شبيبة "البيجيدي" تُحذر الأحزاب والداخلية من "النزوع نحو إفراغ الانتخابات المقبلة من مضمونها بالسعي لضبط مخرجاتها وتفصيل نتائجها مسبقاً"    ابتداء من اليوم الإثنين.. السلطات تشدد الإجراءات الاحترازية ضد كورونا بمدينة سلا    الموت يفجع ناصر الزفزافي    الشروع في التحقيق تفصيليا مع المتهمين في قضية تصاميم البناء المزورة بفاس    تارودانت: بعد إصابة الباشا و 3 قياد ومدير ديوان عامل الإقليم.. منع التجمعات وإغلاق أكبر أسواق المنطقة لمدة 15 يوما    مستخدمون يشْكون التهميش ومزاجية صرْف المنَح    المغرب يفرض على الشاحنات الإسبانية شراكة مغربية لولوج ميناء طنجة    للمرة ال7 على التوالي.. اتصالات المغرب تحصل على لقب أفضل أداء في المسؤولية الاجتماعية للشركات ل2020    الريسوني: أصبح من الواجب مقاطعة فرنسا ومنتجاتها    صحيفة "صن" البريطانية : نجم المنتخب الفرنسي بوغبا قرر اعتزال اللعب الدولي بسبب إساءة ماكرون للإسلام    السكيتيوي: "لقب مستحق أهديه لجميع المغاربة"    انتخاب المغربية بشرى حجيج رئيسة للكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة لأربع سنوات    الأمطار تعود إلى سماء المملكة الإثنين بعدد من المناطق    الدار البيضاء.. شرطي يطلق الرصاص لإيقاف شخصين أحدهما قاصر أحدثا فوض بالشارع العام    الشرطة الإسبانية تحبط محاولة تهريب شحنة من "القرقوبي" نحو طنجة    تارودانت.. فرض تدابير احترازية جديدة للوقاية من انتشار كوفيد 19 على مستوى جماعة تارودانت    نقابة صحية تستعد للاحتجاج وتطالب بتمكين الكفاءات من مناصب المسؤولية    التونسية آمال مثلوثي مفاجأة حفل ختام مهرجان الجونة السينمائي    فاس. تنسيق أمني يطيح بمنتحل هويات موظفين سامين في سلك القضاء    أمينوكس يستعد لطرح ميني ألبوم بعنوان "الراي ديالي"    ليس دفاعا عن عبد الوهاب رفيقي    فيروس كورونا يحصد وفيات جديدة بسبتة    النصر السعودي يعلن رحيل النيجيري أحمد موسى    مدرب شاختار: الريال مازال مرشحا للفوز بالعصبة    الإبراهيمي يتحدث عن التلقيح الجماعي ضد "كوفيد-19" بالمغرب    بداية توثر العلاقات بين المغرب واسبانيا بسبب اجراءات تجارية    الإرهاب الإسلامي لنا والأمان والعلمانية لهم    رونالدينيو ينضم إلى قائمة المصابين بفيروس كورونا    أومتيتي ستحدث عن سبب مُغادرته لبرشلونة    هل يزيد فصل الشتاء من خطورة تفشي فيروس كورونا ؟    التطبيع: النفط الإماراتي إلى الأسواق الأوروبية عبر إسرائيل وليس قناة السويس    سجال متصاعد بين إردوغان وماكرون وغضب في دول مسلمة حيال فرنسا    جاكي بنزنو: جميع اليهود المغاربة رهن إشارة الملك محمد السادس    عندما اختار آلاف الجزائريين اللجوء إلى المغرب "زمن الاستعمار"    ليفاندوفسكي يقترب من تحطيم رقم غيرد مولر    لبيض يتألق مع أجاكس في فوز تاريخي لأياكس أمام فينلو ب 13-0    ترامب يهاجم فحوص كورونا بعد زيادة الإصابات بالفيروس    بنك المغرب يضخ تسبيقات بحوالي 40 مليار درهم    الانتحار ينهي حياة ثلاثيني في "حي توزاكت" بتنغير    هكذا أرّخت نقرات "الآلة الكاتبة" لنبض الشّعوب وتدفق الحضارات    والي جهة البيضاء يدق ناقوس الخطر بشأن أعداد "مصابي كورونا"    الرابور المغربي "كانية" يصدر أغنية "المكتاب"    أسوأ حصيلة كارثية لإصابات فيروس كورونا بفرنسا توقع على رقم قياسي فاق أل:52 ألف حالة، و الحالات النشطة قاربت المليون حالة… و هذه بقية التفاصيل.    "يوم المغرب" بأمريكا يحتفي بلوثر كينغ والزموري    اسم الآلة يصاب بالعطب    ثورة أمريكية جديدة .. تنافس نخب السياسة وصراع "الفيل والحمار"    السعودية تصدر أول تعليق على الرسوم المسيئة للرسول محمد وموقف ماكرون    هذه تفاصيل الحالة الوبائية في جهة فاس مكناس    انخفاض المؤشرات القطاعية يؤثر على أداء البورصة    رسالتة إلى القابضين على الجمرفي زمن الرداءة    أمسية احتفالية تحسيسية لدعم رواد الحلقة وصناع الفرجة بساحة جامع الفنا في ظل أزمة كورونا            الامم المتحدة توزع "جافيل" على التعاونيات النسائية باقليم الحسيمة    طائرات "Ryanair" تعود لربط طنجة جويا ببروكسيل وباريس ومارسيليا ومدريد    بن حمزة: الاحتفال بذكرى المولد مشروع .. والهجوم على النبي موضة    هيئة سوق الرساميل: ارتفاع إجمالي الأصول المحتفظ بها سنة 2019 بمعدل 6,5 %    فنانون يعيدون الحياة إلى ساحة جامع الفنا بمراكش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فن الهيت الحسناوي الأصيل
نشر في هسبريس يوم 30 - 09 - 2020

فن الهيت الأصيل يعد من التراث الثقافي الثمين لقبائل بني احسن بإقليم سيدي سليمان. لقد اعتادت ساكنة الإقليم في العالمين القروي والحضري على تخصيص فقرات هامة من احتفالاتهم العائلية لهذا الفن الشيق. فلا يهدأ بال المدعوين لأي حفل عائلي إلا بعد المشاركة بحماس في جذبة الهيت، التي تتفاعل على إثرها أعضاء الجسم من خلال تقديم لوحات جميلة عديدة لتعبيرية أجساد المشاركين رجالا ونساء وشبابا وأطفالا. أصل هذه التعبيرات كانت تركز أكثر عن الكتفين والدك على الأرض بالقدمين بحركات جذابة جدا، حركات تتناغم مع صوت الوسائل الموسيقية التقليدية المعروفة. وتعد الطعريجة أو التعريجة والبندير الوسيلتين الرائعتين الأكثر تأثيرا على النغمة الفنية المؤثرة على التعبيرات الجسدية للمشاركين. فالأولى هي آلة إيقاع موسيقية مغربية محضة، تصنف ضمن التراث الموسيقي للبلاد، تصنع من الطين والجلد، ويتم تزيينها بزخرفات مختلفة أو تحتفظ بلون الطين كمادة خزفية هامة بالمنطقة تصنع منها أواني الطبخ المختلفة (الطاجين، الكدرة، القصرية...) ووسائل لشرب السوائل كالأكواب و"الخابيات" المستعملة في حفظ برودة الماء ونقاوته. إنها آلة رائدة في التراث الموسيقي المغربي، بفعل تقنيات صنعها من نوع خاص من الجلد وإطارها الصوتي من الطين، وارتباطها بكل مناسبات الفرح والأعياد والاحتفالات الشعبية المغربية، كما تستعمل، بحضور أقل أهمية مقارنة مع فن الهيت، في العديد من الأنواع الموسيقية المختلفة، كفن الملحون والطرب الأندلسي والدقة المراكشية وفن العيطة. أما البندير الأصيل، فهو إطار خشبي مستدير يكسوه جلد ماعز، يمتد تحته وتران وأحيانا ثلاثة أوتار من معي أو "مصران" الحيوان بشكل متقابل على طول القطر بغرض إحداث اهتزازات صوتية عند النقر وعلى حاشيته ثقب يولج فيه الناقر إبهام يده اليسرى. يختلف حجم البندير باختلاف المناطق، بحيث يساوي 40 سنتيما عند بعض القبائل المغربية، و60 إلى 65 سنتيما عند أخرى. وفي كثير من الأحيان يزين الجلد بزخارف ورموز من خضاب الحناء. إن صنعه التقليدي لا يمكن اعتباره شعبيا ذا جودة عالية إلا في حالة تحويل لطمات المستعمل لجلده بكفي يديه إلى نغمة صوتية خاصة تنعت ب"التزنزين".
فعلى الرغم من التطورات التي عرفها هذا الفن من خلال إضافة أنغام آلتي "الغيطة" و"الكمان" (الكمنجة) و"الطبل"، وتعويض "البندير" التقليدي ب"البندير" المصنوع، يبقى الهيت الأصيل، بحركاته وآلاته المصنوعة من المواد المحلية، وفضاءاته التقليدية، ذا تأثير بليغ على حدة الجذبة والتفاعل النفسي القوي للمشاركين. كما أن تغيير تسمية "المواسم" المحلية بالمهرجانات، وتحويل مكان ممارسة هذا الفن من الخيمات إلى المنصات العصرية، المجهزة بالميكروفونات ومكبرات الصوت العصرية، لم يساهم في ارتقاء هذا الفن، بقدر ما خلق نوعا من التباعد الوجداني بين الجمهور المحلي ورواده. لقد كانت الخيمات المستوعبة لفرقه تعج بالجمهور، الذي لا يمكن أن يتحكم في نفسه والعدول عن تحريك كتفيه ورجليه، ليكتظ على جنبات هاته الخيمات متفرجون متفاعلون ومنفعلون، ليستمر الجميع في الرقص من بدايته إلى نهايته. أكثر من ذلك، بهذا التنظيم التقليدي الأصيل، كانت فضاءات المواسم أكثر أمنا لأنها كانت تعتبر في تمثلات المجتمعات المحلية أمكنة ذات حرمة وقداسة تخضع للحماية والمراقبة الجماعية.
لقد كان لهذا الفن دور منشط للرفاهية النفسية للجمهور، وكذا للخيول المشاركة في رياضة الفروسية الفنية. فبعد نجاح السربة في عملها الفني، يتوسط المقدم أو العلام فريقه ليستقبله فريق فن الهيت بنغمات الغيطة والطبل والطعريجة والبندير، لتشاركهم الخيول رقصاتهم.
إن فن الهيت، هو في الوقت نفسه، ظاهرة صوتية موسيقية ورقصة متفاعلة وصامدة لا تترك المتفرج محايدا، بل يتحول فضاؤه إلى مكان اندماجي تتفجر فيه الغبطة والفرح والسعادة. إنه الفضاء الذي تتشكل فيه أشكال هندسية دائرية أو نصف دائرية صانعة لجو المثاقفة والاعتزاز بالانتماء الترابي وخصوصية تعبيراته الموسيقية الإنسانية، التي تحولت مع مرور الوقت إلى تراث يحمل في طياته طابع الكونية. بفعل جاذبية هذا اللون الفني وتأثيره الوجداني القوي (مثل فن كناوة المميز لمدينة الصويرة)، ارتبط، منذ الاستقلال، التعبير عن رغبة الغربيين لمرافقة جيرانهم وأصدقائهم المغاربة المقيمين بالخارج إلى مدينة سيدي سليمان ونواحيها بإمكانية حضور حفل عائلي تتخلله لوحات فنية من هذا الفن الأصيل.
إن التأثير الإيجابي لهذا الفن الموسيقي-الحركي على النفوس وسعادتها، كان محفزا قويا لتسريع تناقحه وتلاقحه مع فنون ثقافات محلية أخرى، ليعطي أصنافا جديدة منه، ليتحقق، على سبيل المثال، امتزاج واضح بين الهيت وأحيدوس لدى كل من القبائل الأمازيغية التابعة لإقليم الخميسات ومناطق الأطلس، وقبائل كروان التابعة لإقليم مكناس. كما انبثق من خلال هذا التلاقح لوحات فنية جديدة ميزت تراث قبائل تازة. أكثر من ذلك أصبح هذا الفن، إلى جانب فنون الفلكلور المغربي، محددا للوجهات السياحية وخطوطها التجوالية.
لقد أكدت التجربة المغربية أن هذا الفن ازداد روعة وجاذبية مع مرور الوقت. لقد تحول إلى ظاهرة احتفالية شعبية بامتياز بفضل التعبيرات الطقوسية الشفاهية المتوارثة ذات الدلالات والجذور الضاربة في عمق تاريخ تعمير المنطقة. إنها كلمات منظمة دالة عن التاريخ التفاعلي لسكانها مع باقي شعوب دول الإقليم المغاربي وشعوب مختلفة من أنحاء المعمور. وبذلك ففن الهيت الأصيل ليس بدعة عشوائية بقدر ما هو تعبير جسدي وموسيقي ولفظي (أمثال وحكم ومواقف واقعية اجتماعية) معبر عن تفاعل حقيقي ومستمر مع أجواء تاريخ التعبير الرمزي السليماني وتفاعلاته مع ثقافات المناطق المغربية الأخرى وتراث الشعوب العالمية. لقد ترتب عن قوة التناقح بروز أشكال جديدة منه كهيت الحياينة بتاونات، وامتزاجه مع فن الحيدوس الزموري، وظهور تعبيرات واضحة منه في فن رقصة الرگادة والعلاوي والنهاري بشرق المغرب، وكذا في الرقصات الحسانية بجنوب المملكة، لتشكل كل هذه الألوان ثروة تجربة إنسانية ببلادنا تجسد علاقة المغربي بمحيطه السوسيولوجي، وتفاعلاته الترابية في إطار الوحدة الوطنية والسيادة المغربية. إن اعتماده على الهواجس والتأملات والتساؤلات والوضعيات الجدلية المميزة للواقع الاجتماعي جعل منه لونا فنيا معبرا عن التضامن والحب والعشق والحميمية والأنشطة المهنية والزراعية ومكانة المرأة في المجتمع القروي. كما يمكن أن تتخلل رقصاته، الخاضعة لضوابط وقواعد دقيقة في اختيار الهندام (اللباس الفني) والكلمات والقيام بالحركات والشطحات، قصصا مسرحية وحكايات من الواقع القديم أو من الحاضر، ليكون بذلك لونا فنيا تاريخيا يستحق التأمل وإعادة القراءة لسبر أغوار نشأته وتطوره، للوقوف على جماليته كلوحة تمتزج فيها الكلمة والرقصة والقصة والحكاية والرموز ومواقف المروءة.
ما أحوج مجتمعاتنا المحلية، زمن سيطرة ثقافة الاستهلاك والتوتر والتفاهة والتيه الثقافي، إلى العيش لحظات فرح وترفيه من خلال هذا اللون الفني الرائع. بلا أدنى شك، روعته الأكيدة تتجلى في كون راقص الهيت يدخل عالم الجذبة رغما عنه، بحيث يجد نفسه يخترق سلم الإيقاعات الطربية بالتدرج، لينتقل بعد ذلك من طابع البساطة نحو التعقيد للوصول إلى الذروة في الجذبة، مبتعدا عن عوالم الواقع، ومنغمسا في عالم روحاني يغمره وجدانيا وعاطفيا إلى درجة يضطر من خلالها إلى إغماض عينيه والاستسلام كليا، ليصبح إنسانا في وضعية أخرى، يحرك أعضاء جسمه بقوة، ويلاطم الأرض دون انقطاع بأقدامه بحركات مثيرة وبطريقة هستيرية، مرددا عبارة "هاو هاو هاو". وتستمر الجذبة بوثيرة متصاعدة حتى تعطي الانطباع للحاضرين وكأن أجساد الراقصين، بفعل هزاتها وارتعاشها، لم تعد في ملك أصحابها. إن رقصة الهيت الفنية ليست رقصة عادية أو رومانسية، بل هي رقصة تحول الراقص المجذوب والمتحير إلى عالم النفحة الصوفية، وتمكنه من تجاوز الأنا الأحادية بترديد كلمة "هاو" التي تعني "هلم" لترقص معنا. إن تنظيم المواسم، والتي أصبحت تسمى مهرجانات، لا تستوي دون انتصاب خيمات لممارسة فن الهيت جنبا إلى جنب في فضاء يستوعب الروح الجماعية للساكنة المحلية. إنه فن منشط للحياة الاقتصادية المحلية بفعل جاذبيته للزوار من مختلف المستويات الترابية الوطنية وكذا الدولية (السياح الأجانب).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.