إن من بين أساسيات ومسلمات الممارسة الديمقراطية الحقة هي قوامة دوران النخبة وتجديدها من أجل توسيع دائرة المشاركة بين مختلف فئات المجتمع ،وضمان نوع من المساواة في الولوج الى مختلف المناصب والوظائف على قدر سموها وكبرها ،مع اشتراطات الكفاءة العلمية والمعرفة الواسعة بشؤون التدبير والتسيير،وحتى نيل حظوة التموقع في منافذ الاستشارة وتقديم النصح بمستواه التقني والعلمي وعلى مختلف مستويات صناعة القرار من الهرم إلى الاعلى في سلم ممارسة السلطة ،وفي شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . فالحنكة والرشادة في عملية صنع القرار تخضع لبداهة وجود نخبة حكيمة تتوافر فيها شروط ذاتية وموضوعية ،تمكنها من القيام بدورها على أحسن وجه مع ضمان عنصر التجديد والدوران في هذه النخبة ،والتي تتعرض بصورة دائمة لعمليات التغيير والتبديل كلما استنفذت مهامها أو لم تعد تستجيب لتحديات مستجدة لأي مرحلة ،ذلك إن مناصب المسؤولية ليست نعمة لأصحابها لا يفارقون محياها إلا بمالات الموت البيولوجي ،وإنما زائلة ولو بعد حين في ظل عدم القدرة في الوفاء بمتطلباتها وحسن القيام بواجباتها ،ليأتي من تتوفر فيه الاستطاعة والمقدرة الحسنة والكفاءة الحاصنة. وما يلاحظ في النظم المقارنة ذلك التداول على مناصب المسؤولية كيفما كانت طبيعتها ودرجة سموها وسموقها ،وتخضع هذه العملية سواء لقواعد انتظامية لها أو لقانون لعبة التداول وهو أن الصالح دائما يطرد الطالح ،والرجل المناسب في المكان المناسب ،حيث أصبحت المسألة كثقافة سياسية وإدارية متجذرة بدرجة تجذر الممارسة الديمقراطية في حد ذاتها ،وإرادوية أيضا بين مختلف الفاعلين والتي تحفزهم على العمل أكثر وبذل المجهود في صالح خدمة الوطن والمواطن. إلا أنه في مغربنا العزيز أقل ما يمكن التلفظ به هو وجود نخبة مغلقة مصونة ومحفوظة تتلقى الرعاية التي تمكنها من النفوذ إلى كل منافذ المسؤولية والانقضاض على المناصب ،وهي نخب محنطة تبتغي السلطة لدرجة الهوس والهيام بها ،وهي تقدم المبادئ وحتى الشرف إن اقتضى الحال كقربان للتقرب والتودد إلى السلطة ،وعوض أن نخضع في أدبيات اشتغالنا لمنطق دوران النخبة وتغيرها ،فإننا نعاكس هذه المعادلة ذات الصبغة الديمقراطية ونصبح أمام "نخبة الدوران" التي تدور على نفسها بمعنى بقاؤها الازلي في المنصب أو لذاتها أي بتحصيل أكبر قدر ممكن من المناصب والمسؤوليات ،فهي التي تدور على المناصب بتنوعها وتبايناتها سواء ما هو موجود وقائم، أو خلق مواقع ومناصب جديدة تلائمها وتلبي جموح الأنا الأعلى لديها ،فهي نخبة محظوظة لكونها دائمة الحضور والتنقل والترحال بحثا عن الكلأ والزاد الماديين والمعنويين،ومع كثرة دورانها وتنقلها بين المناصب يصاب المواطن بالدوخة والتلف وبفعل دورانها يكثر معها اللف والدوران على مصالح العباد . فهي كلها أسماء عهدناها وألفناها ،تغيرت معها تضاريس السياسة والسلطة والمسؤوليات وهي لم تتغير باقية على عهدها وماضية في مسعاها ومسلكها دون كل ومل،ولم تتغير معها أيضا تضاريس وجوهها ،فلا يكاد المرء يسمع ولادة أي مولود مؤسساتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو في مدارج العمل الاداري ،وتحت أي شكل هيكلي وتنظيمي إلا وتتردد نفس الأسماء،وحتى النخبة المغضوب عليها تتلقى نهاية الخدمة من خلال تبوء منصب تشريفي كجزاء أو تلقي الخدمة في منفى خارج الوطن أو داخله ،والذي قد يكون اختياريا أو جبريا بحسب درجات الغضبة . في المغرب نتقن لعبة الجمع بين الوظائف والمناصب بالإضافة إلى وجود نخبة تتقن فن التزلج عليها وبمكاسب مختلفة وعظيمة ،وكأن هذه الأم المغربية غير ولادة ،وهكذا كتب ل"نظام العزو" الذي يتأسس على العلاقات الشخصية والقبلية والعائلية وسلطة المال والجاه ،أن ينتصر ويكرس منطقه وقواعده ويزج بمعياري الكفاءة والاستحقاق إلى غياهب النسيان والتهلكة ،ويؤسس ل"ديكتاتورية النخبة "التي تغولت واستأسدت في كل المواقع والأمكنة والأزمنة وبلا حسيب ولا رقيب . وهناك توريث سياسي وبرلماني أيضا ،ذلك إن ابن الزعيم السياسي الحزبي لا يمكنه الخروج عن جلباب أبيه ويعيش في كنف جلباب اخر ،ونفس القاعدة تلقى التطبيق والانسياب في التوريث البرلماني حيث أضحى البرلمان يجمع عائلات فيها الاباء والأبناء والأصهار ،ومنهم طبعا من يرث المنصب البرلماني بالتعصيب في دائرته الانتخابية ،وبقهر أي منافسين محتملين ،فمن غير المعقول والمنطقي أن يفرط في المنصب البرلماني بعدما ظل في ملكية أبيه لردح من الزمن ،أي اكتسبه بالتقادم وبوضع اليد عليه وأضحى ملكيته الخاصة . إن هذه الحالة من السكونية على مستوى دوران النخبة بمعنى سيادة الجمود في تغيرها وتجديدها وما يقابلها من دينامية على مستوى النخبة الواحدة التي تدور على المناصب والمسؤوليات ودون احترام علامات الوقوف والتوقف هي مؤشر حقيقي على أزمة النخبة في حد ذاتها ،والتي تؤكد على مكمن الازمة في عجلة الديمقراطية. فنحن بحاجة ماسة الى مدونة جديدة للسير السياسي من اجل تفادي هذه الحوادث السياسية الكثيرة التي غدت ترهن الفعل السياسي والتدبيري لشؤون الامة،وذلك بضخ شرايين جديدة في الجسم السياسي المغربي وطرد كل الطفيليات المترهلة التي تقتات من كل شيء وعلى حساب أي شيء . وفي الختام ما علي إلا أن أتقدم ب"الإعتذار إلى المنظرين والمتفقهين في شؤون النخبة ،إن تطاولت في توظيف مصطلح النخبة على هذه الكائنات القائمة ،والتي تفتقد إلى أبسط المقومات الذاتية والموضوعية لكي تنال حظوة لقب النخبة،لأنها بكل بساطة وبالمعنى اللغوي والاصطلاحي ليست كذلك ولن تكون كذلك ".