أيام رمضان بالمغرب    بيع بطاقة "بوكيمون" نادرة مقابل أكثر من 16 مليون دولار    هل ستبقى السماء زرقاء إلى الأبد؟    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    انطلاق جرد خسائر المساكن والمحلات لفائدة المتضررين من الفيضانات بالقصر الكبير    برقية تهنئة للملك من رئيس فلسطين    نقابة الاتحاد المغربي للشغل تسجل بارتياح استجابة كتابة الدولة لمطالبها    إحصاء "الخدمة العسكرية" في مارس‬    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    الحسيمة تُفعّل الرقم الأخضر 5757 لمحاربة الغش في الأسعار خلال رمضان    أشرف حكيمي يصنع التاريخ الأوروبي ويقود المغاربة إلى صدارة هدافي دوري الأبطال    "الأحمر" يلون تداولات بورصة البيضاء    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    أخبار الساحة    باريس.. المغرب يشارك في الاجتماع الوزاري 2026 للوكالة الدولية للطاقة    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ترفض "الإصلاح البارامتري" وتدعو إلى سحب مرسوم 2021 ومراجعة شاملة لأنظمة التقاعد    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    ارتفاع بنسبة %29 ..مجازر الدار البيضاء تسجل إنتاجاً قياسياً في 2025    تضارب إعلان رمضان يخلق استياء واسعا داخل الجالية المغربية بفرنسا        باستوني مدافع إنتر يكشف عن تلقيه تهديدات بالقتل بعد مباراة يوفنتوس    إنذار بوجود قنبلة في مقر "فرنسا الأبية"    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    إحداث أول وحدة جهوية لدعم البحث العلمي والتقني في جنوب المغرب    الريال يثأر وغلطة سراي يقسو وسان جرمان يقلب الطاولة ودورتموند يتفوق في ليلة درامية    تقرير دولي: هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية على رأس المخاطر التي تواجه المغرب    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى معركة أدْهَار أُوُبَرَّانْ .. إنذار الخطابي وغطرسة سلفيستري
نشر في هسبريس يوم 01 - 06 - 2020

تحل اليوم الذكرى التاسعة والتسعون لانطلاق المقاومة المسلحة بالريف، على عهد الشهيد محمد بن عبد الكريم الخطابي، خلال أول معركة فتحَ فيها الريفيون صدورهم لرصاص الاستعمار دفاعا ومقاومة عن شرف الأرض وكرمتها، في الفاتح من يونيو عام 1921. لهذا، ارتأينا المساهمة في هذه الذكرى البطولية التي خاضها شعب الريف في الدفاع عن قيم التحرر والاستقلال، وكذلك للانفتاح عن الأرشيف الفكري للخطابي، من أجل إغناء الميدان العلمي والثقافي.
مولاي موحند.. زعيم ومؤرخ
حرّر الخطابي في مذكرات لاريونيون ما يلي: "أرسل [سلفستري] فرقتين من الجيش النظامي الوطني تحت ضباط إصبانيول معززتين بفرقتين من الطوبجية وحركة من القبائل الطائعة واحتل جبل أبران ليلا بتمسامان وهو مركز يهدد سيدي شعيب وجبل القامة حيث إقامة جمع الأعيان، فتسارع القوم إليه صباحا وأخذوا المركز بما فيه وحازوا ما وجدوه فيه من الذخيرة قرطوسا وسلاحا وفي جملتها بطرية من المدافع الجبلية وأنا والأخ بالدار (...) واجتمع جيش كثير من كل الأنحاء فرجعت قبيلة تمسامان" (مذكرات لاريونيون،2017، ص85).
هذا ما خطته أنامل الخطابي في مذكراته المسماة مذكرات لاريونيون، تحت عنون "هجوم سلبستر على أبران"، يبين النص التاريخي القوات الاستعمارية التي احتلت "أدْهَارْ أُوبَرَّان"ْ - وهو قمة جبلية بقبيلة تمسمان الواقعة في عمق سلسلة جبال الريف على الساحل المتوسطي.
ووفق النص، تكوّن الهجوم من ثلاث فرق؛ فرقتان من الجيش الإسباني معززتان بفرقة من "الطوبجية"، وهذه كلمة تركية بمعنى المدفعية، بمشاركة Regulares وهم جنود أهليون، من القبائل المحتلة كما يوضح ذلك الخطابي.
باحتلال جبل أَبَرَّانْ، يصبح حسب المذكرات موقع "سِيدي شْعَيب" الواقع أيضا في تمسمان، من الصلحاء ذو رمزية كبيرة في الذاكرة الجمعية بالريف تحت تهديد الاستعمار، وهو موقع مهم باعتباره واقعا على الساحل، ومَعْبرا إلى قبيلة أيث وايِغَر.
وقبل شهر من معركة أدهار أوبران، أي في ماي 1921 طلب القائد العام بمليلية الجنرال مانويل فرنانديز سلبستري، عبر وفد مكون من القبطان أنطونيو كوط Antonio Got وإدريس بن سعيد السلاوي تخابر مع امحمد الخطابي، احتلال رأس سيدي شعيب Cabo Quilates، هذا الطلب الذي تقدم به سيلفستري كشرط لاستمرار المخابرة بينه وبين الخطابي قُبِل بالرفض. (مذكرات لاريونيون، صص 83 84).
وكان التهديد كذلك يشمل موقع جبل القامة الواقع بتمسمان، الذي انعقد فيه أول مؤتمر بين زعماء وأعيان قبائل الريف في أواخر أبريل وماي 1921؛ إلا أن الريفيين كانوا في الموعد، ولم يتركوا للمستعمر فرصة لتثبيت أركانه. وفي وقت وجيز تمكنوا من تحرير الموقع، وذكر الخطابي أنهم غنموا "ما وجدوا فيه من الذخيرة قرطوسا وسلاحا وفي جملتها بطرية من المدافع الجبلية". وأقر النص بعدم مشاركة الخطابي وشقيقه امحمد في أدهار أوبران، الموضوع الذي أثار الكثير من النقاش.
بين إنذار الخطابي وغطرسة سلفيستري
بالعودة إلى السياق التاريخي لهذه المعركة الأولى على عهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، التي جاءت تنفيذا للخطة التوسعية الاستعجالية التي وضعها الجنرال سلفستري بمباركة ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر، خلافا لبرنامج المقيم العام الإسباني برينكرDámas Berenguer، حيث أقدم سلفستري باحتلال مجموعة من المواقع بدءا من قبيلة قلعية المجاورة لمدينة مليلية، مرورا بقبيلة أيت سْعِيذْ الساحلية، وصولا إلى قبيلة أيت وْرِيسْشْ بالضبط إلى مركز أنوال الذي احتله يوم 15 يناير 1921، حيث الحامية الرئيسية في الريف الشرقي بعد مليلية.
أمام هذا الزحف، كان الجانب الريفي في أتم الاستعداد لمقاومة الاستعمار، وعُقِد مؤتمر جبل القامة كما سبقت الإشارة، الذي أفرز قيادة حربية، تولى فيها محمد بن عبد الكريم الخطابي منصب قائد المقاومين.
في نفس السياق، وجه الخطابي بواسطة أنطونيو كوط Antonio Got إنذارا قاطعا إلى القائد العام، يحذره من عدم تجاوز إِغْزَارْ أَمَقْرَانْ؛ لكن رد سلفستري المغرور والمشمول برضا الملكية في إسبانيا، كان قوله إنه بعد يوم أو يومين سيشرب كأس شاي في منزل مولاي موحند في أجدير.
فجر فاتح يونيو 1921، أُصدِرت الأوامر بانتقال 5000 عسكري موزعين على فرق، لاحتلال أدْهَار أوبران، وما أن وصلت حتى "شرعت في بناء استحكامات وأسلاك شائكة حول مكان تمركزها، قبل أن تنسحب القوات عائدة إلى قاعدتها في أنوال، مخلفة وراءها حامية مكونة من 400 جندي يرأسها ضابط برتبة كمندينتي اسمه (رامون ويلبا) Ramon Huelva ومساعد له برتبة كابتن اسمه (خوان سالافرانكا) Juan Salafranca" (محمد عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال إفريقيا، 2017، ص49).
اعْمَار التمسماني.. شهيد المعركة
ما أن تم احتلال موقع أدهار أوبران فجرا، حتى "تسارع القوم إليه صباحا وأخذوا المركز" كما أورد الخطابي، وهنا يبرز اتجاهان حول فعل المواجهة، يعتبر أولهما أن الهجوم كان بغتة أو ما يعرف في الكتابات الإسبانية ب Sorpresa de Abarran، الاتجاه الذي دافعت عليه الأسطوغرافيا الإسبانية، وهو مبرر للهزيمة. واتجاه ثانٍ يبين إلى حد ما أنه كان هناك استعداد للتصدي، ونحن نستحضر مؤتمر جبل القامة المنعقد بين أبريل وماي 1921؛ غير أن هناك عنصرا في غاية الأهمية، ورمزا صعبا في معادلة أدهار أوبران، هو أول شهيد سقط فوق أرض المعركة؛ أعمار التمسماني، وبالتالي سنفتح قوسا لهذه الشخصية.
يتبين، من خلال تفحص مجموعة من المصادر والمراجع التي تناولت حرب الريف، أن معركة أدهار أوبران من الجانب الريفي كان هناك هجوم دفاعي ثنائي؛ الأول قاده الشيخ أعمار التمسماني بمعية أفراد من أسرته وعشيرته قاطني قسمة "ثْرُوكُوثْ" بتمسمان. والثاني تشكل من المقاومين المرابطين في جبل القامة، بالإضافة إلى مشاركة سكان المداشر المجاورة.
إن مبادرة هجوم الشيخ أعمار التمسماني السباقة، كانت مفاجأة حتى لباقي مقاومي القامة، إذا كانت فرضية عدم التنسيق واردة، لكون أعمار التمسماني اتهم في البداية من قبل المجتمع الذي ينتمي إليه بالتعامل مع بوحمارة، وفي فترة أخرى مع الإسبان ابتداء من سنة 1918 تزامنا مع مشروع الإنزال الذي كان يتم بتنسيق مع عبد الكريم الأب. وليدحض زعمهم وينفي عن نفسه وأسرته أي اتهام، استبسل بهجومه على موقع العدو ب أدهار أوبران، قبل أن يتلقى جسمه وابلا من الرصاص، فكان أول من اقتحم موقع العدو، وبالتالي أول شهيد تروي دماؤه أرض المعركة.
الشهيد ينحدر من مدشر "حَبْقُوشْ"، من أعيان قَسمة ثْروكوثْ بتمسمان، اسمه الشيخ اعمار أوفْقْيَرْ، "ولد سنة 1851، وكان قد بلغ السبعين سنة لما استشهد في معركة أبران. قصير القامة، قوي البنية، مقداما شجاعا، عرف بكرمه وحمايته للناس والإحسان إلى الضعفاء والمعدمين" (دراسات في تاريخ المقاومة الوطنية بالريف المغربي المعاصر،2016، نقلا عن مصدر إسباني، ص 88).
لهذه الشخصية حضور قوي في الذاكرة الجمعية، في حديثنا مع أحد كبار السن من نفس المدشر حَبْقُوشْ ومن أقاربه، بدأ الحديث قائلا: "شِّيخْ اعمار وَيْتِيكوَذْ"، قبل أن يستدرك الحديث: "أَقَطَاسْ نَّسْ وَرْيَدَّيّعْ"، بمعنى أن أعمار التمسماني نسبة إلى قبيلته كان شجاعا لا يخاف، وقناصا بارعا في التصويب، حتى أن طلقاته كانت لا تخطئ الهدف.
المستجوب حدثنا عن كيف كان الناس يرددون هذه العبارة: "وَنِّي ثِينْغِينْ إِنْغِيثْ"، يقصد أن الشيخ أعمار لم يبخل عن قاتله بآخر طلقة في حياته، ليرديه قتلا، في إشارة إلى انتقام ميداني مباشر، دفاعا عن الحرية والكرامة، وجدت هذه العبارة مكانة في نفوس الأهالي، وشكلت نوعا من الاطمئنان النفسي للتخفيف من حداد الريفيين على فقدان رجل من قامة أعمار التمسماني (مقابلة)، وخلدته القصيدة الملحمية أدْهَار أُوُبَرَّانْ في أبرز أبياتها إبداعا وبلاغة، محاوِلة إعادة تصوير مشهد الملحمة ورثاء الشهيد:
أَيَا أدْهَارْ أُوبَرَّنْ يَمْسَبْضَانْ خَرْبْعَا
مِينْ يَدُّوقْزَنْ زِي رَبْرَاقِي أَمَشْنَاوْ حَرّاقَا
مِينْ يَدُّوقْزَنْ زكَّخْفِيفْ أَمْشْنَاوْ أَشَرّا
اشِيخْ أعْمَارْ أوفْقْيَرْ أَخَسْرَكْ إِكُوضَا
يحقق هذا البيت شرطا إخباريا، حيث يخبرنا بأن الشيخ أعمار سقط فوق الأسلاك الشائكة المسيجة للحامية العسكرية في جبل أبران.
زَغَاريد النصر
لم يستمر احتلال أبران الا سويعات معدودة، ليُرفع علم النصر مع زغاريد النساء، مقابل صدمة القائد العام سلفستري الذي كان يراقب المشهد من أنوال، دون إيجاد سبيل لإغاثة حامية أبران.
وذكر الخطابي في مذكرات القاهرة، أثناء عرض حديثه عن غنائم معركة أدهار أوبران، أن المجاهدين غنموا خلال تلك المعركة أربعة مدافع جبلية عيار 65 ملم، وأربعة مدافع رشاشة، وكمية كبيرة من ذخيرة المدفعية، و65 صندوق ذخيرة بنادق بكل منها 1800 طلقة، إضافة إلى 400 بندقية وعددا من الخيام. (مذكرات: الشعب يواجه الاستعمار الإسباني صص 480 485، نقلا عن محمد عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال إفريقيا، 2017، ص49).
يستدرك الخطابي الحديث عن الضحايا من الجانب الريفي؛ استشهد في تلك المعركة أربعة مجاهدين هم القائد عمر أفقير التمسماني، وثلاثة من بني ورياغل هم محمد بن أحمد بوصريمات، وأبو طاهر محمد حدو الطاهر القمراوي، وآخر لم يذكر في مذكرات الخطابي، ومجاهد آخر ظل اسمه مجهولا نظرا للطريقة التي لقي بها حتفه، فقد مات بطريقة عجيبة؛ فبينما يهاجم المجاهدون الإسبان، حاول أحد جنود المدفعية الإسبان توجيه فوهة مدفعه نحوهم، إلا أن أربعة منهم تمكنوا من مباغتته فأردوه قتيلا، وبينما يتفحصون المدفع الذي سقط في أيديهم كان الشهيد الخامس يقف أمام فوهة المدفع، ولم يكن أي منهم يعلم بأن ثمة قذيفة داخل الفوهة، وبضغطة خاطئة من أحدهم خرجت القذيفة ممزقة هذا المجاهد. (مذكرات: الشعب يواجه الاستعمار الإسباني صص 480 - 485، نقلا عن محمد عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال إفريقيا، 2017، ص49).
أما الجانب الإسباني، فعلى الرغم من إقراره بفقدان كل ما كان في الحامية من سلاح وعتاد حربي، فإن المصادر الإسبانية اختلفت حول عدد الضحايا؛ لكن الأغلبية سجلت 25 من القتلى والمفقودين؛ منهم 6 ضباط، و18 جنديا إسبانيا، وجندي من الشرطة الأهلية، وفي مقدمتهم الضابط وقائد الحامية رامون ويلبا، ومساعده برتبة كابتن خوان سالافرانكا. كما أشارت البرقيات المرسلة إلى وزارة الحربية إلى أسير واحد، الملازم دييغو فلوميستا مويا Diego Flomesta Moya، أصيب في المعركة على مستوى الرأس والذراع، وتولى مسؤولية الدفاع عن الموقع، باعتباره الملازم الوحيد الباقي، تم أسره بُغية إصلاح المدافع وتعليم المقاومين الريفيين استخدامها بعد شفائه، إلا أنه رفض تلقي العلاج وامتنع عن الأكل، ومات جوعا في الأسر يوم 30 يونيو 1921. بالنسبة إلى الجروح، فاختلفت المصادر الإسبانية بين 59 جريحا و141جريحا. في المقابل، توارد لدى الريفيين أن كل من كانوا في موقع أبران من الإسبان لقوا حتفهم إلا القليل.
أَبَرّان بين الصدى المحلي والبعد الدولي
كان لمعركة أدْهَار أُوُبَرَّانْ صدى قوي على الجانبين؛ فقد شكلت هذه الهزيمة النكراء بداية الفشل للمشروع الاستعماري في الريف، أولا من ناحية اختبار قوات الريفيين ووحدتهم، وبالتالي أصبح المستعمر يضرب للريفيين ألف حساب، ثم الخسائر المادية في الذخيرة التي أصبحت في أيدي المقاومة الريفية، تسرب الرعب إلى نفوس الوحدات العسكرية المكَونة من أبناء الشعب الإسباني، ضحايا التجنيد الإجباري تلبية لأطماع الإمبريالية.
أمام إفشال المخطط الاحتلال، سارع المفوض السامي بيرنكر للإبحار من تطوان إلى ميناء سيدي إدريس لمقابلة سلفستري يوم 5 يونيو، قصد التعرف على ظروف وملابسات الهزيمة التي ظلت غامضة عنده، كما أخبر بذلك وزارة الدفاع الإسبانية، واعتبر الهزيمة مفاجأة، كانت نتيجة عدم التفاهم بينه وبين سلفستري. (دراسات في تاريخ المقاومة الوطنية بالريف المغربي المعاصر،2016، ص68).
عقب هذه المعركة "عمل الريفيون على عرض أجزاء المدفعية التي تم الاستلاء عليها في المركز العسكري، في القرى المجاورة كدليل على النصر" (العناق المميت، 2016، ص 160).
يبدو أن لهذه المعركة صدى قويا أثر في نفوس سكان الريف، يتجلى في تفنيد فكرة صعوبة مقاومة الاستعمار الذي عاد إلى الريف بقوة، والتلاحم بين القبائل واللفوف، ووضع ثقة في الخطابي، بعد قطع كل التخابر مع إسبانيا.
ارتفعت الروح المعنوية، كذلك بسبب ما عادت به هذه المعركة من معدات حربية، ساهمت في تجهيز النواة الأولى للجيش الريفي، والتحاق مجموعة من عناصر الشرطة الأهلية بصفوف المقاومة.
من آثار هذا الواقعة في الذاكرة أن الريفيين جعلوه حدثا يؤرخ به "ثَزِّيثْ أُورُومِي" انكسار الاستعمار. وبمناسبة هذا النصر، أبدع المجتمع، ولاسيما المرأة الريفية، قصيدة شعرية أمازيغية خاضعةً لوزن "رَلاَّ بُويَا"، تمجيدا لانتصارهم ووفاء لشهداء هذه المعركة، وهي بمثابة وثيقة تاريخية مهمة، لكونها تؤرخ لمجموعة من الأحداث؛ من معركة أبران إلى توقيف الخطابي، مع تناولها للكثير من الأحداث التي جرت في هذه الفترة (1921 - 1926) في صور شعرية جمالية إبداعية، وفي مطلع القصيدة الملحمية:
أَيَا أدْهَارْ أُوبَرَّنْ أَيَاسُوسْ نْ يخْسَانْ
وِيزَّايكْ إِغَارَّنْ أَزَّيْسْ إِغَرْ أزْمَنْ
أَمْنْ إِغَارْ زَكْ-رُومِي رَامِي يُوذَفْ ثَمْسَمَانْ
ثَمْسَمَانْ مَاثْهَوْنَاشْ مَا تْغِيرَشْ ذْبَنَّعْمَانْ
نستنتج أن لمعركة أبران حضورا رمزيا قويا في الذاكرة المحلية، أكثر من معركة أنوال؛ لأنه الحدث الذي وحّد ودشّن سلسلة من الانتصارات المتتالية، بينما المستعمر كان يلجأ إلى نوع من التعتيم والسرية، لاستمرار المشروع الاستعماري ورفع معنوية الجيوش، إلى أن دُحر في أنوال، الحدث الذي أخذ بعدا دوليا، وتصدر الصحف الأوروبية آنذاك تحت عنوان: Desastre de Annual (كارثة أنوال).
تَلت معركة أدْهَار أُوُبَرَّانْ، التي نعتبرها الشرارة الأولى لاندلاع حرب الريف التحريرية على عهد الخطابي، مجموعة من المعارك التي تناولها الرئيس في مذكراته؛ منها: سِيدي ادرِيسْ، سِيدي ابْرَاهَمْ، إِغْرِيبًا، ثم أنوال (21 يوليوز 1921).
نستحضر هذه الأحداث التي خاضها شعب الريف لرد الاعتبار للتجربة التحررية الإنسانية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
وانطلاقا من هذا الفكر التحرري المتراكم، الذي سيشكل أرضية لمسار ديمقراطي استقلالي، ولا سيما ونحن على مشارف تخليد مئوية أنوال (21 يوليوز 2021)، ونظرا لرمزية هذه المناسبة، نوصي بالوقوف عندها من أجل إعادة فتح مجموعة من الملفات المرتبطة بالقضية الريفية، وطرحها للنقاش العلمي، القانوني والسياسي، ونختصرها في الآتي:
الإفراج عن مذكرات الخطابي، المسماة بمذكرات القاهرة؛ وهي مخطوط في ثلاثة أجزاء، تحتوي في مجموعها على 3000 صفحة، توجد منها نسختان، الأولى في حوزة أسرة الخطابي، والثانية لدى أسرة محمد سلام أمزيان، قائد ثورة الريف عام 1958 1959.
في إطار نقاش إعادة كتابة التاريخ: نعتقد أن هذه فرصة لإعداد موسوعة علمية عن المقاومة الريفية.
إعادة فتح ملف الجرائم الاستعمارية مع إسبانيا، خاصة قضية الأسلحة الكيماوية التي كان الريف مسرحا لاستعمالها.
*باحث - إسبانيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.