المغرب يتعهد بنشر قوات أمن وإنشاء مستشفى ميداني في غزة    مجلس الحكومة يهتم بمجلس الصحافة    الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    هاته هي الأسماء التي تم تعيينها اليوم في مناصب عليا بالمجلس الحكومي    اليوم الوطني للسلامة الطرقية بالمغرب، رمزية التخليد وضعف في التعبئة المجتمعية    الحكومة تصادق على مشروعي مرسومين لتوسيع تمليك أراضي الجماعات السلالية    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    تبعات نهائي أمم إفريقيا اعتراف من داخل الكاف: المغرب كان ضحية قرارات لم تحترم المساطر ولا رجعة في تتويج السنغال    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    أخبار الساحة    تطورات: وفاة الشخص الذي قفز من مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية    تنافس قوي بين المغرب وبلجيكا على ريان بونيدة    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    توقعات أحوال الطقس خلال العشرة أيام الأولى من شهر رمضان    الحكومة تصادق على الصيغة الجديدة لمشروع قانون المجلس الوطني للصحافة    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    اعتقال شقيق ملك بريطانيا بعد فضيحة إبستين    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء        بعد أكثر من 14 سنة على تعيين أعضائه.. تساؤلات حول تأخر تجديد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رغم تعيين رئيس جديد    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان    بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    تحالف انتخابي بلا تعاقد.. هل يغامر اليسار بما تبقى من رصيده؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء        إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    نقابة تطالب مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية بمنح إعانات استثنائية لموظفي الصحة المتضررين من الفيضانات    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثقافة "العيش المشترك" في تازة .. حي الملاح أو كهف اليهودي
نشر في هسبريس يوم 01 - 07 - 2020

في المقال السابق، أشرت إلى حضور يهود تازة ضمن المظان والحوليات العبرية والعبرية المغربية، فضلا عن الكتابات والوثائق المغربية والأجنبية.. وواضح أن الباحثين أوردوا تلك الأخبار والفوائد التاريخية، إما ضمن تاريخ المغرب عموما، أو في سياق تتبع مسار اليهود المغاربة على وجه الخصوص.. وطبيعي أن يتموضع تاريخ اليهود بتازة وفق الأرضية المونوغرافية، أي التاريخ المحلي أو ما سماه عبد الله العروي "المبحثة " كأساس للتاريخ العام، وهو أيضا مجال حيوي لطرح أسئلة علمية حارقة، وبلورة إشكالات معينة، تروم تحليل طبيعة هذا الحضور وتسلط الضوء على مفاهيم محددة ك"التعايش" و"التفاعل" و"التسامح" و"الحوار" و"العيش المشترك" طبعا ضمن أحداث أو أرضية تاريخية، يصح أن تمنح معنى ما لتلك المفاهيم، أو قد تَطرح قضايا جديدة متجددة في مسار البحث والسؤال.
من هنا، لا يمكن دراسة الحضور اليهودي بتازة، المدينة ذات الحجم المتوسط، المشرفة على الممر (الذي يحمل اسمها) الواقع بين الأطلس المتوسط والريف وعبر حوض إيناون (وقد يشمل الاسم ما سمي تاريخيا ببلاد تازا) لا يمكن دراسة الحضور اليهودي في تازة أو بالحواضر المشابهة من حيث المجال البشري والطبيعي دون ربطه جدليا بأوضاع اليهود المغاربة ككل خلال فترات تاريخية ممتدة واضحة المعالم والمسارات تارة، ملتبسة التمظهرات والنتائج تارة أخرى، مع إبراز خصوصية هذا الحضور بالمنطقة.
من المفترض أن الوجود اليهودي بتازة والأحواز يعود إلى زمن قديم، ضارب في عمق التاريخ، كما يذهب إلى ذلك الأستاذ أحمد شحلان، المتخصص في الثقافة واللغة العبريتين بجامعة محمد الخامس/ الرباط، اعتمادا على إفادة أحد الدارسين اليهود المعاصرين. وإذا كان مسار التاريخ هنا متعرجا ومتساوقا مع أحداث جسيمة عرفتها المنطقة، منذ القرن الرابع عشر الميلادي على الأقل، (وسنأتي على ذكر بعضها) فإن الشواهد المادية والرمزية والطوبونيمية / الأماكنية في المقابل والتي تحايث بشكل عام هذا الوجود، سواء على صعيد مدينة تازة أو أحوازها، يمكن أن تفيد الباحث بشكل كبير لا يقل أهمية عن الأحداث والمشاهد التاريخية.
في هذا السياق، هناك مجال مكاني بمدينة تازة، يمتد من كهف اليهودي/ أو ما سماه الفرنسيون والمشارقة "كيفان بلغماري" وحتى الحي اليهودي سابقا، أي ما كان يطلق عليه لفظ الملاح، وما زالت التسمية موجودة إلى حد الآن، وهو الحي الذي لم يفلح الراهب الجاسوس المتنكر في زي يهودي شارل دوفوكو Charles De Foucauld في توصيفه بدقة، ضمن كتابه "التعرف على المغرب " RECONNAISSANCE AU MAROC "، لأن الحي في الحقيقة متوسط الحجم، باعتبار الدور والسكنيات والكنيس أو البيعة اليهودية وسوق اليهود بحمَّامه المعروف ومحلاته الحرفية سابقا.. ولعل دوفوكو اقتصر على وصف الملاح في تازة، باعتباره فقط حيا سكنيا ليهودها، الذين ناهز عددهم خلال زيارة دوفوكو إلى تازة مائتي نفر (200) وهو بالطبع حجم متواضع نوعا ما، قياسا إلى ساكنة المدينة (بين 3000 و4000 نسمة) خلال هذه الفترة التاريخية أي أواخر يوليوز 1883.
يمتد هذا الملاح من الجنوب إلى الشمال انحدارا، عبر مقطع طولي شرق تازة العتيقة وضمن الحي الشمالي، غير بعيد عن ما كان يسمى بدار الإمارة والتي لم يتبق منها حسب تيراسHenri Terrasse في وثيقته Taza – Notice Historique et Archéologique إلا إفريز بالقرمود، ذو طابع مريني وبقايا قوس/ حذوة حصان، وهذا الإفريز ما زال باديا للعيان إلى حد الآن بدرب السلطان، المؤدي إلى كل من لعريصة وباب الريح، مما يُفترض معه احتمال وجود وضع شبيه بملاح فاس، الموجود أيضا بجانب القصر السلطاني (المريني في الأصل) بما يعنيه ذلك من "ذمة" و"عزل نسبي" للساكنة اليهودية عن باقي شرائح المجتمع المغربي، وخاصة عن الغالبية المسلمة، والأهم هو حماية السلطان لليهود، باعتبارهم من أهل الذمة وحفظا لعاداتهم وتقاليدهم وتأمينا لممارسة شعائرهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية وأنماط عيشهم.
حصل ذلك بفعل عدد من التجاذبات أو حتى الصراعات التي نجمت عن أسباب اقتصادية واجتماعية مغلفة بتمثلات معينة عن هذا الطرف أو ذاك، وكنموذج ما حصل من نزاع حول ملكية ساقية مسجد الحدادين بتازة (مسجد سيدي عزوز؟؟) سنة 793 ه/ 1390 م (في عهد أبي العباس وهو من أواخر سلاطين بني مرين )، حيث انتهت محاولة اليهود السيطرة على تلك الساقية، بإفادة أحد الشهود وعريف البناء بتازة لصالح ملكية مسجد الحدادين لمياه تلك الساقية، ومثلما حصل بقيسارية فاس خلال عهد أبي يوسف يعقوب وفي أواخر دولة بني مرين وانتهى الموقف بمقتل عبد الحق آخر سلاطين تلك الدولة.
وكان مجال ملاح تازة يبدأ اعتبارا من شرق ضريح "سيدي عزوز"، بدليل أن هذا الحيز ما زال يسمى "باب الملاح " إلى حد الآن وحتى عقبة بوقلال (شارع عبد الخالق الطريس حاليا) التي تطل عليها سكنياته من الجهة الشرقية.. أما الأدراج فتؤدي إلى المجال السكني الرئيسي فقط لا غير، وإذا كان باب الملاح يبدأ غربا، اعتبارا من مشارف ذلك الضريح (سيدي عزوز مول تازة وذراع اللوز)، فإن بوابة صغيرة تنهيه شرقا بواسطة أدراج / سلالم ضيقة نسبيا، ولكنها هي نفسها كانت جزءا من مجال يهودي يمتد إلى ما سمي بباب الميعارة أي المقبرة اليهودية التي كانت موجودة أسفل ربوة نفس الشارع الحالي، إلى ما قبل عصر الحماية.
باب الميعارة حاليا لم يعد له وجود وكان ذلك قبل فترة الحماية، وتعد المنطقة أثرية دون أي شك، إذ تحتوي طبقاتها الأرضية، علاوة على لقى وأطلال ما تبقى من منازل يهودية، على مطامير وبقايا منازل إسلامية، وواضح أن فرص تهييء طريق بوقلال وحفره، تكشف في كل مرة لا عن آثار يهودية فحسب، بل أيضا عن مطامير أقدم للحنطة تعود إلى العصر المريني، وقت أن كان سكان تازة يتاجرون في الحبوب والثمار مع قبائل سجلماسة فيما لعب اليهود أدوار وساطة مهمة.
الحيز المحيط بهضبة تازة العتيقة، والحفر والبحث كشفا شبكة أثرية متعددة، سنوات 1915 و1916 و1921، وكان هذا عاملا أساس، دفع سلطات الحماية إلى تخصيص منطقة أثرية، حول المدينة العتيقة على مسافة 250 م سميت ب"المنطقة المحفوظة الأثرية لتازة أو Zone Non- aedificandi "، يجب أن تحترم لأنها تضم القرية النيوليتيكية ولقى ومآثر يهودية وإسلامية تعود إلى أقدم العصور، الشيء الذي تم خرقه تباعا بسبب الزحف العشوائي للعمران.
ويحتمل أن يكون اليهود قد نقلوا مدافن موتاهم مسافة أبعد، نحو شرق تازة أي إلى مجال حجرة كناوة وبالضبط وسط حي المسعودية الحالي، أيام كان شبه خال إلا من أرض زراعية وبنايات محدودة متفرقة، وذلك خلال فترات معينة مضطربة على الأرجح، من تاريخ تازة وتلك الميعارة أي المقبرة اليهودية، هي الموجودة حاليا بالحي نفسه وما زال عدد من الأسر اليهودية يزورها بين الحين والآخر وإلى حد الآن، بقصد الترحم على ذويهم، بل من هؤلاء من يذرف الدموع بحرقة ولوعة (....) وهذا المشهد المؤثر وقفنا عليه بالعين المجردة خلال بداية الألفية الثالثة.
ومن الشواهد المادية الطوبونيمية ذات الحمولة الرمزية بتازة، مغارة اليهودي أو "كهف اليهودي" ومثلما تدل عليه التسمية، فهذه المغارة الأركيولوجية، التي سبق أن تحدثنا عنها والواقعة غير بعيد عن الملاح، تحيل دلالتها على شخص يهودي كما هو واضح، يحتمل أنه كان يعيش بين دهاليزها، وهي الفرضية المحددة بالبعد الطوبونيمي نفسه، ومن المرجح أن تسمية مغارة اليهودي/ كهف اليهودي أقدم بكثير من تسمية "كيفان بلغماري".
وقد عرفتها أكثر ساكنة تازة خلال عقود بهذا الاسم "كهف اليهودي" وبعض الناس يربطونه بقصة ابن مشعل (وهو من يهود تازة وعاش خلال منتصف القرن السابع عشر م، كما تفيد كتب الحوليات المغربية ) الشيء الذي يعد مستبعدا لاعتبارات عديدة:
أولها اجتماعي، فابن مشعل كان تاجرا كبيرا بل صاحب إمارة تحت سلطته، على نحو ما ذهب إلى ذلك البعض، وكان جبارا عنيدا، حسب عدد من الباحثين، فلا يمكن أن يقطن تاجر يهودي مُرفَّه متجبر مثل هذا المكان وهو عبارة عن مغارة معزولة، لم يقطنها في الواقع وخلال العصور الجيولوجية المتقدمة إلا إنسان العصر الحجري والحيوانات المعاصرة له التي انقرض أكثرها مع الزمن، ونحن نقصد الإقامة الدائمة بكل مستلزماتها إلى حد افتراض تسميتها باسم من كان يقيم بها.
المحقق، إلى حد الآن، أن المجال الطوبونيمي والأنتروبونيمي (الأماكن المتعلقة بالإنسان)، ونقصد المجال اليهودي، مرتبط أساسا بالحي الشمالي لتازة العتيقة وكان أهله يسمون "موالين الجامع" تمييزا لهم عن "الفوقيين" أي أهل الحي الجنوبي.. ويذهب باحثون إلى أن الحي الشمالي كان هو نواة المدينة العتيقة (الإسلامية ) لأنه ضم المسجد الأعظم، في حجمه الأول الذي بناه عبد المومن الموحدي، كما ازدهر هذا الحي خلال العصر المريني، فارتبط أكثر بأسماء وأما كنية "السلطان" فيما يحيل صنوه الجنوبي على أسماء ونعوت وفضاءات "المخزن" كالمشور ودار المخزن.
والمعروف أن الحضور اليهودي كان بارزا، خلال عصر بني مرين وعبر كل المجالات والحواضر التي ازدهرت خلال نفس الحقبة التاريخية.
وثاني الاعتبارات التي تفند ارتباط كهف اليهودي بابن مشعل، من نوع مجالي، ويتمثل في العزلة النسبية لكهف اليهودي عن المجال البشري المحيط به والتجمع السكني لتازة العتيقة، فالكهف يقع في منحدر Pente هو جزء من هضبة تازة القديمة.. وإذا كان الكهف ملجأ لشخص يهودي، فلا يمكن تفسير الأمر إلا بمحاولة ما ل"الهرب" أو "الانعزال" عن المحيط، والمحتمل أن يكون هذا الشخص اليهودي من "بؤساء" القوم، اتخذ المغارة مسكنا ومأوى له لمدة معينة، فارتبط اسمه بها.. ويبقى الاحتمال ضئيلا في نسبة المغارة إلى شخص يهودي ثري، إلا إذا افترضنا مرة أخرى أن النسبة هنا تعني الامتلاك وهو أمر محال أيضا، اللهم إذا تصورنا أو تخيلنا وجود "كنز" ما أو شيء ثمين فعلا يستوجب الامتلاك، كانت تحضنه تلك المغارة التي تبقى في النهاية ذات أهمية أركيولوجية أساسا بالنسبة إلى الباحثين والمتخصصين دون أي شيء آخر.
يستدل الأستاذ شحلان على قدم الطائفة اليهودية في المنطقة باختلاف طقوس وعادات يهود تازة عن يهود فاس والتي كانت تضم واحدا من أكبر ملاحات المغرب، وهذه ميزة فريدة من نوعها، أي اختلاف يهود تازة عن نظرائهم بفاس.. وأقدم نص وصلنا حول يهود تازة هو للحسن بن محمد الوزان (ليون الإفريقي) Léon L'Africain من كتابه "وصف إفريقيا" حيث يذكر أنه كانت لهم نحو خمسمائة دار في المدينة "أي ما يناهز ألفين وخمسمائة نسمة من ما يقارب خمسة آلاف كانون (أسرة) كانت تقطن بتازة خلال تلك الفترة التاريخية أي الربع الأول من القرن السادس عشر (وهو ما يوافق الدولة الوطاسية التي تعتبر تاريخيا امتدادا لدولة بني مرين).. وبما أن خطاب الوزان كان موجها إلى بابا المسيحيين ليون العاشر في ذلك الوقت ومن خلاله إلى الإيطاليين، فقد أضاف ليون الإفريقي أن هؤلاء اليهود اشتغلوا بصناعة الخمور (الماحيا) ووصفها بأنها في غاية الجودة "ويقال بأنها أجود خمور هذه النواحي كلها" حسب تعبيره.
جرت مياه كثيرة تحت جسر يهود تازة ومعهم يهود المغرب، ووقعت العديد من المنعطفات، عانى منها اليهود والمسلمون على حد سواء، بالبادية والمدينة معا.. وكان للأحداث التاريخية الكبرى التي شهدها المغرب أثرها الواضح على المجتمع المغربي بغالبيته المسلمة وساكنته اليهودية، ولكن العيش المشترك كان أيضا من السمات الأساس ليهود تازة، وحتى خلال اللحظات العصيبة والفترات الملتبسة لنهاية القرن التاسع عشر وصولا إلى الهجرة نحو إسرائيل.
ارتباطا بالإرث العبري لمدينة تازة، ومن أبرز لحظات الإشراق والتعايش بين اليهود وخاصة منهم يهود الملاح وباقي ساكنة تازة من المسلمين، تبادل الزيارات أثناء المناسبات الدينية وكذا الوطنية، وحتى في اللحظات الصعبة على الجميع ومن الأولى عيد الأضحى والفطر بالنسبة للمسلمين وعيد الغفران (كيبور) وهو رأس السنة اليهودية ويعد أكبر عيد يهودي من نوعه. ومن المناسبات الوطنية لكل المغاربة الاحتفال بعيد العرش، سواء في عهد المغفور له محمد الخامس أو المرحوم الحسن الثاني وصولا إلى العهد الحالي.. والمعروف أن السلطان محمدا بن يوسف الذي رفض، ضمنا في البداية ثم علنا بعد ذلك، التمييز بين المواطنين اليهود ونظرائهم المسلمين، على أساس أن الجميع مغاربة. كما أشرك ممثلي الطائفة اليهودية في الاحتفال الرسمي بعيد العرش لأول مرة سنة 1941، مما أثار حفيظة سلطات الحماية الفرنسية التي كانت دائما تسعى إلى احتواء اليهود المغاربة وإبعادهم عن المطالب الوطنية القائمة على الحرية والاستقلال.
كما ظهر التأثير والتأثر بين يهود تازة وساكنتها المسلمة في العديد من المظاهر الاجتماعية والثقافية والقيمية.
ثمة ظاهرة أخرى التصقت بيهود تازة، قد تثير ذهول الباحث في هذا المجال؛ ذلك أن الطائفة اليهودية بتازة لم تعرف نوعا من الاستقرار المستدام، أي الذي يمكن أن يطال جيلا كاملا من الناس مثلا، أو جيلين على أبعد تقدير، فقد كانت الهجرة من وإلى تازة خاصية جوهرية في مسار هؤلاء اليهود.. وأشار بعض الباحثين إلى أن أصولهم تعود إلى قرية دبدو، لا بل حتى هذه القرية استقبلت أفواج اليهود من تازة، بعد سقوط المدينة في يد جيش المخزن العزيزي بقيادة المهدي المنبهي، يوم سابع يوليوز 1903 ضمن سياق صراع السلطان م عبد العزيز مع الثائر الروغي الجيلالي اليوسفي أو الفقيه الجيلالي الزرهوني حول العرش وولاية العهد ومظاهر الفساد والتدخلات الأجنبية، حيث غادرت المدينة أغلب الساكنة اليهودية (كما سنفصله فيما بعد) نحو دبدو من جديد ثم مليلية وتلمسان بعد خراب الملاح مثله في ذلك مثل العديد من أحياء ومآثر تازة.
ولعل غياب الاستقرار المستدام هذا، مما يمكن به تفسير تخوفات هذه الطائفة وتوجساتها وإحساسها غير المطمئن، بل وسبقها المؤسف نحو الهجرة إلى فلسطين بعيد قيام دولة إسرائيل، حيث شكلوا جزءا من المهاجرين اليهود المغاربة والشرقيين عموما، أي اليهود "السفارديم" تحت تأثير المنظمات الصهيونية بفكرها المؤدلج "الخلاصي"؛ مما جعلهم يتأقلمون بصعوبة ويعانون نوعا من الميز في مواجهة الأشكيناز، وهم اليهود القادمون من أوروبا، والذين تحكموا في دواليب الدولة العبرية، الشيء الذي دفع هؤلاء السفارديم إلى الارتماء في حضن اليمين الإسرائيلي من باب المزايدة عليه لا أقل ولا أكثر.
يتبع ...
*رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.