التنسيق النقابي الوطني بقطاع الصحة يدعو إلى تسريع إخراج مرسوم الحركة الانتقالية وتثبيت المكتسبات    عدول طنجة يعلنون التوقف الشامل عن العمل احتجاجا على مشروع القانون 16.22    برنامج فرصة.. 28 فبراير آخر أجل للاستفادة من تأجيل سداد قروض الشرف    ملحق أبطال أوروبا.. بودو غليمت يصدم إنتر وأتلتيكو وليفركوزن ونيوكاسل يعبرون للثمن    اعتقال خليل متزوجة هارب من العدالة بالجديدة.. المحكمة سبق أن أدانت خليلته بالحبس الموقوف إثر تنازل زوجها    ترامب يؤكد أن الرسوم الجمركية "ستظل سارية تحت صيغ قانونية بديلة"    مرتيل.. توقيف مواطن هولندي متورط في النصب والاحتيال على 135 مستثمر وتبييض الأموال    أجواء باردة وصقيع في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    بلقزيز: "الاستعلاء الأوروبي" لوثة عنصرية مستمرة أثرت في الاستشراق    فرانس 24 العربية تعتذر بعد أن وقعت في فخ حساب مزيف على منصة "إكس" نُسب إلى ناصر بوريطة    أصيلة.. توقيف أربعة أشخاص بينهم امرأة للاشتباه في الاتجار في المخدرات القوية والشيرا    "بانوراما سبور" يستضيف البطل العالمي السابق "سعيد المريني"    مباراة الرجاء وطنجة.. توقيف 5 حكام    جمعيات تضع مشاكل حي سمسة على طاولة حزب الاستقلال بتطوان والطوب والصالحي ينوهان بتعاون السلطات    أكثر من 100 شخص.. سبتة ترحّل دفعة جديدة من المهاجرين لتخفيف الضغط    الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنفي الانفصال عن وليد الركراكي    كوشنر يتعهد لباريس عدم التدخل    البحرية الملكية تعترض قارب للمهاجرين السريين على متنه 189 شخصا    فيديو سرقة عنيفة يوقف لصا بمكناس    الحرس يوزع 6000 وجبة إفطار يوميا    السنغال تلعب ورقة الإفراج عن مشجعين مسجونين عبر طلب العفو الملكي    هل يخاف حزب الاتحاد الاشتراكي من تصريحات محتملة ضده من طرف الخريم والفيلالي والبقالي والكويرة؟    المغرب يدعو من جنيف إلى تعزيز آليات تنفيذ توصيات حقوق الإنسان    هبات رياح قوية مع عاصفة رملية وتطاير الغبار من الخميس إلى الجمعة بعدد من مناطق المملكة (نشرة إنذارية)    إطلاق مشروع لتشييد رابع أكبر منطقة صناعية في المغرب    أداء الثلاثاء سلبي في بورصة البيضاء    بوليفيا تسحب اعترافها ب"الجمهورية الوهمية" وتغير دفنها نحو المغرب    الصويرة تعزز حضورها في السوق الإسبانية بشراكات مهنية واستراتيجية ترويجية جديدة    بيدري: "لامين يامال أوقف تشغيل الموسيقى في غرفة الملابس بسبب شهر رمضان"    تمويل الخزينة يحتاج 15,5 ملايير درهم    إحالة أشرف حكيمي إلى المحاكمة في فرنسا بتهمة الاغتصاب    أمسية كوميدية بالدار البيضاء تجمع فاتح محمد وأسامة گسوم    الشركة الجهوية: لم يطرأ أي تغيير على التعريفة المعمول بها لاحتساب فواتير استهلاك الكهرباء بتاونات    74 شخصا لاقوا حتفهم في المكسيك منذ مقتل زعيم كارتل خاليسكو "ال مينشو"        أحداث العنف بالمكسيك تهدد مباريات مونديال 2026    غانم سايس.. "الكابيتانو" صاحب الصوت الهادئ والطموح في غرفة ملابس    إيران تسمح لطلاب الجامعات بالتظاهر وتحذرهم من تجاوز "الخطوط الحمر"    لقاء بين بنسعيد وجمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي يناقش الإدماج المهني والدعم المسرحي        بوليفيا تعلق اعترافها ب"الجمهورية الصحراوية" المزعومة    واتساب يطلق ميزة كلمة مرور إضافية لتعزيز أمان الحسابات على iOS وأندرويد    فيلم "رسائل صفراء" المتوج ب"الدب الذهبي" يُجْلي العلاقة بين السياسة والأسرة    استهداف الأسماك الصغيرة يهدد مستقبل الصيد التقليدي بالحسيمة    مقتل "إل منشو" يشعل المكسيك ويهدد مستقبل المونديال    المشاهدة في رمضان: القنوات الوطنية تهيمن ب 70.4 % ودوزيم تحقق الريادة وقت الإفطار    بين الإقبال الكبير وسيل الانتقادات.. هل فقد "بنات لالة منانة" بريقه؟    بولتيك يطلق برنامج "مور الفطور" لإحياء ليالي رمضان 2026 بالدار البيضاء    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    لماذا تبدو شخصيات الشر متشابهة في المسلسلات المغربية؟    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل        دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



10 قيم تحدد درجة تقدم وتحضر المجتمع
نشر في هسبريس يوم 25 - 11 - 2012

لا يملك الملاحظ للفوارق الفظيعة بين مجتمعات وشعوب الكرة الأرضية في طريقة عيشها وطريقة حلها لمشاكلها إلا أن يصاب بالذهول والحيرة. فالناس في أميريكا يستمتعون بالكماليات السخيفة بينما لا يجد ملايين الإثيوبيين والصوماليين لقمة عيش ويموتون ميتة أسخف، منسيين مجهولين. ويسافر الأوروبيون في القطارات السريعة وينزلون في الفنادق المريحة ويستمتعون بالمأكولات اللذيذة بينما تنفق ربة بيت في تشاد أو في المغرب المنسي يوما كاملا تحمل فيه جرة ماء أو كومة حطب على ظهرها لعشرات الكيلومترات تحت الشمس الحارقة أو البرد القاتل. وبينما تستخدم الدولة في إسبانيا المقاربة الحوارية الهادئة لحل مشاكل البلد تفضل الدولة السورية مناقشة شعبها ومعارضيها بالمقاربة الرصاصية وتقنية الحوار بالدبابات والقتل العشوائي. وبينما تعتبر بلجيكا التصويت في الإنتخابات واجبا إجباريا على كل مواطن يعتبر السعوديون انتقاد ولي الأمر والمطالبة بالحرية والديموقراطية فسادا وانحلالا وكفرا.
هذه الفوارق الشاسعة بين كل هذه المجتمعات لا يمكن تفسيرها إلا باختلاف المنظومات القيمية الشائعة لديها. وهذه القيم هي التي تنتج سلوكات الدول والشعوب. فما هي القيم التي تحدد درجة تقدم وتحضر المجتمع؟
الحياة Tudert
الحياة هي أثمن ما يملكه الإنسان. والطريقة التي تعاملت بها المجتمعات القديمة والحديثة مع قيمة الحياة حددت بشكل مصيري درجة تحضرها وتقدمها واستمراريتها.
المجتمعات التي لا تقيم وزنا لحياة الأفراد تعاني دائما من الأمراض الإجتماعية والعنف والتخلف والإنحطاط على عدة مستويات. وذلك بسبب انشغال الناس ب"القتال" من أجل البقاء ومن أجل الدفاع عن النفس باستخدام التهديد ضد التهديد والعنف ضد العنف والقتل ضد القتل والفساد ضد الفساد. وعدم إقامة وزن للحياة يتمثل في القتل أو التحريض عليه، والتعذيب والإعتداء الجسدي، والإعتقال التعسفي، والعقوبات الجسدية، والإعدام، وإشاعة ثقافة حل الخلافات حول الرأي بالعنف والقتل.
لماذا يلجأ الناس للعنف والقتل؟ اللجوء للعنف المتعمد تعبير عن عدم القدرة على إقناع الآخر والرغبة في إبعاده أو إرغامه أو إسكاته. أما اللجوء للقتل العمد فهو تعبير عن الرغبة في إلغاء وجود الآخر وأفكاره نهائيا، أي إلغاء المنافسة وإلغاء الحوار بشكل نهائي. لذلك فالعنف والقتل وتدمير الحياة هو فشل عارم للفاعل ودليل على إفلاسه الفكري والأخلاقي وعدم قدرته على حل مشاكله بشكل عقلاني.
المجتمع الذي يقدس الموت لن يقدر على العيش بكرامة ولن يبني حضارة. وهذا المجتمع ميت أو شبه ميت. ضعيف. مهزوز. مشلول. لا ينتج ولا يتقدم ومآله الفشل الذريع.
أما المجتمع الذي يقدس الحياة ويقدر قيمتها فهو الأقدر على العيش بكرامة أكبر ورفاهية أكبر وبناء حضارة. وهو الأقدر على العناية بأفراده وحمايتهم. وهذا يؤدي إلى إنتاج مجتمع قوي، أي: مجتمع حي.
الحرية Tilelli
الحرية مفهوم واضح للجميع تقريبا.
والحياة بدون حرية لا معنى لها.
ولا تقدم ولا رفاهية ولا حضارة بدون حرية الإنسان الفرد.
أما تقييد الحريات فليس إلا وصفة جاهزة للإستبداد والتخلف والإنحطاط.
المساواة Tagadda
المساواة (وتطبيقها المباشر: العدالة الإجتماعية) هي أحد ركائز تطور وازدهار المجتمع. ولا شك في أن أكبر سبب في تدهور المجتمع وشيوع العنف والفقر فيه هو: انعدام المساواة. المجتمعات الطبقية والنخبوية والإقطاعية محكوم عليها بالخراب والإنحطاط.
لا يوجد ما يدمر نفسية الإنسان وانتماءه للمجتمع أكثر من شعوره بالحرمان واللامساواة والدونية والباب المسدود في وجهه ونظرات الإحتقار من طرف المجتمع، في نفس الوقت الذي يرى فيه الآخرين (المحظوظين) وهم يستمتعون بمباهج العيش الكريم ويعيشون حياتهم كيفما يريدون ويحظون بالإحترام في المجتمع. لا داعي لشرح النتائج السايكولوجية والإجتماعية المدمرة للشعور بالحرمان واللامساواة والإقصاء والإحتقار (الحقرة) فهي واضحة للعيان في المجتمعات الفقيرة والعنيفة. زيادة على ذلك فهناك أبحاث سايكولوجية وسوسيولوجية شملت معظم مجتمعات العالم وتؤكد تأكيدا قاطعا على أن اللامساواة والحرمان والحقرة هي أكبر الأسباب التي تدفع الناس إلى العنف أو الإجرام. فالبديل منعدم. ولأن المجتمع لا يرحمهم فإنهم يقررون بدورهم أن لا يرحموه.
اللامساواة تنتج دائما مجتمعا متوترا وعنيفا تنتقم فيه الفئة المحرومة المحگورة الفقيرة من الفئة المحمية المحظوظة الفاحشة الثراء شر انتقام، سواء بالعنف المباشر أو بطرق غير مباشرة. وحينما لا تقدر الفئة الفقيرة المحرومة على الإنتقام من الفئة الغنية المحظوظة (المحمية بالدولة مثلا) فإن الفقراء والمحرومين والمطحونين يضطرون إلى الإنتقام من بعضهم البعض. وهكذا يمارس المحگور العنف على أخيه المحگور ويحوله إلى "كيس ملاكمة" يفرغ فيه كبته وغضبه، ريثما تسنح له الفرصة للإنتقام من المجتمع ككل.
إلا أن الشعور باللامساواة والحرمان والإحتقار ينعدم تماما حينما يكون الناس فقراء جميعا أو أغنياء جميعا (أي حينما تكون الفوارق بينهم ضئيلة ودرجة المساواة مرتفعة). لذلك فطن العلماء والمفكرون ومن بعدهم الساسة في البلدان المتقدمة إلى الأهمية القاتلة لمسألة المساواة، فجعلوها تتصدر برامجهم الإقتصادية والإجتماعية.
وبنظرة فاحصة إلى الأرقام والإحصائيات سنستنتج أن أقل بلدان العالم عنفا وإجراما وأكثرها تقدما وتحضرا وازدهارا هي تلك التي تسود فيها المساواة (بأنواعها الحقوقية والإجتماعية والإقتصادية)، وهي بلدان أوروبا الغربية واليابان وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا. أما الولايات المتحدة فتعاني (في بعض مناطقها) من ارتفاع نسبة العنف والإجرام والفقر، بسبب ضعف المساواة الإقتصادية والإجتماعية والفوارق الهائلة بين الأغنياء والفقراء، رغم وجود المساواة الحقوقية.
المجتمع اللامتساوي كالرجل الأعرج المعوج المضعضع نفسيا وجسديا، غير قادر على السير الطبيعي ولا على الجري ولا على مسابقة الآخرين. أما المجتمع الذي يقدر قيمة المساواة ويطبقها فهو كالرجل المتوازن جسمانيا ونفسيا: متزن، قوي، متماسك، وقادر على التقدم والإنتاج.
العدالة Tanezzarfut
لا يزدهر المجتمع إلا إذا طور نظام عدالة أخلاقي. العدالة تعطي الناس إيمانا بالجدوى. جدوى الحياة وجدوى النضال. أما انعدام العدالة فمعناه نهاية المجتمع وبداية "شريعة الغاب" وما يتبعها من انحطاط.
العدالة لا تعني فقط عزل المجرمين والمختلين ورد الإعتبار للضحايا وتعويضهم عن الأضرار. العدالة تعكس قدرة المجتمع على إصلاح ذاته وتدارك نواقصه والإعتراف بأخطائه.
هناك نوعان أو مدرستان في العدالة: العدالة الإصلاحية/التصحيحية والعدالة العقابية/الردعية. مهما كان ميل الناس إلى مدرسة أو أخرى فإنهما ضروريتان بمقدار معين حسب الحالة الموضوعية.
العقلانية Tinuẓa
العقلانية لا تعني فقط استخدام العقل والمنطق في الحياة، ولكن تعني أيضا نقد الأفكار ونقد المنهج نفسه بشكل مستمر. السبيل الوحيد للتعامل مع الآخرين المختلفين عنا هو الحوار العقلاني، مع ضمان حق جميع الأفراد في الإختلاف. الحوار العقلاني مبني على المنطق والحقائق العلمية والبراهين العقلية. وإذا كانت الدول المتحاربة والجيوش المتقاتلة تتفاوض وتتحاور فيما بينها حول الهدنة أو السلم باستعمال العقلانية (رغم عدائها الشديد لبعضها البعض)، فالمجتمع المتآخي أولى وأجدر بتبني منهج العقلانية في تسيير شؤونه وتدبير اختلافات أفراده.
المنهج العلمي Tarrayt tussnant
المنهج العلمي (في العلوم والتكنولوجيا) هو الطريقة الوحيدة للبحث عن الحقائق وتحسين مستوى عيش الإنسان. كل المجتمعات والحضارات المزدهرة قديما وحديثا تبنت المنهج العلمي واهتمت بالبحث العلمي وبالتطبيقات التكنولوجية. هذا ينطبق على حضارات أفريقيا وبلاد الرافدين منذ آلاف السنين وعلى أميريكا واليابان وأوروبا في هذا العصر. بدأت تطورات التكنولوجيا باستعمال الأدوات الحجرية والسيطرة على النار، ووصلت اليوم إلى استعمال الطائرات والجراحة الطبية الدقيقة والسيطرة على الذرات وغزو الفضاء.
كل المجتمعات المتقدمة المزدهرة هي بالضرورة مجتمعات تتبنى المنهج العلمي وتضع البحث العلمي على رأس أولوياتها، وتبني برامجها التنموية على أساس الحقائق العلمية والتطبيقات التكنولوجية.
العَلمانية Tameddanit
العَلمانية هي فصل الأديان عن الدولة والإدارة والسياسة، وإدارة كل شؤون المجتمع بلا تمييز بين المواطنين مهما تطابقت أو اختلفت آراؤهم الدينية والعقدية والمذهبية والفكرية والفلسفية. العَلمانية تعطي الأولوية القصوى للإنسان وحياته الدنيوية الآنية وتجعل حريته وكرامته ورفاهيته أهدافا نهائية في حد ذاتها. أما إذا أراد الإنسان أن يجعل لنفسه أهدافا سامية أخرى (روحانية، دينية، فلسفية، فنية...) فذلك خارج عن مجال الدولة العَلمانية لأنه يدخل في دائرة حرياته واختياراته وقناعاته الشخصية التي لا يحق للدولة ولا للمجتمع التدخل فيها. الدولة العَلمانية لا تتدخل في المعتقدات الدينية والفكرية للمواطنين وإنما تتركهم يقولون ويمارسون ما يشاؤون في حرية تامة.
وظيفة الدولة العَلمانية تنحصر في ضمان الحريات للجميع (بما فيها الحريات الدينية والعقدية) وردع الإعتداءات على حياة وحريات الأفراد. الدولة العَلمانية لا تعادي الأديان ولا تساندها، وإنما تعاملها كمنظومات فكرية مثل غيرها من المنظومات الفكرية والفلسفية، يقبلها من يشاء ويرفضها من يشاء.
لا يوجد في العالم بلد مزدهر غير عَلماني. و"الإزدهار" المقصود هنا ليس المداخيل الريعية والمالية، وإنما المقصود هو الإنتاج الصناعي والتكنولوجي والثقافي والفني والعلمي والحضاري.
ولا يوجد مجتمع حر غير عَلماني. كما أنه لا توجد دولة ديموقراطية حرة غير عَلمانية.
وقد يقول البعض بأنه كانت هناك "دكتاتوريات عَلمانية" فصلت الأديان تماما عن الدولة والسياسة وسحقت مواطنيها شر السحق، مثل الإتحاد السوفياتي وألمانيا النازية وكوريا الشمالية والصين الشيوعية والعراق الصّدّامي وسوريا الأسدية وليبيا القذافية. ولكن إذا تأملنا جيدا في هذه الأنظمة الدكتاتورية فسنجد أنها ليست عَلمانية حقا. فكل ما فعلته هو تعويض الأديان التقليدية بأديان جديدة مثل "الشيوعية الإجبارية" و"النازية" و"الإشتراكية الإجبارية" و"القومية العربية الإشتراكية" و"النظرية القذافية الثالثة". حيث كانت هذه الأيديولوجات تلعب دور "دين الدولة الرسمي" وتعامَل بتقديس ديني أسطوري لا يختلف أبدا عن تقديس الأديان التقليدية.
وتملك تلك الأيديولوجيات "كتبها المقدسة" ("البيان الشيوعي"، "الكتاب الأخضر"، "ميثاق حزب البعث"، "دستور الحزب الشيوعي الصيني"...إلخ). ولديها أيضا شعاراتها السحرية وأناشيدها وطقوسها وتقاليدها ورموزها ونظام حياتها. ويتعلمها الأطفال في المدارس كحقائق مقدسة لا تناقش. ويقتل كل من يرفضها أو ينتقدها أو يسخر منها. ويقدس "أنبياؤها" تقديسا عظيما (هتلر، ستالين، ماو تسي تونغ، صدام، القذافي، الأسد...) وتقام لهم التماثيل والتصاوير في كل مدينة وقرية.
إذن ما هي الدولة العَلمانية الديموقراطية الحقيقية؟
إنها الدولة التي لا تتبنى دينا رسميا أو أيديولوجيا رسمية، وتفصل بين الدين ومؤسسات الدولة وبين الأيديولوجيا ومؤسسات الدولة. الدولة العَلمانية الديموقراطية هي التي تترك للناس حرية التفكير والتعبير وحرية اختيار أيديولوجياتهم وأديانهم وعقائدهم وأنماط حياتهم، ويقتصر دورها على إدارة شؤون المجتمع المادية والإقتصادية والإجتماعية بدون أجندة دينية أو أيديولوجية.
الديموقراطية Tugdut
وظيفة الديموقراطية في المجتمع هي تطبيق برنامج الأغلبية مع حفظ الحقوق الإنسانية للأقلية والأغلبية. الديموقراطية لكي تكون عادلة يجب أن تكون مبنية على مبادئ الحرية وحقوق الإنسان، وإلا تحولت إلى نوع من شريعة الغاب تسحق فيها الأغلبيةُ الأقليةَ، ويأكل فيها القويُّ الضعيفَ. الديموقراطية ميكانيزم (آلية) لتطبيق مبادئ حقوق الإنسان في المجتمع ولتدبير الإختلاف في الآراء والمصالح بين الأفراد.
حينما يختلف الناس حول مصلحة عمومية (تدخل في مجال الشأن العام وليس الخاص) يتم اللجوء إلى المنهج الديموقراطي (أي إفساح المجال لكل الآراء والمقترحات)، ثم إلى الميكانيزم الإنتخابي الديموقراطي لإختيار الحل التي تريده الأغلبية بشرط أن لا يعتدي على الحقوق الإنسانية للأقلية أو الأغلبية. حينما تنتهك الدولة أو الحكومة حقوقَ الإنسان فهذا يعني بأنها دولة/حكومة استبدادية حتى لو كانت مبنية على أصوات الأغلبية. فحقوق الإنسان غير معنية بآراء الأغلبية أو الأقلية، وإنما هي معنية بحقوق وحريات الإنسان الفرد.
التضامن Tawiza
كل المجتمعات التي تسود فيها قيم الحرية الفردية والمصلحة الشخصية (وهي قيم أخلاقية ما دامت لا تعتدي على حياة وحرية الإنسان) تحتاج دائما إلى شيء مهم وأساسي:
التضامن، ومشتقاته كالتعاون والتكافل والتراحم والتآخي والتآزر.
المجتمع غير المتضامن والمبني على الفردانية المطلقة والأنانية القصوى والرأسمالية الكاملة لا يستحق صفة "المجتمع" وإنما هو "سوق أسبوعية" أو "حلقة هزلية" أو "جمهرة عشوائية من الناس".
والدولة التي لا تقوم بواجبها في تأسيس مجتمع متضامن مبني على المساواة والحرية والعدالة الإجتماعية لا تستحق صفة "الدولة" وإنما هي "قباضة لجمع الضرائب" أو "شركة تأمين" أو "نادٍ يرعى مصالح الزبناء المشتركين".
قد يبدو للبعض أن "التضامن والتعاون والتكافل" نوع من "الأعمال الخيرية" التي "يتكرم" بها المحظوظون الأغنياء على الفقراء والضعفاء ك"منة" أو "صدقة". هذا كلام فارغ طبعا. فالموارد الطبيعية ملك لكل البشر. وجميع الناس لديهم حاجات إنسانية أساسية (كالغذاء والدواء والتعليم والسكن اللائق) يحق لهم الحصول عليها مهما كان مركزهم الإجتماعي وسواء كانوا أغنياء أو محتاجين، محظوظين أو غير محظوظين، عاملين أو معطّلين. والألقاب الطبقية مثل "غني"، "فقير"، "شخصية مهمة"، "ابن فلان"، "رئيس"...إلخ لا معنى لها ولا قيمة لها حينما يتعلق الأمر بالحاجات الأساسية للإنسان. وتوفير الحاجات الأساسية لكل إنسان بغض النظر عن مركزه الإجتماعي وحالته الإقتصادية واجب على الدولة وكل أفراد المجتمع (عبر نظام ضريبي واقتصادي عادل مثلا).
والأفراد، رغم امتلاكهم الحرية الفردية والقدرة على التميز والإغتناء والإكتفاء الذاتي والإستقلال عن الآخرين، يبقون أفرادا محدودي القوة والقدرة وقابلين للإنكسار في أية لحظة. لهذا فالمجتمع المتضامن هو بوليصة تأمين دائم وغير مشروط لجميع أفراده. والمصلحة العامة للمجتمع تصب في النهاية في المصلحة الخاصة للأفراد ولكن بشكل متوازن وعادل.
ونجد أن أوروبا الغربية واليابان وأستراليا وأميريكا الشمالية هي أكثر المجتمعات تضامنا وتكافلا على الإطلاق. حيث تملك نظاما اجتماعيا يحمي ويساعد الفقراء والمرضى والمعطلين إلى حد ما، وتملك أكبر عدد من منظمات التضامن الإجتماعي والعمل الخيري والتعاوني. وهذا كله ينعكس على ارتفاع معدلات التنمية البشرية لديها بالمقارنة مع بقية بلدان العالم. بل إن حتى "أسعد الناس" نسبيا في العالم يعيشون في تلك المجتمعات، حسب عدد كبير من الإستطلاعات.
الإنسانية Tiffugna
وهي اتجاه فكري أو فلسفي أو أخلاقي يركز على قيمة الإنسان وحياته وأفكاره الحرة. الإنسانية تركز على محورة الحضارة حول الإنسان وتجعل الأخلاقيات منبثقة من العقل والعلم ومسايرة للطبيعة الإنسانية وغير محاربة لها. الإنسانية تحترم الحاجات الجسدية والنفسية للإنسان وتفتح المجال لإهتماماته الفكرية وتشجعه على توسيع قدراته العلمية. المقصود هنا ليست فقط تلك "الحركة الإنسانية" التي ظهرت في أوروبا في عصر النهضة، وإنما المقصود هو مجموع الأفكار الإنسانية البناءة التي طورتها الحضارات في كل بقاع العالم، وأوروبا ليست أولها ولا آخرها. ف"الإنسانية" أو "حقوق الإنسان" ليست اختراعات أوروبية أو أمريكية. فكل ما في الأمر هو أن الأوروبيين والأمريكيين استفادوا من إنجازات وتراكمات الحضارات الأخرى وأضافوها إلى إنجازات وتراكمات حضارتهم فتمكنوا من بناء حضارة إنسانية حديثة راقية نسبيا، مازالت تتطور وتتحسن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.